رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

744

د. قيس عبد العزيز الدوري

تجليات الروح بين الباراسيكولوجي وعمق الإيمان

17 يونيو 2026 , 11:02م

الوقوف على حدود الوعي البشري وسبر أغواره ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو رحلة استقصائية في جوهر الكينونة الإنسانية والروابط الخفية التي تربط هذا الكيان المحدود بالكون الفسيح. لطالما استوقفتني عبر دراساتي التاريخية والتحليلية تلك الأحداث والظواهر التي تتجاوز التفسيرات المادية الصرفة، وتضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلة البدء العميقة: هل نحن مجرد قوالب عضوية محكومة بجغرافيا الجسد؟ أم أن في أعماقنا فضاءً أثيراً لا تحده جدران المادة؟

في مقاربةٍ تأملية لكتاب "ما وراء الوعي" للدكتور نايف الجهني، نجد محاولة جادة لإعادة صياغة المفهوم الغربي لـ "الباراسيكولوجي" أو علم النفس الموازي، ووضعه في إطاره الأسمى: التأمل الإيماني والكرامة الروحية. إن الظواهر الخارقة التي يجهد العلم الحديث لوضع مصطلحات معقدة لها مثل "التخاطر"، "الجلاء البصري"، أو "الإدراك الفائق للحواس"، تجد في عمق الرؤية الإسلامية فضاءً رحباً يتجاوز التفسير الميكانيكي إلى التجلي الإلهي والنوراني البحت.

إن المحرك الأساسي لهذه القدرات الخارقة ليس طاقةً بيولوجية غامضة، بل هو تجلٍّ لصفاء الروح المؤمنة عندما تتحرر من أسر شهوات الجسد وتتصل بمصدر النور. وهنا يستحضرني دائمًا الحديث القدسي العظيم الذي يعد القاعدة الذهبية لفهم هذا العروج الروحي: «...وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها...». هذا الحديث ليس مجرد نصٍ تعبدي، بل هو توثيق للمرتبة التي يصبح فيها إدراك الإنسان فائقاً بنور ربه، فيرى ما لا يراه عامة الناس، وينظر بفراسةٍ صادقة تتجاوز حجب الزمان والمكان، كقوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله».

وعند تتبع الشواهد التاريخية والتراثية التي زخر بها الكتاب، نجدها تمثل أرشفةً معرفية لظواهر واقعية تجاوزت حدود الوعي اليومي المألوف:

• تأثير الأرواح في المنام: تلك الروابط الأثيرية الخفية التي تتيح للأرواح أن تتلاقى وتؤثر في بعضها وفي الواقع اليقظ، كما نقل ابن القيم في كتاب الروح عن كرامات الرؤى الصادقة التي كانت تغير مسار الأحداث الوجلية.

• التواصل عبر العوالم (رؤية الشهداء والحديث معهم): تلك الحوادث التاريخية الموثقة، كقصة عمير بن حبيب السلمي، التي تبرهن على أن الموت ليس فناءً، بل هو انتقال لكينونة الروح الحية التي يأذن الله لها بالتدخل أو البشارة بكرامة إلهية.

• تسخير النواميس المادية: من قصة أبي مسلم الخولاني ونجاته من النار، إلى المشي على الماء وإضاءة الجوارح؛ وهي تجليات تظهر كيف تنقاد المادة للروح عندما تبلغ هذه الأخيرة ذروة الإخلاص واليقين والتجرد.

إن الحواس الخمس التي نعتمد عليها في حياتنا اليومية ليست سوى نوافذ ضيقة؛ فالشم، واللمس، والبصر، ليست أدوات مادية فحسب، بل إن خلفها حواساً أعمق وقوى خافية عن وعينا السطحي، تتحرك وفق إيماننا وشفافية إحساسنا.

ختاماً، أقول:

إن دراسة "ما وراء الوعي" من منظورٍ إيماني وتاريخي تقودنا إلى حقيقة واحدة: وهي أن الإنسان لغزٌ كوني عظيم، وفي تشكيله وتكوينه أسرارٌ تفيض عن حاجة الجغرافيا العضوية. إنها دعوة للتحرر من قوالب المادية الجافة، والغوص في المحيط الحقيقي لتكويننا، لنرى بعين البصيرة لا البصر وحده، مصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

اقرأ المزيد

صف خليجي موحد في مواجهة التطورات بالمنطقة صف خليجي موحد في مواجهة التطورات بالمنطقة

الموقف المشترك الذي عبرت عنه جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، في إدانة العدوان... اقرأ المزيد

126

| 24 يوليو 2026

ويبقى باب السماء مفتوحاً ويبقى باب السماء مفتوحاً

في زحام الحياة، يظن بعض الناس أن كثرة الذنوب قد أغلقت أمامهم أبواب العودة، وأن ما اقترفوه من... اقرأ المزيد

117

| 24 يوليو 2026

لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد

ليست أخطر الخسائر أن تضعف لغة أمة، وإنما أن يضعف العقل الذي يحملها. فاللغة لا تموت حين تقل... اقرأ المزيد

132

| 24 يوليو 2026

مساحة إعلانية