رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من حق الرئيس محمود عباس أن يستقيل من رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن رئاسة السلطة الفلسطينية، وشكره على ذلك، وقبول الاستقالة على ظاهرها، ونتخادع ولا نعتبرها مناورة سياسية، وأن نشجعه على المضي فيها وعدم سحبها. يعرف الرئيس عباس ومؤيدوه ومعارضوه أيضاً أن الوضع الفلسطيني دخل حالة من التكلس القاتل، وأن أحد أهم أسباب هذا التكلس هو تعفن الطبقة القيادية التي ظلت على رأس الهرم السياسي والنضالي الفلسطيني منذ أن انطلقت الثورة الفلسطينية بشكلها الحديث في أواسط الستينيات من القرن الماضي.
يعرف الجميع أيضاً أن متوسط أعمار هذه الطبقة يتجاوز الثمانين عاماً، وأن جلهم ممن كانوا في العشرينيات من العمر ورافقوا بدايات النضال الفلسطيني، آن لهم أن يترجلوا ويتركوا لغيرهم قيادة المشهد. لا يخترع أحد العجلة من جديد عندما يقول إن استمرار القيادات لعشرات السنين في مواقعها لا يعني سوى التعفن، فهذه ملاحظة انتقلت من مربع التنبؤ الاجتماعي والسياسي وصارت قاعدة تنتمي إلى قوانين الفيزياء والرياضيات. حتى القادة التاريخيين العظام الذين غيروا مسارات ومستقبلات بلدانهم تنحوا جانباً، وتركوا للدماء الجديدة أن تجري في عروق بلدانهم ومجتمعاتهم وناسهم.
في الطبقة القيادية السياسية الفلسطينية الثمانينية العمر والتي تعاني من كل أنواع الأمراض السياسية والجسدية أيضا، ليس هناك وينستون تشرتشل هزم النازية وأنقذ بلاده من كارثة الوقوع تحت احتلالها، وليس هناك شارل ديغول أيضا، ولا نيلسون مانديلا بعظمته التاريخية والنضالية والإنسانية. هؤلاء جميعا قاموا بنصيبهم في القيادة ثم ودعوا كراسيها الأثيرة برفعة ورجولة. على الرئيس عباس أن يقتدي بهؤلاء ويسلم الأمانة مشكوراً.
من ناحية سياسية بحتة وبتحليل بارد تحولت السلطة الفلسطينية ومشروع أوسلو برئاستها الحالية إلى منحة سماوية لإسرائيل، لأنها تحقق ديمومة الوضع القائم بشكل مذهل، وهو وضع تعتاش عليه إسرائيل الآن بحبور وارتياح، ويمكن أن تعتاش عليه إلى ما لا نهاية. الوضع القائم يعني أن إسرائيل لا علاقة لها بأكلاف الاحتلال الكولونيالي الذي تفرضه على فلسطين والفلسطينيين وبكونها القوة الاحتلالية من وجهة نظر القانون الدولي، بل تحيل تلك الأكلاف إلى الشعب الواقع تحت الاحتلال ليقوم بالوظائف الحياتية، ولتتصارع فئاته على من يقوم بتلك الوظائف. في الوقت نفسه تبقى القضايا الكبرى مثل السيادة، والقدس، والحدود، واللاجئين، معلقة في سقف المستقبل والأوهام المزروعة في الهواء. هذه القضايا كان من المُفترض أن تكون قد حسمت سنة 1999 مع انتهاء المرحلة الانتقالية من اتفاق أوسلو، وأن تكون قد قامت بعدها الدولة الفلسطينية. عوضا عن ذلك لنتأمل ما حدث ومن منظور تحليلي واسع، يقارن الحالة الفلسطينية بحالات التحرر والاستقلال الوطني التي أعقبت مرحلة التخلص من الاستعمار في آسيا وإفريقيا وغيرها.
أولاً، في كل عملية تفاوض بين حركة تحرر وقوة استعمارية كان الهدف واضحا وكان الإطار الزمني واضح، بحيث لا تبقى عملية التفاوض قائمة إلى الأبد، ولا يتغير الهدف. فلسطينيا، وأوسلوياً، لم يكن هناك هدف واحد واضح هو التحرر الوطني وعودة أمور ما قبل الاحتلال إلى نصابها، بل تم تفكيك ذلك إلى مجموعة من الأهداف، القضايا الأساسية التي تم ذكرها، والتي تليها الدولة المفترضة. أتاح هذا للعدو أن يفاوض على كل هدف من الأهداف، ويتلاعب بها، ويعد بتقديم تنازل هنا، مقابل تخل عن هدف هناك. وهذا ورط الحالة الفلسطينية في مسألة التفاوض اللانهائي التي شهدناها.
ثانياً، لم يكن هناك أي سقف زمني للتفاوض، بل ثبت أن لا سقف هناك أساساً، واكتشف الفلسطينيون أن القيادة الفلسطينية تفاوض تحت شعار "الحياة مفاوضات". وفي حالة كهذه يسعد الخصم طبعا ولا يكون هناك أي ضغط حقيقي. مقابل ذلك أجهضت كل مشروعات مقاومة الاحتلال أو تحولت طاقتها إلى قتال داخلي.
ثالثاً، تمكنت إسرائيل خلال سنوات أوسلو العقيمة من ربط الاقتصاد الفلسطيني والطبقة المنتجة فلسطينيا فضلا عن الجزء الأكبر من القيادة السياسية نفسها بمنظومة السيطرة والامتيازات الإسرائيلية، وبالتالي تم شل هذه الأجزاء الفاعلة من المجتمع الفلسطيني وصارت مرتبطة حكماً وعضوياً بالمحتل نفسه.
رابعاً، بسبب تعدد الأهداف ثم غموضها ثم وقوعها في لعبة التنازلات والتخلي والمبادلات، انشق الصف الوطني الفلسطيني رأسياً، وقدم الغباء الفصائلي التنافسي على فتات السلطة الوظيفية، وتحديداً الحمساوي ـ الفتحاوي، هدية سماوية أخرى لإسرائيل تمثلت في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وخلق انقسام ظلت شقته تتسع مع السنوات، وتخدم إسرائيل يومياً.
خامساً، انخرطت السلطة الفلسطينية التي كان من المفترض أن تكون مؤقتة ولمدة خمس سنوات فقط في الشرك الإسرائيلي الذي كان يغريها بسراب الأهداف الجزئية التي يمكن أن تحققها، أن أثبتت حسن سلوكها. وبهذا انفصل مسارها عن مسار كل حركات التحرر السابقة التي لم تقبل أن تُمنح شهادة حسن سلوك من مستعمرها تؤهلها لأن تكون قيادة لبلدها وشعبها. الشرك الإسرائيلي في نظام أوسلو تمثل في وضع تفاحة معلقة بالهواء ودرجات سُلم على السلطة أن تصعده كي تصل إليها. كلما صعدت السلطة درجة، أحرقت إسرائيل تلك الدرجة فما عاد بإمكان السلطة العودة إلى الوراء والهبوط على الأرض. بقيت السلطة تصعد في الهواء الفارغ بحثا عن السراب، ودرجات السلم تُحرق من تحتها. كانت إسرائيل تريد أن تصل بالسلطة إلى ما وصلت إليه الآن، جزء لا يمكن خلعه من حقيقة الوضع القائم، حتى لو قرر القائمون عليها التخلي عنها. لهذا، أصبحت الدعوة إلى حل السلطة الفلسطينية والتخلي عنها تُقابل إما بالاستهجان، أو بالتحليل "الموضوعي" الذي يقول باستحالة ذلك بسبب اعتماد ثلث الفلسطينيين عليها أو ما إلى ذلك من تبريرات.
خامساً، وكصورة تقريبية فعالة أكثر لها علاقة بتشتت الأهداف، فإن نظام أوسلو قاد السلطة في نهاية المطاف إلى وضع يشبه وضع فريقي كرة قدم يلعبان من ناحية افتراضية ضد بعضهما البعض، السلطة وإسرائيل. إسرائيل تسجل أهدافا يومياً في مرمى السلطة، والسلطة العتيدة تجري وراء الكرة في طول وعرض الملعب من دون تسجيل أهداف، والسبب ببساطة أن إسرائيل لم تسمح أساساً ببناء مرمى في ملعبها! هكذا هو وضع السلطة ورئاستها وعلى رأسها الرئيس عباس في المعركة مع إسرائيل، ركض باتجاه ملعب العدو الذي ليس فيه مرمى للتسجيل أصلا!.
سادساً، خلال تلك المسيرة المريرة، عبر أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، وعلى خلاف مع كل نواتج حركات التحرر والاستقلال في العالم الحديث، أنتج الوضع الفلسطيني حالة فريدة تتمثل في "الفساد قبل الدولة". في معظم حالات التحرر قامت الدولة ثم جاء الفساد، وبعده انخرطت القوى المحلية في إعادة بناء الدولة المستقلة على أسس ديمقراطية ومشاركة سياسية تقضي على الفساد الذي دب بعد الاستقلال. في الحالة الفلسطينية جاءنا الفساد قبل أن تقوم الدولة، وهذا جانب آخر من جوانب عبقرية أوسلو، التي شلت الشعب واستنزفت طاقاته في كل الاتجاهات التي ليس فيها أهداف حقيقية.
بسبب النقاط تلك، وهي جزء من قائمة أطول، يكثف جون كيري وزير الخارجية الأمريكية ضغوطه على الرئيس عباس كي لا يستقيل، ويصرح نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه مستعد للقاء عباس. كل ذلك كي يرجوه في البقاء صاعدا على السلم في الفراغ، والركض في ملعب كرة القدم الذي لا مرمى فيه. سيادة الرئيس "خيب آمالهم واستقيل!".
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
524
| 26 أكتوبر 2015
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1456
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
553
| 28 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1113
| 18 أكتوبر 2026