رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"أحمد محمد"، هو فتى مولع بالاختراعات الميكانيكية والإلكترونية، وينتمي لعائلة سودانية، تقيم في مدينة "ايرفينغ" بولاية "تكساس" بالولايات المتحدة الأمريكية، في أحد الأيام اخترع أحمد ساعة ميكانيكية مختلفة، وحملها معه إلى المدرسة، ليعرضها على معلمه. تفحّص المعلم الساعة بعيون تملؤها الحيرة، لِما شاهده من تمديدات كهربائية وأجهزة ميكانيكية معقدة. طلب المعلم من أحمد التوجه إلى صفه الدراسي، ووعده بمواصلة الحديث حول الموضوع لاحقًا، غمرت السعادة فؤاد أحمد، الرغب بالحصول على اهتمام معلميه، كأي طفل في هذا العالم.
المخترع أصبح "إرهابيًا"!
اعتبر معلمو الفتى السوداني المسلم، ذو الـ 14 ربيعًا، أن الاختراع ليس عبارة عن ساعة، بل هو "قنبلة موقوتة"، وتقدموا ببلاغٍ إلى الشرطة حول ذلك. اقتحمت الشرطة المدرسة، واعتقلت الطالب أحمد، الذي كان ينتظر بشوق التقدير من معلميه.. كبَّلت الشرطة يداه على مسمع ومرأى زملائه الطلاب، واقتادته إلى المركز.. وطبعًا تمت مصادرة الساعة أيضًا.
خيّم الذهول على أحمد جراء هول المفاجأة، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل قامت الشرطة باستجواب الطفل، دون أن تسمح أو تمنحه فرصة إبلاغ عائلته أو محاميه، فضلًا عن معاقبته بـ "الإبعاد عن المدرسة لمدة ثلاثة أيام". انتشر الخبر في وسائل التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، عقب نشر إحدى الصحف المحلية تفاصيل ما حدث.
احتدمت النقاشات التي بدأت بتوجيه انتقادات للشرطة والمعلمين، واتهمتهم بـ "الجهل" لعدم قدرتهم على التمييز بين "الساعة" و "القنبلة الموقوتة"، وامتدت لتتناول مواضيع تمحورت حول "العنصرية" و "الإسلاموفوبيا"، إلى ذلك، أطلق بعض الناشطين على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، وسمًا بعنوان "أنا مع أحمد". تزايد حجم الدعم المقدم للفتى السوداني، بالتزامن مع تزايد سيل الانتقادات الموجهة للمدرسة والشرطة، فيما بدأت قضية أحمد، تستحوذ على مكانة مهمة، في أجندة كبريات وسائل الإعلام الأمريكية.
اعتبرت الشرطة الأمريكية، اختراع الفتى المسلم الأسمر لساعة، بمثابة جريمة تستوجب العقاب، في الوقت الذي لم تعتبر فيه يومًا، قيام الأطفال البيض من غير المسلمين، بالتقاط صورٍ لأنفسهم وهم يحملون أسلحة آلية، على أنه جريمة أو جنحة تستوجب التحقيق والبحث. وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مجبرة على التدخل في القضية، سيما أن الشارع الأمريكي لم ينس بعد حادثة مقتل مواطنين سود على يد رجال شرطة عنصريين، كما لم ينس الاحتجاجات التي قام بها السود ومنظمات المجتمع المدني المناهضة للعنصرية في مدينة "فيرغسون" (ميزوري)، احتجاجًا على مقتل شاب أسود على يد الشرطة.
عندما تدفن أوروبا اللاجئين في مياه البحر
لنعد قليلًا إلى الوراء، لنذهب إلى الدنمارك هذه المرة.
قبل أسبوع واحد من غرق الطفل السوري "آلان الكردي" (3 أعوام)، والعثور على جثته الصغيرة، ملقاة على أحد شواطئ بحر إيجة، عثرت السلطات النمساوية على أكثر من 71 جثة، تعود للاجئين غير شرعيين، في شاحنة تُركَت إلى جانب أحد الطرقات، في منطقة قريبة من الحدود مع المجر. وقبل ذلك بفترة وجيزة، غرقت سفينة تحمل لاجئين قبالة السواحل الإيطالية، ما أدى إلى مصرع 400 منهم، حيث عثر على جثث بعضهم ملقاة على السواحل الليبية. إن ما ذكر آنفًا من أعداد لا تشكل سوى نزر يسير من الأعداد الكبيرة للاجئين، الذين في البر وفي البحر، على مدار السنوات الأربع الماضية، وهم يبحثون عن الأمان والحياة الآدمية الكريمة.
فيما هزّت صورة الطفل السوري "آلان" مشاعر العالم، كانت الشرطة الدنمركية تتخذ إجراءات صارمة، لمنع تدفق اللاجئين من دول الشرق الأوسط عبر الحدود. أدت تلك الإجراءات وغير من الإجراءات التي اتخذتها بقية الدول الأوروبية إلى تزايد حدّة الانتقادات الموجهة إليها، محملة دول الاتحاد الأوروبي مسؤولية أزمة اللاجئين المستمرة، والتي أدت ولا تزال إلى موت عشرات الآلاف منهم، إما غرقًا في مياه البحر المتوسط أو على الأسلاك الشائكة التي أقيمت لإبعاد اللاجئين عن حدود أوروبا. وفي خضم كل هذه التطورات، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، بصور أظهرت مصورة صحفية مجرية، تعتدي بالضرب على لاجئين، حيث ضربت طفلة وركلت لاجئًا آخر يحمل ابنه، وأوقعتهما أرضًا.
كل تلك الأحداث دفعت الدول الأوروبية نحو اتخاذ قرار بالتحرك، ولكن كيف؟
دعونا نتوقف هنا، ونعود إلى الولايات المتحدة.
أوباما يعرب عن دعمه لـ "أحمد" و "ناسا" تعده بالفضاء شهدت قضية المخترع السوداني أحمد، التي أثارت تصدعات خطيرة في المجتمع الأمريكي (العنصرية والإسلاموفوبيا)، تدخلاً مفاجئًا، حيث نشر الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، رسالة دعم للطفل السوداني قائلًا "ساعة جميلة يا أحمد هل تريد إحضارها إلى البيت الأبيض؟"، وكتب أيضًا "علينا تشجيع المزيد من الأطفال أمثالك ليحبوا العلوم، هذا ما يجعل من الولايات المتحدة عظيمة؟".
إلى جانب ذلك، وجهت "هيلاري كلينتون" والعديد من السياسيين رسائل دعم لأحمد، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لقيت قضية أحمد دعمًا من قبل القائمين على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وشركة "جوجل"، ووكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، ومعهد "ماساتشوستس" للتقنية، حيث قدموا للطفل السوداني دعوة لزيارة مؤسساتهم، أصبح أحمد فجأة محبوب من قبل الجميع.
رحب العالم بالدعم الذي لقيه أحمد من البيت الأبيض والمؤسسات الأكثر شعبية في الولايات المتحدة والعالم، في الوقت الذي لا تزال فيه الكثير من المؤسسات تعرب عند دعمها لأحمد، حتى أثناء كتابتي لهذه السطور.
دعونا نعود إلى أوروبا.
الشرطة الأوروبية ووجهها الإنساني!
تعرضت أوروبا لسيلٍ من الانتقادات، على خلفية تصريحات أطلقها زعماء أوروبيون، حول عزمهم إجراء تعديلات على قوانين اللجوء، فيما يخوض اللاجئون غمار مأساة تدمي القلوب وتقض مضاجع الضمائر الحية، وفي خضم النقاشات التي تناولت تلك التصريحات غير المقنعة، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورًا من الدنمارك، لشرطي يجلس على طريق معبّد، ويلاعب طفلة من اللاجئين. بدى الشرطي في الصورة بمظهر مفعم بالإنسانية. انهمرت عليه - بعد انتشار تلك الصور – عروض الزواج، من كل أصقاع الأرض، طبعًا لا نعرف إن كان الشرطي متزوجًا أم لا، أو إن كان يرغب بالزواج أم لا، إلا أننا نعرف بأن الشرطي المشار إليه، قدم للعالم الوجه الإنساني لأوروبا.
ما الذي حدث في الولايات المتحدة؟
في الواقع، لعبت الأقلية السوداء والمسلمة دورًا كبيرة في إظهار قضية المخترع السوداني "أحمد محمد"، من خلال نشاط مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفع فريق الاتصالات السياسية المحيط بـ "أوباما"، بكتابة الرسالة التي وجهت لأحمد، كما طلب الفريق نفسه من الشركات الكبرى، بتوجيه رسائل في الإطار ذاته، ذلك لأن الفريق المشار إليه، كان متخوف من ازدياد التصدعات الاجتماعية داخل المجتمع الأمريكي، سيما وأن الشرطة الأمريكية، قتلت في الأشهر الثلاثة الماضية، نحو 300 "أسود" من مواطنيها، إضافة إلى 3 مواطنين آخرين قتلوا برصاص الشرطة الأمريكية، في اليوم الذي وجه فيه "أوباما" رسالة إلى الطفل السوداني. إلا أن حدث مقتل المواطنين الثلاثة المشار إليهم، لم يلق أي صدى ولم يحمل قيمة خبرية في وسائل الإعلام الأمريكية.
إلى ذلك، شارك أحمد في أحد البرامج التلفزيونية ولخص قضيته قائلًا: "اسمي أحمد محمد، ولوني أسود، تم اعتقالي من قبل الشرطة الأمريكية لأنني مسلم أسود، لو كان لوني أبيض لما اعتقلتني الشرطة، آمل أن لا يتعرض الآخرون لما تعرضت له".
وفي السياق ذاته، قال والد أحمد ومديرو اتحاد مسلمو أمريكا، إن ما تعرض له أحمد من اعتداء ناجم عن الشعور بالكراهية والخوف من المسلمين (الرهاب الإسلامي - إسلاموفوبيا)، ما هو إلا حادثة واحدة من الحوادث اليومية التي يتعرض لها المسلمون في الولايات المتحدة، والتي تبقى طي الكتمان ولا تتناقلها وسائل الإعلام.
ما الذي حدث في أوروبا بعد ذلك؟
لم يتمكن أحد من معرفة المعلومات الشخصية الخاصة بالشرطي الذي انتشرت صوره في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، ولم يتساءل أحد عن الطريقة التي انتشرت فيها صورة الشرطي بهذه السرعة، وهل فعلاً تلقى عروضًا للزواج. لقد تدخلت الدبلوماسيات العامة في الدول الأوروبية، وضخت العشرات من الصور في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بهدف إظهار مدى إنسانية الشعوب الأوروبيين وحجم تفاعلهم من أزمة اللاجئين. وفي الواقع، فقد أغلقت الدنمارك حدودها بشكل تام، بعد 4 أيام من التقاط صورة الشرطي ونشرها، ولربما عاد الشرطي الذي نشرت صوره، إلى وظيفته الأساسية وشارك في عمليات منع اللاجئين من العبور إلى الدنمارك. إن أنباء اللاجئين الذين تم وضعهم في مخيمات وغرف لا تليق ولا تصلح للاستخدام الآدمي، لتكرس مأساة اللاجئين ومعاناتهم في ظل الجوع والمرض، لم تحمل قيمة خبرية بالنسبة لوسائل الإعلام الأوروبية، بالقدر الذي حملته صورة الشرطي الدنماركي، بل وحتى لم يقم أحد بالتحقيق في الأنباء التي تحدثت عن قيام الشرطة الإيطالية واليونانية، بثقب القوارب المطاطية التي تقل لاجئين، وإغراقها عمدًا. لم يحقق أحد في تلك الأنباء، ولم يشعر أحد بالحاجة للتحقيق في خفاياها.
الدبلوماسية العامة في العالم الإسلامي
إن الأنشطة التي تجريها الدبلوماسية العامة في الولايات المتحدة وأوروبا، تجعل تلك البلدان بمنأى عن النقد، والإصابة بالصدوع الاجتماعية الخطيرة، فضلًا عن أنها تشكل غطاءً للانتهاكات التي تجري دون توثيق ودون أن يشعر بها أحد. بفضل تلك الأنشطة، بات العالم كله مقتنعًا بأن الحكومات الغربية تشكل نبراسًا لـ "الضمير الإنساني والتراحم!".
أنظروا إلى الولايات المتحدة التي حولت مخترعًا إلى "إرهابي"، ثم حولت "الإرهابي" إلى "بطل"، وإلى أوروبا التي عملت على إخفاء قبح سياساتها في التعامل مع اللاجئين وتصنيفاتها التي تخلو من الأخلاق، بستار "الشرطي الحنون"، ثم إنظروا إلى العالم الإسلامي، الذي لا يمتلك القدرة على شرح قضيته والتعريف بالأسباب التي دفعت سكانه لأن يكونوا لاجئين، إلى العالم الإسلامي الذي يقف عاجزًا عن إسماع صوته للعالم.
هل ينبغي علينا أن نغضب من الغرب أم علينا أن نتحسر على أنفسنا؟ صدقوني لم أعد أعرف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5688
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4782
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2241
| 23 أغسطس 2026