رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سارة العمادي

مدربة ومتخصصة في الوعي المالي والاستثمار

مساحة إعلانية

مقالات

453

سارة العمادي

الراتب الأول

07 أكتوبر 2026 , 12:00ص

الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات والشباب الذين أتابعهم يشاركونني الشعور نفسه بعد استلامه: فرحة كبيرة، وفي الوقت نفسه حيرة من أين تبدأ الخطوة الأولى. يرى الموظف الجديد الرقم في حسابه ويظن أنه قادر على شراء كل شيء، لكن بعد أسبوعين يفاجَأ بأن المبلغ قد نفد دون أن يعرف بالضبط أين ذهب.

هذا الموقف يتكرر مع أغلب الموظفين الجدد، والسبب غالبًا واحد: عدم وجود خطة واضحة لتوزيع الراتب من اليوم الأول. والحل لا يحتاج جداول معقدة ولا تطبيقات متقدمة، بل قاعدة بسيطة يمكن تطبيقها منذ الشهر الأول، تُعرف بقاعدة الخمسين والثلاثين والعشرين.

الفكرة أن يُقسَّم الراتب إلى ثلاثة أجزاء بنسب محددة. النصف الأول، أي خمسين بالمائة، يُخصص للاحتياجات الأساسية: الإيجار أو المساهمة في مصاريف المنزل، الفواتير، المواصلات، والطعام. هذا الجزء ثابت تقريبًا ولا مجال كبيرًا للتفاوض فيه، لأنه يغطي ما لا يمكن الاستغناء عنه.

الجزء الثاني، وهو ثلاثون بالمائة، يذهب إلى الرغبات: الخروجات، التسوق غير الضروري، الاشتراكات الترفيهية، وكل ما يستمتع به الإنسان دون أن يكون ضروريًا للعيش. يستغرب كثيرون وجود هذا الجزء أصلًا، ويظنون أن الادخار يعني حرمان النفس من كل متعة، لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. فالخطة المالية التي لا تترك مساحة للاستمتاع غالبًا ما تفشل بعد فترة قصيرة، لأن صاحبها يشعر بالضغط ويتخلى عنها بالكامل.

أما الجزء الثالث، وهو العشرون بالمائة الأخيرة، فهو الأهم على المدى الطويل: الادخار، وسداد أي التزامات مالية إن وُجدت. هذا الجزء هو ما يبني المستقبل المالي، سواء كان الهدف قريبًا مثل شراء سيارة، أو أبعد مثل بدء استثمار صغير أو تكوين مدخرات للطوارئ.

ومن الأخطاء الشائعة التي أراها كثيرًا بين الموظفين الجدد أنهم يعكسون هذا الترتيب: ينفقون أولًا على الرغبات، وينتظرون ما تبقى ليدّخروه، فيكتشفون في نهاية الشهر أنه لم يتبقَّ شيء. لذلك أنصح دائمًا بأن يكون الادخار أول ما يُخصم من الراتب، لا آخر ما يُخصم منه، حتى لو كانت النسبة في البداية أقل من عشرين بالمائة.

وهذه النسب ليست قاعدة صارمة يجب اتباعها حرفيًا، فلكل شخص ظروفه المالية ومسؤولياته المختلفة. المهم هو المبدأ نفسه: أن يكون لكل ريال وجهة محددة قبل أن يُصرف، بدل أن يُصرف عشوائيًا وننتظر لنرى إلى أين ذهب.

ومن خلال عملي مع كثير من الفتيات في بداية حياتهن الوظيفية، ألاحظ أن التحدي الأكبر ليس في فهم الفكرة، بل في الالتزام بها خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط. وبعد ذلك تتحول إلى عادة تلقائية لا تحتاج معها إلى جهد كبير لتطبيقها.

فالراتب الأول فرصة لتأسيس علاقة صحية مع المال منذ البداية، لا لتكرار الأخطاء نفسها التي وقع فيها كثيرون من قبل. ابدأ بخطة بسيطة، والتزم بها بصبر، وستظهر النتيجة خلال أشهر قليلة، وسيشعر صاحبها حينها بفرق حقيقي في راحة باله، لا في رصيده البنكي فقط.

ولا ننسى أن أدوات هذا العصر تسهّل متابعة الوضع المالي أكثر من أي وقت مضى. فتطبيق بسيط على الهاتف، أو حتى ملف بسيط تُدوَّن فيه المصاريف أسبوعيًا، كافٍ لمعرفة إلى أين تذهب الأموال بالضبط، ومتى يحتاج الأمر إلى تعديل النسب. فالمتابعة المنتظمة، ولو لخمس دقائق أسبوعيًا، تصنع فرقًا كبيرًا مقارنة بمن يراجع وضعه المالي مرة واحدة فقط في نهاية الشهر.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية