رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أسفر صباح العيد وتهيأت للغدو إلى صلاته بعد صلاة الفجر والتمتع بهتاف التكبير فيه كما هي السنة.. هذا التكبير الذي يبدأ بسرد معاني العيد لا الوقوف على العيد نفسه فالله أكبر من كل شيء ولكن حال خروجي من المنزل نظرت إلى شاشة تليفزيون أورينت فإذا برنامج مختصر فيه إبداع الرسوم والكاريكاتير عن أطفال من سورية يسأل أحدهم أمه أين أبي فتجيب: يابني ذهب والدك إلى الجنة وطفلة تسأل أين أخي والجواب انه حي سيعود ولكن! وأم تبكي منتحبة على بنت لها في ميعة الصبا اختطفها الشبيحة في حمص وقد جاء العيد ولكنها لم تعد وتبكي الملوعة وتبكي وهي تذكر قصة مأساة زينب الحصني الشابة وماذا فعل بها من التقطيع أربع قطع والتشويه من قبل عصابة المقاومة والممانعة كذلك في عاصمة الثورة السورية بحمص الأبية التي لم تركع للمغول فهل ستركع لهذه الطغمة؟ خرجت إلى المصلى والحزن ممتزج بالسرور الذي يجب أن نشيعه ولو قليلا في العيد ثم قلت في نفسي: إن الشباب الحر في سورية يوم وقفة عرفات وقد سقط منهم أكثر من ثلاثين شهيدا أخذوا يزفونهم بكل فرح إلى الجنة فلماذا لا أفرح وقد هل يوم النحر عيد الأضحى وزف عشرات من الشهداء كذلك حتى تمنيت أي والله أن أكون واحدا منهم فطوبى وألف طوبى.
وعدت من صلاة العيد والتفكير لم يتوقف في خاطري وأدرت قناة الجزيرة فإذا الشبيح الأكبر ومعه وزير النفاق ومفتي الفساد في مسجد النور بمحافظة الرقة وليس في المسجد الأموي في دمشق ولا تسأل عن نفاق خطيبنا الشبيح الصغير الذي تزيا بزي العلماء وأخذ يكيل المدح والثناء لصاحب الإصلاح والمبادرات والسيد الذي يجب أن يكون المطاع وقد تناسى إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في عرفات ويقول: واسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله أي وسنة نبيه، وكان قد ذكر الدكتور البوطي في كتابه فقه السيرة في حجة الوداع عند التعليق على هذا أن الحاكم إذا لم يقم بكتاب الله ويحكم به فلا طاعة له على الرعية ولا حصانة له ولا امتيازات ويا ليته كان ممن وافق قوله فعله ولم ينزلق مع أولئك الشبيحة ليكون العلم حجة عليه لا له، لكن نظرت في الصورة المقابلة وإذا بخطيب عالم رباني في بلدة جرجناز بمحافظة أدلب يقول: إن عمره قد بلغ الآن ثمانية أشهر فهو بعمر الثورة السورية ليؤكد أنه لم يكن مولودا على وجه الحقيقة منذ العقود الأربعة الاستبدادية في عهود الشبيحين الأب والابن، ففرحت وارتقت معنوياتي وزاد فيها أنه بعد انتهاء الصلاة من مسجد النور ابتدأت مظاهرات تهتف بسقوط الشبيح الكبير حتى قطع البث.. كل ذلك أقنعني أن العيد يعود ليعلمنا دروسنا في الاصطفاف مع الأحرار لا مع الأشرار وهكذا يمتزج الحزن بالسرور في العيد ولكن الذي لم يغب عن خاطري البتة وأنا والعرب والمسلمون والعالم نعيش موقف الجامعة العربية في مبادرتها الأخيرة التي هبت على غير عادة لحل ما أسمته الأزمة السورية اليوم وكانت من قبل تميل بتوجه أمينها العام نبيل العربي إلى عدم نزع شرعية أي زعيم عربي مع تأييد بشار والانخداع بإصلاحاته الخلبية قلت: لعل الأمر تغير واشتعلت نيران الغيرة والحماسة في صدور مسؤولينا العرب من جديد بعد أن تمادت عصابة دمشق وعاقرت القمع وبعد إعطاء مهلة أسبوعين لها قتلت فيهما 410 شهداء فضلا عن الجرحى والمعتقلين في ربوع سوريا وخاصة في حمص وتم اللقاء في القاهرة ووافقت سلطة دمشق بلا تحفظ على شروط المبادرة التي أهمها إيقاف العنف فورا وسحب الدبابات والأسلحة من المدن والبلدات والأحياء وإطلاق سراح جميع المعتقلين بسبب الاحتجاجات ثم بدء الحوار مع المعارضة وقد أحسنت في طرح هذه البنود التي هي مطلب الشارع في قسم منها لكن الأهم منه في ذلك أنها لم تتضمن أي نقاط لضمانات تنفيذ الخطة والاستجابة الفورية التي أعلنتها وكذلك لم تحقق مبدأ المحاسبة لكل القتلة الذين أزهقوا أرواح المتظاهرين العزل والمدنيين وهم بالآلاف وعلى رأس القتلة الشبيح الأكبر وأخوه وعصابتهما ولذلك فإن الخطأ في هذا كان خطرا لم يستوعب درس الشرع ولا القانون ويضاف إليه أنه أعطى الظالم مهلة أسبوعين أيضا لبدء الحوار، فإذا باللؤماء يزيدون في قمعهم وقتلهم وقصفهم بالطائرات والدبابات وقد سقط أمس واليوم 48 شهيدا وخاصة في بابا عمرو بحمص، ألم يتذكر المسؤولون في الجامعة كيف اتصل رأس العصابة بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قبل أشهر وهو يؤكد له أنه غدا سوف يسحب الجيش والدبابات من الشوارع ثم لم يفعل حتى علق كيمون بقوله: إن الرئيس السوري ليس بصادق، قالها غاضبا وهو لا يعرف أنه:
كانت مواعيد عرقوب لهم مثلا
وما مواعيدهم إلا أباطيل
والآن نقول لأرباب هذه الجامعة ونحن نقرأ في الأخبار إذا صدقت ان الجامعة تعتبر أن سوريا لم تنفذ خطة الجامعة العربية فلعل ذلك يعدل من الموقف ويدين النظام ليفتح بابا جديدا من الحلول التي نبه نبيل العربي أنها ربما تكون كارثية تجاه سوريا حيث لم تلتزم ولذلك لم نجد عجبا أن يكون رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها حمد بن جاسم يؤكد أن المهم هو تطبيق مبادرة الجامعة لا مجرد الموافقة عليها وعندما سئل عن تهديد الأسد للمنطقة وإحراقها أحسن في الإجابة: إننا لا نريد اللف والدوران بل نريد إصلاحات جدية وباعتبار ان قطر هي رئيسة هذه الدورة للجامعة فقد اعتبر حمد بن جاسم رئيس الوفد المتابع ان الجامعة في انعقاد دائم، ولكننا مازلنا نرى أن الدم السوري في نزيف دائم ولذلك فلعل المهلة خفضت حيث قرأت في الأخبار الآن أن الجامعة ستعقد السبت المقبل اجتماعا طارئا لبحث الأزمة كما صرح المسؤول القطري لعل الدم الذي مايزال يسيل مدرارا وخاصة من الأطفال يحرك أكثر وأعمق وإن كان يجب هذه المرة ان تكون جازمة فقد أعطى بشار من مهل الأمم المتحدة وتركيا والجامعة ما غدا أضحوكة يتندر بها حتى الأطفال، وما ندري لماذا هذا الدلع والدلال الزائد له عن غيره من الحكام المستبدين.
لعلنا نقرأ أن مبادرة الجامعة وقد جاءت عربية بمباركة روسية-صينية-إيرانية، وأن أمريكا والاتحاد الأوروبي حريصون على تطبيقها يقودنا إلى القول إن المصالح هي التي تملي ذلك عندهم، أما روسيا والصين وإيران فلنصرة موقفهم الظالم الداعم للنظام وخاصة إيران التي ترى انه إذا نجحت المبادرة وتم الحوار وبقي بشار فستبقى وحزب الله وأحلافها في صولات وجولات، إذ أن بشار عندهم خط أحمر كما صرحوا، أما إذا قرأنا أن المبادرة سوف تفشل سيما أن الشعب السوري البطل لن يقبل بعد كل الذي جرى ويجري أي حوار مع بشار وجوقته مهما كلف ذلك من الضحايا مما يعني انه لو حدث تدخل دولي من نوع آخر من الطرف الآخر لحماية المدنيين ولو تصرف عسكريا فإن النظام الأحمق الذي يدعي التعاقل هو الذي يكون قد دفع إلى ذلك بفعله القمعي.
أقول: وفي كل الأحوال فإن المستفيد الأول هو إسرائيل التي أجزم أنها ما تزال تقنع أمريكا التي أصبحت أكثر وأكثر العوبة بيدها أن تبقى على نظام الأسد لأن بقاءه مصلحة إسرائيلية بلا شك وكل الوقائع تدل على ذلك إذ ما تزال الجبهة معها هادئة منذ أربعة عقود فهل تجد أفضل منه، ولذلك نجد أنها لا تصرح ولا تجعجع وإن كان مسؤولوها ومفكروها نطقوا منذ البداية بذلك بل قال الرهبان انهم يصلون لبقاء نظام الأسد.
لاريب أن الثورة لن تنكسر وان الليل سوف ينجلي وان الجامعة مطالبة ومنظمة التعاون الإسلامي والمجتمع الدولي بان ينحازوا لمصلحة الشعب دون نقصان في حقوقه وان يكون الحوار فقط للتفاوض على نقل السلطة إلى حكومة مدنية تعددية ذات تداول سلمي للسلطة ولو تم ذلك بالقوة لأن المستبد يتجاوز حدوده ما لم يقم أمامه سد من حديد كما قال ولي الدين يكن وكما قال عبدالرحمن الكواكبي: إن الحكم الذي يقوم على الظلم لا يدوم عاجلا أو آجلا.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026