رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

189

موزا محمد الكواري

الأزمات لا تكسر الأقوياء بل تعرّفهم بأنفسهم

12 مارس 2026 , 05:37ص

ليست الأزمات لحظات انكسار بقدر ما هي لحظات انكشاف. فهي لا تُظهر ضعف الإنسان كما يظن البعض، بل تكشف حقيقته حين تتجرد الظروف من زينتها، وحين يسقط عن الحياة فائض الطمأنينة المؤقتة. في تلك اللحظة الفاصلة، لا يبقى للإنسان سوى ذاته… وهنا تبدأ المعرفة.

القوة، في معناها العميق، ليست صلابة تُنكر الألم، ولا قدرة على التظاهر بالتماسك. القوة هي وعيٌ صادق بالهشاشة، وإدارة حكيمة للخوف، وإيمان بأن العبور ممكن وإن طال الطريق. الأزمات لا تكسر الأقوياء لأنهم لا يقيسون أنفسهم بنتائج عابرة، بل بمواقف ثابتة، وبقيم لا تتغير بتغير الريح.

حين يمر الإنسان بظرفٍ قاسٍ، يُجبر على طرح أسئلة لم يكن يؤجلها فحسب، بل كان يخشاها: من أنا حين أفقد ما اعتدت عليه؟ ما الذي يبقى مني إذا تغيّرت المعطيات؟ ما الذي أتمسك به حين تتساقط الخيارات؟ هذه الأسئلة ليست رفاهًا فلسفيًا، بل هي مفاتيح إعادة البناء الداخلي.

في علم النفس الحديث، يُشار إلى ظاهرة “النمو بعد الشدة” باعتبارها تحولًا داخليًا يجعل الإنسان أكثر نضجًا ووعيًا بعد المرور بتجربة صعبة. لكن هذا النمو لا يحدث تلقائيًا؛ إنه اختيار. اختيار أن نرى في الأزمة رسالة، لا حكمًا نهائيًا. اختيار أن نحوّل الخسارة إلى درس، لا إلى تعريف دائم للذات.

المجتمعات أيضًا تُختبر كما يُختبر الأفراد. فحين تمر الأوطان بتحديات، يظهر معدنها الحقيقي: في تضامن أبنائها، في تماسك مؤسساتها، وفي قدرتها على تحويل الضغط إلى طاقة بناء. القوة هنا ليست صخبًا، بل ثباتًا. ليست اندفاعًا، بل رؤية طويلة النفس تؤمن أن العواصف مهما اشتدت لا تُسقط الجذور العميقة.

الأزمة تضع الإنسان أمام مرآة لا تجامل. قد يرى خوفه، ارتباكه، أو حتى شكوكه. لكن رؤية هذه المشاعر ليست علامة ضعف؛ بل بداية نضج. فالإنكار يؤجل المواجهة، أما الاعتراف فيفتح باب التعافي. ومن يملك شجاعة مواجهة ذاته، يملك نصف طريق الخروج.

ولعل أعظم ما تمنحه الأزمات أنها تعيد ترتيب الأولويات. فجأة، تتقلص التفاصيل الصغيرة، ويتضح ما يستحق التمسك به. تتراجع الضوضاء، ويعلو صوت القيم. يكتشف الإنسان أن قوته لم تكن في ما يملك، بل في ما يؤمن به. وأن صلابته لم تكن في الظروف المستقرة، بل في قدرته على الثبات حين تتغير الظروف.

إن القول بأن الأزمات لا تكسر الأقوياء لا يعني أنها لا تؤلمهم. بل يعني أن الألم لا يملك الكلمة الأخيرة. فالقوي قد يتعب، قد يحزن، قد يتردد، لكنه لا يسمح للعاصفة أن تعيد تعريفه على غير حقيقته. بل هو من يعيد تعريف نفسه، مستندًا إلى وعيٍ أعمق، ونضجٍ أوسع، وإيمانٍ بأن ما يمر به ليس نهاية الطريق.

وفي نهاية المطاف، ليست قيمة الإنسان في عدد المرات التي تجنّب فيها السقوط، بل في عدد المرات التي نهض فيها أكثر فهمًا لنفسه. فالأزمات، وإن بدت قاسية، ليست كسرًا للذات… بل دعوة صريحة لاكتشافها.

اقرأ المزيد

alsharq إعادة تقييم منظومة الأمن الإقليمي

أصر مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري على أن من أهم... اقرأ المزيد

165

| 26 مارس 2026

alsharq قطر.. صانعة السلام في مرمى النيران

في كثير من الأحيان تفرض جغرافيا المكان قدرًا من الحذر في تناول شؤونه، خشية الوقوع في مظنة الممالأة... اقرأ المزيد

111

| 26 مارس 2026

alsharq بين ملاذ البهجة وكدر الفقد

من أجلّ الإدراكات التي يمكن أن يصلها المرء أن هذه الحياة وإن كثرت في جنباتها الصوارف وتزاحمت فيها... اقرأ المزيد

81

| 26 مارس 2026

مساحة إعلانية