رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تفصلنا عن انطلاق كأس العالم أيام قليلة واستعدت الدولة التي تشرفت باستضافتها لاستقبال زوارها من جميع قارات العالم بأديانهم وأعراقهم وتقاليدهم المختلفة بنفس الأريحية والقبول لأن عقيدة هذه الدولة هي منذ عقود التعلق بتحالف الحضارات وحوار الأديان وتضامن الثقافات وهذه القيم الكونية والأخلاقية هي محاور مؤتمرات عالمية نظمتها الدوحة منذ أواسط التسعينيات ودعت للمساهمة فيها أعلاما من مختلف الجنسيات وجدوا في قاعة المجلس بالشيراتون فضاء حرا ورحبا للنقاش وتوحيد الجهود وتجاوز العقبات والأفكار المسبقة ونالني في ذلك التاريخ القريب شرف المشاركة فيها عندما كنت أستاذا بجامعة قطر الرفيعة المستوى إلى جانب فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله كممثلين للفكر المسلم الوسطي المتسامح المنفتح كما تشرفت بالمساهمة بقسط متواضع في تأسيس مركز الدوحة لحوار الأديان وبنفس هذه العقيدة الحضارية قدمت دولة قطر ترشحها لتنظيم كأس العالم وفاز ملفها عن جدارة لكن هذا الفوز -كما توقعنا- شكل صدمة لتلك العقول المتحجرة المتعلقة بالعنصرية والإسلاموفوبيا فشرعت منذ 2011 تخطط لبث افتراءات ظنت أنها وجدتها في الطقس الحار وأسقطت هذه الحجة فرفع العنصريون شعار حماية البيئة ولكنهم خذلوا بعد أن نالت قطر أوسمة في حماية البيئة ولم يبق لهؤلاء المدلسين سوى الارتكاز على حقوق الإنسان ثم أدركوا أن قطر رائدة في إقليمها في مجال حماية عمالها وضمان حقوقهم وحرياتهم.
ولعل سعادة وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن في حواره الصريح مع أكبر الصحف الفرنسية فند نهائيا ما روجته لوبيات العار من أراجيف حين أكد أن المبررات المقدمة لمقاطعة كأس العالم قطر 2022 لا تستند إلى الموضوعية مشيرا إلى وجود كثير من النفاق فـي الهجمات التي تستهدف بـلاده والتي تتجاهل كل الإنجازات التي حققتها وأضاف أن تلك المـزاعـم يـرددهـا عدد قليل من الأشخاص في 10 دول على أقصى تقدير وهؤلاء لا يمثلون بقية سكان الكوكب. وتـابـع «الـحـقـيـقـة هـي أن الـعـالـم يـتـطـلـع إلــى هـذا الاحـتـفـال»، لافتا إلـى أن أكثر مـن 97 % مـن التذاكر بـيـعـت، ومــن بـين الــدول الـعـشـر الـتـي اشـتـرت أكبر عدد من التذاكر دول أوروبية مثل فرنسا. وقال إن كـرة الـقـدم ملك للجميع، وليست محجوزة لنادي النخب، وإن 450 مليون عربي مسرورون لأن كأس العالم تقام في منطقتهم. وفــي رد عـلـى ســؤال حــول حـقـوق الـعـمـال أوضــح الــوزيــر إن قـطـر دعــت المـنـظـمـات غـيـر الـحـكـومـيـة للحضور ومراقبة نظامها، مـؤكـدا أن قطر قطعت شوطا طويلا لإصـلاح تشريعاتها، مشيراً إلـى أن هذه الإصلاحات تستغرق وقتا، كما هو الحال مع أي بلد آخـر، متسائلا: لمـاذا يتم إلـقـاء الـلـوم بشكل مـنـهـجـي فـي هــذه المـشـكـلات عـلـى عـاتـق الـحـكـومـة القطرية، بينما في أوروبا، في أقل حادثة، يتم إلقاء الـلـوم عـلـى الـشـركـة؟ لمــاذا هــذا الـكـيـل بـمـكـيـالـين؟”. وأعرب عن اعتقاده بأن بعض الأشخاص لا يقبلون أن يستضيف بلد صغير من الشرق الأوسط حدثا كونيا مثل بطولة كأس العالم. ورداً عـلـى ســؤال “لـومـونـد” حــول نـظـام التكييف المـثـبـت فـي المـلاعـب خــلال مـبـاريـات كــأس الـعـالـم، أوضـح سعادته أن درجـات الـحـرارة فـي بـلاده، في الـفـتـرة مـن نـوفـمـبـر إلــى ديـسـمـبـر، أقــل تـقـريـبـا من درجــات الـحـرارة فـي أوروبــا خـلال فـصـل الصيف، لذلك لن يتم استخدام التكييف. كـمـا أشـــار إلــى أن بـعـض المــلاعــب الأوروبــيــة يتم تـسـخـيـنـهـا خــلال فـصـل الــشــتــاء، ولــم يـعـتـبـر أحـد أن ذلــك يـمـثـل مـشـكـلـة. فــلــمــاذا تـعـتـبـر حـقـيـقـة أن الملاعب القطرية مكيفة مشكلة على الرغم من أن الـتـكـنـولـوجـيـا المـسـتـخـدمـة أكـثـر حـداثـة وتـأثـيـرهـا على البيئة محدود أكثر» ورداً عـلـى ســـؤال «لــومــونــد» عــن تــوقــع مـراقـبـين لــحــدوث «صـــدام الـثـقـافـات» بــين المـشـجـعـين حـول الـعـالـم وقـطـر قــال سـعـادتـه إن الـعـالـم كـلـه مرحب بــه فــي قــطــر، وكــل مــا تـطـلـبـه قـطـر هــو أن يـحـتـرم المشجعون قوانين البلاد. وصدق رئيس تحرير (الشرق) في افتتاحية السبت الماضي حين قال " تـرتـفـع كـل يــوم الـحـمـلات الداعمة لدولة قطر وتبرز الأصـوات المدافعة عن حق دول العالم العربي والاسـلامـي فـي تنظيم هـذا الـحـدث العالمي، والـتـصـدي للبعض ممن لا يقبلون أن تـقـوم دولــة عربية مسلمة وصغيرة في الشرق الأوسط باستضافة مثل هذا الحدث العالمي مما يكشف حجم تأثير هـذه الحملة القائمة على الافــتــراءات والـنـفـاق وازدواجـيـة المعايير وإن النفاق وعـدم الموضوعية اللذين اتسمت بهما الحملة المـوجـهـة ضـد قـطـر ستهزمهما الـحـقـائـق. وفي مقال على صحيفة (عربي 21) نشر الزميل د.محمد هنيد أستاذ العلوم السياسية بالسوربون مقالا قال فيه: "كيف لبلد عربي صغير أن يخوض في مساحات الكبار ويخترق السياج الذي أحكم حول المنطقة وشعوبها؟ كيف يُسمح لبلد صغير أن يتحوّل إلى لاعب إقليمي ودولي لا في عدد الجيوش أو الترسانات النووية بل في القدرة على التنظيم والتحكم في أسواق الطاقة وصناعة إعلام مهنيّ بديل والتوسط في أعقد الصراعات الدولية بحكمة نادرة؟ كيف يتجرأ شعب عربي صغير على كسر طوق الوصاية والمنافسة على طاولة الكبار ثم الظفر بما احتكروه لأنفسهم عقودا من الزمن؟ ومن جهته علق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني قائلا بأنه مع الأسف منذ البداية انبرت بعض الأوساط القريبة والبعيدة في سباق لإفشال هذا الحدث العالمي...في قطر! وخاب سعيهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3894
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1680
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1560
| 24 مارس 2026