رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يترسخ الوعي في النفس، ويستقيم ميزان العقل، ويهدأ اضطراب القلب، يبدأ الإنسان يرى عالمه الداخلي بمنظار أعمق مما كان يراه من قبل.
فالمعارك التي كان يظنها بابا لإثبات الذات، تتكشف له يوما بعد يوم على حقيقتها: أبوابا تستهلك الروح، وتسرق العمر، وتبدد صفاء البصيرة. ومع نضج التجربة، يزداد إدراكه أن الوقت أعظم نعمة، وأن النفس أغلى أمانة، وأن الدخول في كل سجال ليس فضيلة، وأن ترك كثير من الخصومات رفعة لا يصل إليها إلا من تجاوز طور ردود الأفعال، وارتقى إلى مقام الوعي المؤسس على التعقل والحكمة.
والآية الكريمة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، ليست وصفا عابرا لأخلاق جماعة من الناس، بل هي رسم لصورة إنسان بلغ تمام الرشد؛ إنسان يعرف أن النزول إلى مستوى الجاهل خسارة قبل أن تكون مجادلة، وأن الرد على السفه قد يمنح لحظة انتصار، لكنه يسلب من النفس مقام الوقار. فالسلام الذي ينطقون به ليس هروبا من المواجهة، بل هو قوة في الترفع، وسيادة على النفس، وقدرة على أن يقول الإنسان لنفسه: لستُ مضطرا إلى كل ساحة دعيت إليها.
وفي الحديث النبوي الشريف: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) تبرز قاعدة ذهبية تختصر نصف الحكمة. فمن ترك ما لا يعنيه، إنما تركه لأنه عرف قدر نفسه، وعرف أن الخوض في ما لا ينفع يضيع العمر بلا ثمرة، ويثقل الروح بغير سبب. فمن أراد لنفسه صفاءً، ولعمره بركة، ولذكائه نموا، ولصوته وزنا، فعليه ألا ينشغل بما لا يعيده إلى ذاته بخير أو حكمة. وهذا الترك ليس ترفا، بل ضرورة يفرضها احترام الذات.
وفي هذا السياق يروي الجاحظ قصة تكاد تكون مرآة صادقة لهذا المعنى ؛ ففي البيان والتبيين أن رجلا من أهل الجدل – من أولئك الذين يتقنون إثارة الخصومات ويعشقونها – اعترض أعرابيا في الطريق وقال له:
«يا أخا العرب، أتحب أن نتجادل في مسألة؟»
فنظر الأعرابي إليه نظرة من فهم الدنيا أكثر مما فهمها خصمه، ثم قال: «أعلى العقل تتجادل؟»
فقال الرجل: «نعم».
فقال الأعرابي: «فقد كفيتك؛ لأن العقل يهدي فيما لا نفع فيه إلى السكوت، ومن طلب الجدال فقد خالفه».
ثم أدار ظهره وقال جملة تستحق أن تُكتب بماء الضياء:
«ما رأيت شيئا أذهب للوقار من خصومة لا تجلب نفعا».
فانصرف الأعرابي بهيبة، وبقي الرجل حائرا، وقد خسر اللحظة التي كان يأمل فيها أن يلمع صيته، وربح الآخر وقارا لا يُشترى.
هذه القصة ليست مجرد حكاية، بل هي فصل كامل في فن الحياة. إنها تعلمك أن الوقار لا يُصنع بالردود، وأن الحكمة لا تُولد من الانفعال، وأن العقول الكبيرة لا تركض وراء كل سجال. فليست كل معركة جديرة بالمشاركة؛ بعض المعارك مجرد ثقوب سوداء تبتلع الوقت والطاقة والسكينة. والعاقل لا يسمح لنفسه أن تُستدرج إلى ما يعلم مسبقا أنه طريق لا نهاية له.
وما أكثر ما نرى في حياتنا من معارك متخفية تحت عباءة الحق، لكنها في جوهرها صراعات، ورغبات إثبات، وتنافس على الغلبة لا على الحقيقة. يدخلها الإنسان بحماسة، ثم يخرج منها منهكا، وقد فقد شيئا من رصانته، وشيئا من صفائه، وربما شيئا من احترامه لنفسه. بينما قد يغادرها آخر منذ أول لحظة، مدركا أن الهزيمة الشكلية أكرم للنفس من الانتصار الذي يشوهها.
إن بعض الهزائم ليست إلا حماية من السقوط الأكبر. وبعض الانسحابات ليست إلا صعودا في سلّم النضج. فمن عرف قيمة نفسه عرف قيمة صمته، ومن عرف قدر عقله عرف قدر خصومه، ومن عرف الطريق الذي يمضي فيه لم يلتفت إلى من يلوّح له من جوانب الطريق داعيا إياه إلى معركة لا تُثمر إلا فراغا.
والنفوس الكبيرة لا يجذبها الصراخ، ولا يسحرها وهج الجدل، ولا تبحث عن انتصارات فارغة. تعرف أن الكلمة العالية ليست التي تُقال بصوت مرتفع، بل التي تحمل وزنا في ميزان الحق. وتدرك أن الرد السريع ليس دليلا على القوة، وأن التجاهل ليس ضعفا، وأن الصمت قد يكون أحيانا أعظم بيان.
ومن أراد أن يعيش بسلام، فليتعلم أن يحفظ قلبه من كل ما ينقص نوره. وأن يترك للخصومة طريقها دون أن يسير فيها، وأن يختار معاركه بعناية، وأن يتذكر دائما أن العمر ليس مساحة مفتوحة للمشاكسات، وأن أرباح الجدل قد تكون خسائر لروح لا تُعوّض.
إن الإنسان حين يكتمل رشده يرى أن أعظم ما يمكن أن يربحه هو نفسه، وأن أسوأ ما يمكن أن يخسره هو نفسه. لذلك كان بعض الخسران شرفا، وبعض التراجع قوة، وبعض الصمت انتصارا، وبعض الهزائم قمما من المجد الإنساني.
وبعد كل هذا، لا يبقى إلا أن نقول:
بعض المعارك في خسرانها شرف، من عاد منتصرا من مثلها انهزما
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3732
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1143
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
762
| 27 أبريل 2026