رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دخلت إيران وضع الارتباك الإستراتيجي على صعيد عمليات صناعة القرار ووصلت حد المأزق، بل بات قادتها أقرب إلى يوم يكررون فيه ما قاله الخوميني عن تجرع السم. والشواهد على ذلك متكاثرة الآن.
ففي الأيام الأخيرة، لعبت إيران ذات اللعبة التي كانت لعبتها من قبل، وكأنها لا تدرك أن تكرار ذات اللعبة في ظرف مختلف،لا يؤدي لنفس النجاح الذي تحقق حين جرت اللعبة الأولى. أعادت إيران تكرار مشهد الاعتداء على السفارات الذي أدمنته – وهذه المرة ضد السفارة السعودية لا الأمريكية ولا البريطانية- دون أن تأخذ في تقديراتها مدى الاحتشاد العربي والإسلامي في مواجهتها.
لم تدرك أنها وفرت وقودا وحطبا وأشعلت نارا ضدها في لحظة يجري مواجهة نفوذها واحتلالها في سوريا والعراق واليمن. لقد أسهمت إيران بأيديها في حشد الرأي العام ضدها، وهي طرحت بنفسها على الآخرين، ضرورة عزلها في العالم الإسلامي باعتبارها دولة يسودها الانفلات وتتعدد فيها مصادر القرار.
وغير بعيد عن نمط أحداث العنف، كان ثمة خطأ إستراتيجي آخر، هناك في نيجيريا، إذ تحرك مركز نشاطها هناك، وانتقل إلى خطوة العسكرة قبل أوانها، فكان أن أدخلت "قاعدة نشاطها" في اختبار لا قبل له به، إذ كانت النتيجة المباشرة أن تدخل الجيش النيجيري وحسم الموقف بالقوة الخشنة، وفي ذلك أصبح نشاط التشيع الذي عمل في نيجيريا منذ الثمانينات، دون مراقبة أو مواجهة، واقعا تحت ضغط عسكري دائم.
تلك التصرفات التي جرت مؤخرا، تكشف عن ارتباك قد يكون ذا طبيعية وقتية، إلا أن هناك من السلوك الإستراتيجي الإيراني ما يشير إلى ارتباك أعلى في صناعة القرار، بل ما يشير إلى أن إيران باتت في وضع أقرب لوضعية من نصب لنفسه فخا وصار يغلق على نفسه أبواب النجاة، كلما تحرك أكثر.
لقد جاءت المواقف الإيرانية المساندة للقوات الأمريكية في احتلال العراق لتخمد البريق الذي أحدثته الثورة الإيرانية، وجاء تشكيل إيران للميلشيات الطائفية في العراق وما ارتكبته من أعمال قتل وإرهاب وتعذيب وتهجير للسكان، ليقلب الصورة التي رسمتها إيران لنفسها كدولة ممانعة ومقاومة، وليظهر البعد الطائفي المقيت لسياساتها.
ومن بعد، وإذ لم تقيم إيران مخاطر ما فعلت بنفسها، وإذا تمادت، فكان أن ارتكبت الخطأ الإستراتيجي الثاني وهو أشد فداحة عليها، إذ وقفت طهران خلف الأسد وصارت جزءا من آلة القتل الوحشية للشعب السوري، وفي تلك المعركة صارت إيران في وضع القاتل للسنة على العموم – من العراق إلى سوريا- وفي كل مكان، وفي وضع الداعم لأنظمة ديكتاتورية ضد شعوب تطالب بالحرية، فوسعت طوابير المعادين لها، بل هي أفقدت ميلشيا نصر الله كل ما كانت قد حققت من سمعه ودعاية سياسية.. إلخ.
ومرة ثالثة لم تتوقف إيران لتفكر وتقرر، بل استمرت باندفاعها في نفس الاتجاه، وأعطت الضوء الأخضر لأتباعها الحوثيين بالانقلاب على الثورة الشعبية اليمنية والسيطرة على السلطة السياسية بالقوة المسلحة،اعتمادا على حسابات تتعلق بالتحالف مع الرئيس المخلوع وبتوهم إمكانية نجاح أساليب الرشي القبلية في القفز على الحالة الطائفية وفي صناعة التفاف حول الانقلابيين. لم تحسب إيران رد الفعل السعودي والخليجي والعربي والإسلامي، فيما الأمور كانت واضحة أمامها، إذ كان بإمكانها القياس على تحرك قوات درع الجزيرة لمواجهة أتباعها في البحرين حين حاولوا الانقلاب على الحكم القائم.
هذا التكرار والإصرار الممتد لفترة زمنية طويلة وهذا السير في نفس الاتجاه، يظهر أن الأمر لا يتعلق فقط بأخطاء في الحسابات، بل بطبيعة الأهداف التي سعت إليها إيران. نعم، سبب ارتكاب كل تلك الأعمال يعود إلى أن إيران ذات مطامع استعمارية، وأنها حددت لنفسها أهدافا استعمارية تفوق طاقة قدرتها. طبيعة تلك الأهداف وطبيعة نظرتها للآخر – كدولة استعمارية- هو ما جعلها توظف أتباعها ليكونوا وقودا لتحقيق أهدافها، وهو ما جعلها توغل في دماء الآخرين – فالمستعمر لا قيمة للبشر لديه- وهو ما وفر مساحة واسعة من العداء لها. وقد جاء وقوفها في صف الأنظمة الديكتاتورية ورعايتها لميليشيات طائفية مجرمة، واعتمادها نمط الاحتلال الاستيطاني في العراق وسوريا، ليوحد الجميع ضدها وهو ما أوجب وأوجد أشكالا عميقة من المقاومة المسلحة في مواجهتها. بل هي من وفرت النموذج لتفككها الداخلي بين الأقوام الشعوب والقوميات في داخل مجتمعها حين سعت لتفكيك المجتمعات العربية والإسلامية. وهكذا إذ حققت إيران اختراقات ونجحت في احتلال عواصم دول عربية وصارت تتحدث عن توسعها الإمبراطوري وتشيد بميلشياتها في لبنان واليمن، صارت رغم كل ما حققت في وضعية الخيارات المرة والأشد مرارة.
ارتكبت إيران أخطاء، سمحت بتجييش الرأي العام العربي والإسلامي ضدها، وهي نفسها من دفعت أنظمة الحكم العربية دفعا لمواجهتها، وهي من وسعت رقعة اشتباكها في كل المحيط، وهي من لم تدرك مغزى ودلالات إعلان المملكة العربية السعودية عن تشكيل التحالف العسكري الإسلامي دون انضمامها له – ومن قبل لم تدرك مغزى إطلاق عاصفة الحزم لحرب أتباعها في اليمن- ولم تفهم دلالات وتأثير عدم قدرتها على التدخل، وكذا لم تدرك دلالات عدم قدرتها على كسر الثورة الشعبية في سوريا ووقوفها عاجزة رغم كل ما فعلت أمام تنظيم الدولة في العراق، ومن قبل ومن بعد، هي لم تحسب حساب يوم تتحرك الشعوب والحكومات الإسلامية ضدها وميلشياتها فصارت الآن في وضع الارتباك الإستراتيجي، حتى لم يعد مستبعدا اليوم الذي نرى فيه الخامنئي يردد مقولة الخومينني: إنني أتجرع السم....
نعم ستكون إيران قريبا في مواجهة تلك اللحظة.
متى صار الفراغ تهمة؟
أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه... اقرأ المزيد
57
| 09 أغسطس 2026
الإنسان أكبر من المناصب
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛... اقرأ المزيد
42
| 09 أغسطس 2026
لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟
منذ طفولتنا، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن الحب يأتي مصحوبًا بشيءٍ ما؛ أن نكون لطفاء كي نُحب، متفوقين... اقرأ المزيد
117
| 09 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4842
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
963
| 06 أغسطس 2026