رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد عبدالله المطر

- باحث كويتي في الفكر الإسلامي

مساحة إعلانية

مقالات

102

د. محمد عبدالله المطر

بين الغاية والوسيلة.. الميزان الأخلاقي في الرؤية الإسلامية

08 مارس 2026 , 02:55ص

تعد مقولة «الغاية تبرر الوسيلة» واحدة من أشهر الشعارات الأخلاقية في الفلسفات الحديثة، هذا ينطبق بشكل خاص على الأنماط النفعية (البراجماتية) التي تقيس الأفعال بنتائجها النهائية أحيانًا يؤدي ذلك إلى تجاوز الضوابط الأخلاقية، ومع ذلك لا يعبر هذا المنطق عن الرؤية الإسلامية للأخلاق.

فالإسلام لا يبني الحكم الأخلاقي على حساب المصالح، كما أنه لا يفصل بين القصد والوسيلة والنتيجة، بل يقيم توازنًا دقيقًا بينها جميعًا ضمن نظام مقاصدي متكامل، الأصل في الإسلام هو أن الوسائل لها أحكام المقاصد، يجب أن يكون الطريق إلى الخير خيرًا في ذاته، الشريعة لا تقبل تحقيق العدل من خلال الظلم أو إقامة الحق عبر الباطل، ولهذا جاءت النصوص الشرعية مؤكدة أن الله «طيب لا يقبل إلا طيبًا»، لا يتحول المحرم إلى مشروع لمجرد أن نتيجته نافعة في الظاهر.

والقيمة الأخلاقية في الإسلام ليست نتيجة مجردة، بل هي نظام يتضمن النية والوسيلة والمآل معًا، ومن هنا تتجلى مركزية كرامة الإنسان في التصور الإسلامي، فالإنسان مكرم لذاته لا بوظيفته أو نفعه فقال تعالى: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾ لذلك لا يجوز تحويله إلى مجرد أداة لتحقيق مصلحة عامة مقصودة حتى لو بدا أن التضحية به قد تنقذ عددًا أكبر، والدماء والحقوق ليست أرقامًا في معادلة حسابية، وهذا يختلف جذريًا عن بعض الطروحات الفلسفية التي تبيح التضحية بالفرد من أجل المجموع.

ومع ذلك لم يغفل الإسلام واقع الحياة وتعقيداتها، ولذلك قرر مبدأ الضرورة كاستثناء منضبط وليس كقاعدة عامة، فالقاعدة الفقهية المشهورة «الضرورات تبيح المحظورات» ليست إذنًا مفتوحًا بل هي حكم مقيد بشروط دقيقة: يجب أن تكون الضرورة حقيقية وتهدد مقاصد الشريعة الكبرى، كما يجب ألا يكون هناك بديل مباح ينبغي أن يقتصر الترخيص على قدر الحاجة فقط، يجب أن ينتهي بزوال الضرورة وألا يؤدي إلى ضرر أعظم عند تزاحم المفاسد، يُرتكب أخفها لدفع أشدها، هذا يتم بحذر، لا بقصد الظلم، بل لرفع الحرج العام، بهذا التوازن.

فيقدم الإسلام نموذجًا أخلاقيًا فريدًا فهو لا يغرق في المثالية التي تتجاهل النتائج، ولا ينزلق إلى النفعية التي تبرر كل شيء باسم المصلحة بل يجعل الخير مقصدًا، والطريق إليه جزءًا من الخير نفسه يمنح الرخصة عند الضيق بموازين الشريعة، لا بموازين المنفعة المجردة وهكذا، فتبقى كرامة الإنسان أصلًا محفوظًا وتظل الأخلاق في الإسلام طريقًا لتحقيق الخير دون أن تفقد روح العدل والرحمة التي قامت عليها الشريعة.

مساحة إعلانية