رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله العمادي

د. عـبــدالله العـمـادي

 

مساحة إعلانية

مقالات

480

د. عبدالله العمادي

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا

08 يناير 2026 , 01:12ص

الركون في اللغة هو الميل أو السكون إلى الشيء بعد القبول والرضا به. لكن بعيداً عن اللغة، نجد أن القرآن ينهى عن فعل الركون إن كان مع الظلم وأهله، أو الكفر وأهله، لكن لا شيء أن تركن إلى جهة ما لا ظلم يصدر عنها أو أعمال كفر، بدليل نبي الله لوط عليه السلام حين شعر بضعفه في مواجهة مطالب الناس في قريته، وهو يحاول الدفاع عن ضيوفه، قال (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) أي تمنى لو يجد من عنده القوة والبأس والسلطة ليركن إليه، ويستقوي به أمام من يستضعفونه، فرداً كان أم قبيلة أم ما شابه، وهذا يعني أن الركون إلى الحق وأهله، فعل محمود مطلوب، وعلى هذا يمكن قياس الأمور.  عودة إلى موضوعنا مدار البحث وهو الركون إلى الظلم وأهله، نجد الآية صريحة في النهي عن ذلك. لا يجب بأي حال من الأحوال اللجوء إلى الظلم والظلمة، والباطل وأهله، بحجة الاستقواء على فعل خير، أو بحثاً عن حماية، أوغير ذلك من معان شبيهة قد تطرأ على البال في هذا السياق.

الباطل بشكل عام قد يكون صاحب سطوة وبأس وقوة، وعنده من المغريات الكثير الكثير تجعل الآخر يتطلع إلى مسألة اللجوء إليه حال ضعفه، أو حالما يشعر بدنو مشكلات وأزمات بالطريق قادمة إليه، فتجده تبعاً لذلك يبحث في مسألة الركون والميل إليه، بعد أن يكون الباطل، أو الظالم قد استخدم وسائل ومؤثرات متنوعة يزين بها أعماله أمام الآخرين، وتجعل المفاهيم في الوقت نفسه تختلط عليهم، وبالتالي لا يجدون بأساً أو حرجاً من اللجوء والركون إليه بحجج وتبريرات هشة واهية.

متى يحدث الركون؟ 

الركون إلى الظالمين والكافرين عادة لا يحدث إلا في حالات من الضعف والشعور باليأس والإحباط، أو بدافع من نية حسنة يأمل من ورائها صاحب تلكم النية أمراً محموداً، وأحياناً أخرى يقع الركون كنوع من سذاجة أو حماقة في التفكير.

النوع الأول لا يحتاج لكثير شروحات، فاليائس المحبط، أو المهزوم داخلياً عادة يكون ضعيف إيمان ويقين بالله، فتجده لا يتردد من أجل تحقيق مراده وتطلعاته، إلى الركون إلى أي شيطان، وليس ظالماً وفاسداً فحسب.  أما الذي تدفعه نياته الطيبة إلى اللجوء وملاطفة الظلمة والفاسدين، أو مداهنتهم ومجاملتهم رغبة في إصلاحهم التدريجي الذي ربما يأتي بخير كثير على الآخرين، فهذا رغم مقصده الطيب الحسن، إلا أن استراتيجيته خطرة غير مقبولة، وقد تؤدي إلى عواقب غير محمودة، أقلها احتمالية استشعار الظالم أنه صاحب الرأي الأوحد، الذي يتجمع تحت رايته الصالحون قبل الطالحين.  أبرز نموذج للنوع الثاني هو نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو يتودد إلى عظماء ووجهاء قريش، رغبة في إسلامهم الذي به ستتعزز قوة الدعوة، او هكذا كانت نيته عليه الصلاة والسلام، حتى وإن كان توجهه الطيب ذاك على حساب التقليل من وقته صلى الله عليه وسلم نحو دعوة الضعفاء والمساكين وأشباههم. ولقد حاول المشركون استدراج النبي الكريم إليهم، وعرضوا عليه الكثير من المغـريات مقابل استجابتهم لدعوته الكريمة. منها كما جاء في تفسير تأويلات أهل السنة للإمام الماتريدي، أنهم أرادوا منه أن يجعل لهم مجلساً على حدة ليسلموا، فهمّ أن يفعل ذلك لحرصه على إسلامهم وإشفاقاً عليهم. فمثل هذا يجوز الفعل، إلا أن الرسل لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئاً وإن صَغُر إلا بإذن الله. 

فماذا كان التوجيه الإلهي له؟ 

يذكر الله هاهنا نعمته على نبيه الكريم، أن حفظه من استدراج الكفار الظلمة له، وجنّبه مغرياتهم المتنوعة في قوله تعالى (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا). لقد كان النبي الكريم قاب قوسين أو أدنى ان يحقق للكفار مآربهم، رغبة في إسلامهم، لكن الله حفظه وثبّت قلبه، وكشف له سوء نياتهم، فما ركن إليهم أو مال نحوهم بعد ذلك قيد أنملة. ومن هنا يأتي حرص أصحاب الدعوات على حفظ وصون أنفسهم ومن معهم، من خطورة مغريات أهل الظلم والفساد ذات التأثير الفاعل القوي.

الركون يعـني التنازل 

 يقول صاحب الظلال: «المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلاً - عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغزونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق! وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق». 

ويضيف صاحب ظلال القرآن: «إن صاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء. وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعـر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها». 

خلاصة الحديث

الظالم بأشكاله المتنوعة، فرداً كان، أم كياناً في أي صورة من الصور، هيئة أم مؤسسة أم منظمة أم اتفاقية أم دولة، ليس محبذاً أن تركن إليه وتميل نحوه، أو ترضى بعمله، وإن كانت نيتك صافية طيبة تأمل منه أمراً محموداً. وسبب ذلك أن مجرد البدء بالركون إليه والميل نحوه، تكون أنت قد بدأت في رحلة التنازلات. لماذا؟ لأنها رحلة لا تتوقف عادة كسهولة البدء بها، خاصة أن ما عند معسكر الظلم من مغريات، وما تميل إليه النفس البشرية من مباهج وزينة الحياة الدنيا، الكثير الكثير، ما يجعل الأمر صعباً وشاقاً. والوقاية خير من العلاج، ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِـرْضِه.

 السلف الصالح كان أحدهم يتجنب مجرد التفكير في مثل هذه النوعية من الركون، أو الميل نحو هذا أو ذاك من أهل الباطل والظلم والكفر. سفيان الثوري رحمه الله، كان يقول: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله. إنّه يحذر من مجرد الدعاء لظالم، فما بالك بالركون إليه والرضا بعمله؟ 

 قيل بأن أحد الصالحين صلى خلف إمام قرأ (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) فغُشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: «هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟!». المسألة كانت واضحة عندهم لا غبار عليها البتة. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم آمين.

مساحة إعلانية