رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة الوطني تعكس حضور القيادة في قلب غرفة العمليات
- منظومة عمل متكاملة بين مختلف الجهات أدارت الأمور بكل سلاسة دون إرباك
- حماية الأجواء والمياه والمنشآت قابلتها جاهزية طوارئ واستمرارية الخدمات الحيوية
- وجود منظومات رصد ومتابعة ودعم قرار يؤكد إدارة أزمة مؤسسية وليست ارتجالية
- العمل المؤسسي ظهر بوضوح حتى في تدَفُّق المعلومات وإصدار البيانات بكل شفافية
تُشكِّل الأزمات ـ رغم سوداوية أوجه كثيرة فيها ـ مختبراً حقيقياً لأداء دولة ما، برهاناً على تماسكها وقوة منظومتها، ومدى تمكنها من إدارة الأزمة بأسلوب «إدارة دولة» وليس إدارة مؤسسة أو شركة.
قطر تكشف في كل منعطف أو أزمة ما أنها تدير الأمور بفِكر عالٍ ورؤية إستراتيجية متكاملة، ومنظومة عمل متجانسة متكاملة مترابطة، وربما ما نعايشه هذه الأيام خلال الاعتداء الإيراني الذي تتعرض له البلاد، واستهدافها بهجمات عسكرية، يثبت أن جاهزيتنا ليست فقط بمنظومتنا الدفاعية، التي أثبتت تفوقاً نوعياً، وجاهزية دفاعية وحماية الأجواء والمنشآت الحيوية، أو بجاهزيتنا الأمنية، التي حفظت الجبهة الداخلية، وأدارت الأمور بكل سلاسة دون إرباك، مع استمرارية الخدمات الحيوية، بل بجاهزية شاملة متكاملة، تؤكد على «جاهزية دولة» في كل مناحي الحياة، وفي كل مفاصل إدارة الدولة، وربط متكامل بين كل المؤسسات والأجهزة بسرعة استجابة فائقة.
لقد رأينا كيف استجابت وزارة التجارة مع الأزمة التي ضربت الإقليم بأسره، وكيف تعاملت مع ضمان تدَفُّق السلع وتوفرها..، ورأينا وزارة التربية كيف انتقلت إلى نظام التعليم عن بُعد بكل أريحية واقتدار دون إرباك..، أو وزارة الصحة والجاهزية الكاملة التي عملت بها منشآتها ومرافقها الصحية، ورأينا غرفة قطر كيف أوجدت البدائل للتجار في نقل البضائع والسلع..، وهكذا بالنسبة لجميع الوزارات والمؤسسات والأجهزة الحكومية والقطاع الخاص، الذين انتقلوا لنظام العمل عن بُعد بصورة تؤكد قدرة الدولة على التعامل مع الأحداث الطارئة بسرعة فائقة، وإدارة متمكنة، وطبعاً قبل ذلك رأينا التنسيق الكبير بين وزارتي الدفاع والداخلية وبقية المؤسسات، وهو ما يثبت الجاهزية العالية والتنسيق المتقدم، مع وجود منظومات رصد ومتابعة ودعم قرار، يشير بوضوح إلى إدارة أزمة مؤسسية وليست ارتجالية.
انعكس هذا التكامل بين الجهات المختلفة على استمرارية الحياة اليومية، دون أن تتأثر حياة المواطنين والمقيمين، سواء في سير العمل أو نمط الحياة المعيشية أو توفر المواد الغذائية والسلع والمنتجات المختلفة..، فحماية الحدود والمياه الإقليمية والمنشآت.. وحماية الأمن الداخلي لا تعني تعطيل الحياة اليومية، هذه هي الفلسفة والحكمة التي تتميز بها قيادة هذا الوطن في التعامل مع الأحداث والأزمات، ليس مع هذه الأزمة فقط، بل على الدوام رأينا هذا الوعي وهذه الحكمة والحنكة في إدارة الدولة في عمل مؤسسي متكامل، بكل اقتدار وجاهزية دون أن تتأثر حياة الناس، أو تتوقف الخدمات والمصالح العامة.. باختصار حماية الأجواء والمياه والمنشآت تقابلها جاهزية طوارئ واستمرارية خدمات.
وحملت زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، لكل من مركز العمليات الجوية بالقوات المسلحة، ومركز القيادة الوطني التابع لوزارة الداخلية رسائل في غاية الأهمية، ودلائل قيادية مباشرة في توقيت أزمة تتطلب أعلى مستويات التنسيق بين الدفاع والأمن الداخلي. وتعكس الزيارتان حضور القيادة في قلب غرفة العمليات، والتواجد المباشر لسموه، حفظه الله، في مركز العمليات ومركز القيادة الوطني يعطي دفعة معنوية كبيرة، ويعزز الانضباط المؤسسي، ويؤكد أن سموه يتابع عن كثب ومن خلال زيارات ميدانية أولاً بأول، وأنه يباشر قيادة إدارة الأزمة لحظة بلحظة، وهو نموذج لقيادة رائعة تشارك بنفسها، وتتواجد في الميدان مع فرق العمل في مختلف الوزارات والمؤسسات، ليعكس ذلك قيادة ميدانية لإدارة الأزمة ورفع الجاهزية، ليس فقط الجاهزية العسكرية والأمنية، بل جاهزية دولة بكاملها.
هذا التفوق والتميُّز بالعمل الجماعي يؤكد أن هناك عقلاً راشداً، ورؤية واضحة، وإستراتيجية بعيدة المدى، ومنظومات رصد ومتابعة وتقييم ودعم قرار.
هذا العمل المؤسسي لاحظناه حتى في تدفق المعلومات، وإصدار البيانات أولاً بأول، بتنسيق وتعاون بين جميع الجهات المعنية، وهو ما قطع الطريق أمام كل من تُسوِّل له نفسه بث إشاعات أو محاولة «فبركة» معلومات مُضللة، وفي نفس الوقت هذا العمل المؤسسي عبر هذا النهج من الشفافية والوضوح في إصدار البيانات والتوضيحات حمل رسائل اطمئنان للمجتمع، ووثَّقَ العلاقة بصورة أشد بين الرأي العام المحلي والجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارتا الدفاع والداخلية، صماما الأمان بعد الله عز وجل.
هذه الجهود والإمكانات التي وُضِعَت وَسُخِّرَت من أجل حماية الوطن وإدارة الدولة تحت كل الظروف، وفي جميع الأوضاع، خاصة الأزمات والطوارئ، هي من أجل أن يظل الإنسان على هذه الأرض الطيبة، مواطناً كان أو مقيماً، يعيش بأمن وأمان وحياة كريمة وخدمات مستمرة وعلى درجة عالية من الكفاءة والجودة...
قيادة تضع على رأس أولوياتها الإنسان، في كل خطواتها ومساعيها وخططها وجهودها، يظل الإنسان محور ذلك، وتبذل في سبيل ذلك كل ما تستطيع.
حمى الله قطر، بقيادتها الحكيمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، وحمى الله شعبها والمقيمين على هذه الأرض الطيبة، ومَنَّ عليها بالأمن والأمان والاستقرار ومزيد من التقَدُّم والازدهار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2865
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1254
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
927
| 17 مارس 2026