رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

333

هديل رشاد

يا وصيـة الأنبياء.. لقد خذلوك

08 أبريل 2026 , 05:45ص

ليس هذا المقال الأول الذي أكتبه عن المسجد الأقصى المبارك في ظل استمرار إغلاقه، ولن يكون الأخير؛ فهذه قضية لا تُطوى صفحتها، ولا يجوز أن تُؤجَّل أو تُختصر، فالمسجد الأقصى ليس خبراً عاجلاً في نشرة إخبارية، بل وصيةُ الأنبياء، ووقفٌ إسلاميٌّ ممتد عبر التاريخ، تتجاوز قضيته حدود الجغرافيا والسياسة، لتستقر في عمق العقيدة والهوية. لليوم التاسع والثلاثين، تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى بذريعة ما تسميه «حالة الطوارئ» نظراً للظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة، في إجراء يتجاوز البعد الأمني إلى تكريس واقع جديد يفرض السيطرة الكاملة على المسجد ومحيطه، ويمتد حتى كنيسة القيامة، في سابقة تعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء، هذا المسار لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة، وإعادة تعريف العلاقة مع هذه الأماكن بوصفها خاضعة لسيادة الاحتلال، لا لحقيقتها الدينية والإنسانية.

وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن فصل ما يجري في المسجد الأقصى عن سياق أوسع من السياسات الممنهجة التي تستهدف إعادة تشكيل الهوية الدينية والتاريخية للمدينة المقدسة، فالإغلاق المتكرر، ومنع المصلين، وفرض القيود على الوصول، كلها أدوات تُستخدم لفرض أمر واقع جديد يُحاول تطبيع الانتهاكات باعتبارها إجراءات أمنية عادية.

فالمسجد الأقصى ليس مسجداً عادياً، بل هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى نبينا محمد ﷺ، حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. هذه البركة التي أحاطت بالمكان ليست وصفاً تاريخياً فحسب، بل دلالة مستمرة على مكانته في وجدان الأمة.

وفي السنة النبوية، يرد تأكيد هذه المنزلة في قوله ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» -رواه البخاري ومسلم-، وهو حديث يختزل خصوصية الأقصى وموقعه في العقيدة الإسلامية، كما أن ارتباطه بسلسلة الأنبياء يمنحه بعداً يتجاوز الزمن، ويضعه في قلب الرسالات السماوية. ومنذ الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، أصبح المسجد الأقصى وقفاً إسلامياً خالصاً، وهو ما عبّر عنه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بقوله «تلك أرضٌ أوقفها أولُ المسلمين على آخرهم، فليس لأحد أن يتمولها دونهم»، هذا المفهوم ليس نصا تاريخيا، بل قاعدة فقهية وأخلاقية تؤكد أن الأقصى ليس ملكاً لجيل دون آخر، ولا لشعب دون غيره، بل أمانة ممتدة في ذمة الأمة الإسلامية.

ومع ذلك، يبدو أن هذا المعنى قد تراجع في الوعي العام، حيث بات المسجد الأقصى يُنظر إليه أحياناً بوصفه شأناً فلسطينياً محضاً، تُقاس المواقف تجاهه من خلال الموقف من الفلسطينيين، لا من خلال مكانته الدينية، هذا التحول في الإدراك يعكس خللاً عميقاً، إذ لا يمكن فصل الأقصى عن بعده الإسلامي الجامع، ولا اختزاله في سياق سياسي ضيق، والقاعدة التي طالما ترددت في الوعي الإسلامي تقول «متى كان الإيمان حاضراً، كان المسجد الأقصى في متناول الأمة، وحين يضعف، تتنازعه الأيدي»، هذا المعنى يجب أن لا يُفهم بوصفه خطابا وعظيا منفصلاً عن الواقع، بل هو بمثابة قراءة للواقع الذي يعكس علاقة طردية بين حضور المسجد الأقصى في الوجدان، وحضوره فعلاً واقعاً.

ما يحدث اليوم يمثل تصعيداً خطيراً، ليس فقط من حيث الإجراءات، بل من حيث الرسائل التي تحملها، فإغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في آن واحد يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل حرية العبادة في المدينة المقدسة، ويكشف عن توجه يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديني بما يخدم رؤية أحادية، وعلى إثرها حذّرت جهات رسمية ودينية فلسطينية من خطورة استمرار هذه الإجراءات، معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً وجسيماً لحرية العبادة التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية.

في السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أن هذه السياسات تأتي في ظل أوضاع أمنية متوترة تُستخدم كغطاء لتكريس السيطرة، حيث تتحول حالة الطوارئ إلى أداة دائمة لإعادة ترتيب المشهد على الأرض، ومع مرور الوقت، يصبح الاستثناء قاعدة، ويُعاد إنتاج الواقع بما يتوافق مع أهداف الاحتلال.

إن استمرار إغلاق المسجد الأقصى لليوم التاسع والثلاثين مؤشر على مسار يتعمق، وعلى واقع يُعاد تشكيله بهدوء، في ظل انشغال إقليمي ودولي، وبينما تتوالى التحذيرات، يبقى السؤال الأهم: هل ما زال المسجد الأقصى حاضراً في موقعه الحقيقي داخل الوعي الإسلامي!؟، أم أنه يُدفع تدريجياً إلى هامش الاهتمام!؟.

ختاماً...

لا يتعلق الأمر بموقف سياسي بقدر ما يتعلق بمسؤولية أخلاقية ودينية، تستدعي استعادة المعنى الحقيقي للمسجد الأقصى، بوصفه وقفاً للأمة، ورمزاً لوحدتها، وامتحاناً دائماً لوعيها بمكانته وبأنه وصية الأنبياء لنا، ولن يسود السلام إلا بعودة الحق لأهله.

اقرأ المزيد

alsharq تضامن كامل مع الكويت في وجه الاستهداف

يمثل الاستهداف الذي تعرض له موقعان من المراكز الحدودية البرية الشمالية لدولة الكويت الشقيقة، بواسطة طائرات مسيرة قادمة... اقرأ المزيد

78

| 26 أبريل 2026

alsharq عاصفة الركود

يشهد العالم بين الحين والآخر فترات من الركود الاقتصادي والتجاري، وغالبًا ما تتفاقم هذه الفترات نتيجة الأزمات السياسية... اقرأ المزيد

180

| 25 أبريل 2026

alsharq دبلوماسية التكامل الإستراتيجي

في العقود الأخيرة شهد العالم تحولات متسارعة في طبيعة العلاقات الدولية فلم يعد التعاون التقليدي بين الدول كافيًا... اقرأ المزيد

291

| 25 أبريل 2026

مساحة إعلانية