رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم صانعا للأمل في أشد اللحظات التي مرت بالمسلمين، وكان يخرج من حوله من حالة الضعف والهزيمة إلى آفاق القوة والنصر والثقة في المستقبل، حتى لا يستسلموا لما هم فيه، أو يلتفتوا إلى الوراء، أو يبكوا على اللبن المسكوب، وحتى لا تنال المواقف من عزائمهم، أو تقعدهم عن العمل والاستعداد لما هو آت.
وسيرته صلى الله عليه وسلم تحدثنا أنه حين عاد جيش المسلمين منهزما من غزوة مؤتة، فاقدا لثلاثة من كبار قادته، فقابلهم الصبيان والناس، يحثون عليهم التراب، ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، وكان أفراد الجيش في حالة نفسية سيئة تتجرع مرارة الهزيمة، والتراجع أمام جيش الروم، حتى آثر بعضهم - فيما بعد - المكث في البيت، وعدم الخروج للصلاة.
لم يستسلم القائد الأعظم لواقع الهزيمة الذي فت في عضد أصحابه، ونال من معنوياتهم، وعمل على ألا يتسرب معنى الانكسار إلى نفوسهم، وعمد إلى الخروج من الحالة النفسية الراهنة للصحابة التي سيطر عليها الغم والحزن والانكسار وهي الحالة المعبر عنها "بالفرار" إلى حالة بعث الأمل والانتصار والقوة المعبر عنها: "بالكرار"، فقال: "ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى".
وحين شكا الصحابة للرسول الكريم واقعهم الأليم، وهوانهم على الناس، ونيل كفار قريش منهم، وتعرضهم للأذى والتعذيب كما جاء عند البخاري أن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا!! فأبان لهم النبي طبيعة الطريق، ومسار أصحاب الرسالات في قوله: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه".
ولم يقف الأمر عند توضيح معالم الطريق أو سمات المرحلة التي يعيشونها، بل بشر بإتمام الأمر، وتغير الحال، واستتباب الأمن، وتمكين الله لهذا الدين: "والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه"، ثم نبه إلى العجلة التي جبل أكثرنا عليها، فتجعل أحدنا تواقا لرؤية مصارع الظالمين، ورؤية النصر المبين، في يوم وليلة، بقوله: "ولكنكم قوم تستعجلون".
وفي طريق الهجرة وهو طريد ملاحق، يقول لمطارده سراقة، وهو موقن بعدالة السماء، والوعد الحق: "كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟".
وفي غزوة الخندق حين تجمعت الأحزاب من كل حدب وصوب في أكبر خطوة استئصالية آنذاك، هدفت إلى اجتثاث شأفة الدعوة الوليدة ودعاتها، فلجأ المسلمون الجياع المكروبون لتوقي شر هذه الجموع المتكاثرة إلى حفر الخندق، يلوذون بحصن الله المنيع، فتعترضهم صخرة عظيمة لا تنال منها المعاول، فشكوا لرسول الله، فبدد المخاوف أمنا، وأحال الفزع اطمئنانا وسكينة، وبشر بما تتوق إليه النفوس، وما تشرئب له الأعناق، وهو فتح فارس والروم واليمن، وتحول المشهد في نفوس الصحابة أملا وسعيا، حين أخذ النبي المعول فقال: "بسم الله " فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال:"بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا "ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" رواه أحمد.
وكان صلى الله عليه وسلم دائم الفأل محبا لكل ما من شأنه أن يبعث على الأمل، ويكره كل ما من شأنه أن يدعو إلى التشاؤم أو الإحباط أو إشاعة اليأس، كما قال أبو هريرة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ويكره الطيرة".
وكان من هديه تغيير الأسماء التي يلمح منها الضعف أو الحزن أو الخمول أو التراجع فسمى المضطجع المنبعث، وغير اسم حزن، وجعله سهلا.
وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجل يحلبها، فقال: "ما اسمك؟ "قال: مرة فقال: "اجلس"، فقام آخر، فقال: "ما اسمك؟ "فقال: يعيش، فقال:"احلبها".
وقد ترك النبي البشارة الكبرى لأمته لتبعث فيهم الأمل المتجدد، وتقودهم إلى العمل المستمر كما روى أحمد في مسنده أن تميما الداري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر".
ومهمة ورثة النبي والموجهين والمربين من بعده في كل زمان ومكان خاصة في وقت الأزمات والمحن أن يبثوا الأمل، ويدفعوا إلى العمل، ويسدوا الخلل، ويبشروا بالفرج، ويذكروا بسنن الله في كونه، والتي منها: أن دوام الحال من المحال، وأن مع العسر يسرا، وأن الأيام دول، وأن الحق منتصر، وأن المحن تصهر معادن الناس، وأن الشهادة اصطفاء، وأن السجن اختبار وابتلاء، وأن الهجرة في سبيل الله ممتدة، وأن انتظار الفرج عبادة، وأن الصبر والثبات من أخلاقيات جيل النصر المنشود، وأن بعد الاستضعاف المن والتمكين:"وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" القصص 5، 6. ولولا الأمل لما كان الصبر في المحن، كما قال الشاعر:
إِنَّ للآمالِ في أنفســــنا.... لـــذةً تنعشُ منــها ما ذَبــلْ
لذةٌ يحلو بها الصبرُ على.... غَمَراتِ العيشِ والخَطْبِ الجللْ
وقد اقتدى أصحاب الرسالات برسول الله صلى الله عليه وسلم في صناعة الأمل وبعثه في حياة الأمة، فكتب الأستاذ سيد قطب المستقبل لهذا الدين، وكتب الشيخ الغزالي مستقبل الإسلام، وكتب الشيخ القرضاوي المبشرات بانتصار الإسلام.
وتاريخ الإسلام عبر دوراته ينبئنا أن الإسلام لا يقضى عليه ولا ينتهي أمره ولا يستأصل أهله، ولكن يمكن أن يمر بحالة ضعف لضعف حملته، أو ركود مؤقت، أو إجهاد عارض، أو تغييب بعض الوقت لكنه سرعان ما يسترد عافيته ويستعيد قوته، ويستأنف نشاطه، ويجدد دماءه، ثم يعود بقوة إلى حلبة الصراع ليهزم من تعملقوا في غيابه، ويصرع من استأسدوا أثناء ركوده.
والتاريخ يحدثنا بوضوح عن انكسار شوكة الصليبيين في حطين بعد أن ظنوا أن العالم الإسلامي سقط إلى الأبد، ويحدثنا عن هزيمة التتار في عين جالوت القوة التي قيل وقتها: إنها ﻻتقهر، بل أكثر من ذلك كان الانتصار الأكبر في ميدان الأخلاق والاعتقاد حين اعتنق كثير من التتار الإسلام، وعادوا إلى بلادهم دعاة إلى الدين الذي حاربوا أهله ودخل الغالب في دين المغلوب.
ونحن على أمل في تحقق بشارة الرسول بفتح رومية، وهزيمة الصهاينة، وعودة الخلافة ووحدة المسلمين، ولكن يبقى اليقين والعمل لتحقيق ذلك، وإنه لكائن إن شاء الله.
دولة في اللا دولة
لا أستطيع أن أعبر لكم أو أصف شعوري وأنا أرى العلم الفلسطيني يرفرف في سماء العاصمة البريطانية لندن... اقرأ المزيد
144
| 27 يناير 2026
بصمة صامتة بين الإشراق والتنقية
من الجليل أن يتنبّه المرء إلى أن الأثر يتشكّل في كل لحظة يترك فيها بصمته في الزمان والمكان،... اقرأ المزيد
141
| 27 يناير 2026
سهّل حياتك!
لديك قوائم من الأحلام والهوايات والأشغال والأعمال اليومية التي ترغب في فعلها كل يوم. وكثير من الأوقات تتحاشى... اقرأ المزيد
171
| 27 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
4539
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم الإعلان عنها في فترة سابقة، بدأت ملامحها في الظهور وذلك بصرف علاوة استمرارية الزواج للزوجين القطريين بعلاوة تُقدّر بـ 12000 ريال لكل من الزوجين والذي حددها القانون وحدد وقت صرفها في كل شهر يناير من كل عام، وسبق ذلك التعديل المباشر لاستحقاق الزوجة للعلاوة الاجتماعية بفئة متزوج وإلغاء حالة فئة أعزب للموظفة المتزوجة وذلك في بند القانون السابق. يناير 2026 يختلف عن يناير 2025 حيث إن القانون في مرحلة جديدة وملامح جديدة من حوافز وصرف المكافآت التي حددها القانون للموظفين وللوظائف الإشرافية التي تقع تحت مظلة قانون الموارد البشرية. حوافز كثيرة وقيم مستحقة يُتوقع أن تكون ذات أثر في المنافسة وبذل العطاء للوصول إليها، مع محافظة القانون على العلاوة السنوية والمحافظة على بدل الإجازة بمعدل راتب أساسي شهري للموظفين أصحاب تقييم جيد أو متوقع، والمعني به “جيد” أن الموظف أدى مهام وظيفته على أكمل وجه والتزم بكل القوانين وأخلاقيات العمل، ولم يزح القانون تلك الاستحقاقات السابقة بل حافظ عليها، وليضيف القانون حوافز مالية جديدة وذلك مع بدل الموظف المزيد من العطاء والتنافسية الايجابية ما بين الزملاء للوصول إلى التقييم الأعلى ومن ثم الوصول إلى المكافآت ومنها رؤية الأثر بزيادة مالية في تقييم “جيد جداً، امتياز وهما تعادلان تجاوز التوقعات، استثنائي” والتي حددها القانون في زيادة العلاوة الدورية لتكون في تلك السنة التقييمية 125% - 150% بدلاً من 100% للعلاوة المخصصة لدرجته المالية، بالإضافة لحصول الموظف على راتب أساسي شهري كمكافأة أو راتبين أساسيين كمكافأة بناءً على التقييم الحاصل عليه في تلك السنة، ولم يقف القانون هنا بل قام بوضع حوافز مالية للموظف القائم بالعمل الإشرافي وبقيم مالية مشجعة وضحها القانون ووفق درجة التقييم. لقد عمل القائمون على التقييم في بذل كل ما يمكنهم من وضع الخطوات والحوافز للموظفين وبإنشاء نظام تقييم يسعى قدر الإمكان في إنصاف جميع الموظفين، فإذاً لنجاح هذه العملية وجب على الجميع التعاون موظفاً ومسؤولاً في تطبيق الشروط التي حددها القانون للوصول إلى أهداف التقييم وهي في مقامها الأول هدف الارتقاء الوظيفي والتطوير والإبداع في العمل، ويليها الظفر بالمكافآت التي حددها القانون، ولكل مجتهد نصيب. أخيراً لكل مسؤول ولكل موظف عطاؤكم هو أساس لكل نجاح وبهذا النجاح يتحقق الهدف المنشود من كل عمل وبعبارة «لنجعل قطر هي الأفضل».
774
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
744
| 20 يناير 2026