رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من السهل أن تكوِّن رأيا بحسب ما تقرأ، حيث تستطيع أن تستند إلى دليل من صفحة في هذا الكتاب، ولربما تربط الأحداث كأدلة جمعية من عدة صفحات من كتب متفرقة في نفس الوقت. ستتمكن من أن يكون لك وجهة نظر أولاً، تطلعات لأبعاد جديدة لربما، والأهم أن يكون لك نتائج ترغب أن تراها في واقعك.
هذه مقدمة سهلة القراءة، سلسة في الاستنباط وسريعة في استيقان الخطوات. ولكن، تظل الإشكالية قائمة في الجانب التطبيقي الذي يبدو وكأنه حالة دراسية- نظرية ناجحة، لم تطبق بعد على أرض الواقع، إذ يقاس نجاحها على الورق قبل مرحلة التطبيق. وعندما ننظر للجانب النظري في هذه الحال بتطلعاته التجريبية، أتساءل ثقافياً، إن وصلنا لمرحلة المراوغة في الثقافة بدلا من تحسينها والتقدم فيها، أو ان أصبحنا نفضل أن تكون الثقافة بطابعها الثابت الذي أصبح اعتيادياً ومقاوماً للتغيير، فمن الواضح أننا نتطاول ونكابر في تبني عدة جوانب من تعريف الثقافة الذي يتسع لأكثر من الاعتيادية والكلاسيكية اليوم.
بالتأكيد يمر المثقف في علل وعاهات كثيرة بحسب موقفه من المتغيرات والعوامل التي تؤثر على الثقافة، حتى يشعر المثقف بالداء الذي يصعب الشفاء منه، وسبق أن ذكرنا الظروف التي تضع المثقف في تلك المواقف التي يشعر وكأنه في برجه العاجي بمفهوم ثقافة واسع وعام يصعب عليه ألا يعتاد إلا على جزء منه حتى يعجز أن يطلقه خارج قيوده.
ولكن يأتي الأمر في الجانب التطبيقي للمفهوم، فهل جربت أن تنقل مفهوما تجاوز الـ 300 تعريف إلى الواقع وبشكل تطبيقي، الأمر الذي بإمكانه أن يغير مسار اعتيادك نحو وضع الثقافة في إطارها الركيك والروتيني. إذ توصلت إلى أن الثقافة التطبيقية هي الجانب النوعي المفقود، الذي بإمكانه أن ينفذ المفاهيم وأن يخلق الصورة التي تكونت أيديولوجيا ولفترة طويلة من الكتب والممارسات الاجتماعية.
الثقافة التطبيقية ليست مجرد بناء المشروع بحسب موارده الاجتماعية المؤثرة، إنما النظر في نوعية هذا المشروع الذي يخلق لك بعدا آخر جديدا ينعكس على مفاهيم الثقافة الأكثر من 300. لماذا نحتاج البعد الآخر الجديد؟ لأن الثقافة ليست حكرا على مشروع واحد متكرر، ولا أن المشروع حكر على مفهوم ثقافي واحد. كما أؤمن بأننا نستيقن أن الثقافة لم تعد مبدأ ثابتا غير متجدد، هي جوانب مختلفة، مسارات مباشرة وغير مباشرة، بل وهي نظرة اقتصادية جريئة لتحريك المفاهيم وقياس أثرها على المتلقين، ولنضع خطوطا عديدة على الجانب الاقتصادي. نلاحظ من هذا المنظور التطبيقي أننا نقدم مخرجات بأثر متجدد، ليس بالضرورة أن يكون واعدا في بادئ الأمر، فلنكن أكثر صراحة أن الثقافة لا تزال حكرا على مثقفين محدودين يؤثرون على المبدأ بالمناظرة ويعجزون عن التطبيق على الرغم من وفرة أو محدودية التمويل. لذلك، نلاحظ أن الأثر في الثقافة من عدة جوانب في تباطؤ وخذلان، إذ تحتاج إلى التحريك المتجدد وكسر الروتين لمثقف يتمسك بالأمس مدعيا أنه مثقف اليوم.
ودعونا لا نضع حملاً وثقلا على مثقف محدود التطلعات وحذر في التحرك، فلنكن أكثر واقعية بالمحركات التي بإمكانها أن تؤثر على المثقف بشكل سريع، فبات المثقف أسير مبادئ تراكمية، حتى يأتي المحرك المؤسسي برؤية وتنمية اقتصادية تغير مجرى التطلعات. فالمشروع الثقافي قبل أن يكون نتاجا فرديا، فهو نتاج مؤسسي حضاري يؤثر على الثقافة كمشروع تنموي داخلي يسيطر على التمويل، التدريب، وحتى التعيين. فالمدرسة الحديثة اليوم لا تنتظر التغيير الخارجي لتلائم الإجراء الداخلي المطلوب. إنما ينعكس الأمر اليوم في خلق مثقف تخصصي يستطيع أن يؤثر من الداخل أولاً لتنعكس الصورة على مشروع تكون فيه الثقافة نتيجة تنمية اقتصادية قادرة على تحريك الظروف الاجتماعية وإعادة تشكيل المسارات الثقافية أو تمسكها في الكلاسيكية بحسب عقلية المثقف المؤسسي. وهذا تحد بحد ذاته.
الثقافة التطبيقية هي رهان إداري، فلابد أن نستيقن هذا المفتاح أكثر، قد يكون بناءً للمبدأ، معززا للنوعية بحسب قدرتها وقبولها على تبني والتنوع في المفاهيم الـ 300. فهي تتطلب منظومة مؤسسية تغرس في الأفراد الرغبة في الفهم العميق أولا، والنظر في المشاريع بأثرها البعيد.
الثقافة ليست مشروع اللحظة ونجاح اليوم الذي يتوارد في الأخبار وعبر منصات الإعلام بشكل لحظي، إنما هي النوعية التي تبقى والتحدي الذي يكسر النمطية الاعتيادية في التعامل مع الثقافة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
807
| 03 مايو 2026