رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الحياة الإنسانية مشاهد كثيرة تمر بنا دون أن تترك أثرًا يُذكر، كأنها لم تكن. وفي المقابل، هناك مواقف عابرة في ظاهرها، لكنها تظل مستقرة في الذاكرة، نستعيدها كلما مررنا بموقف مشابه أو التقينا بشخصية تذكرنا بها. وليس بالضرورة أن تكون هذه المواقف عظيمة في حجمها، بل قد تكون بسيطة جدًا، إلا أن ما تحمله من دلالات ومعانٍ يجعلها أكبر من لحظتها العابرة.
ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذهني، موقف حدث في أحد الاجتماعات الرسمية قبل سنوات طويلة، حين كنت أشارك في اجتماع يضم عددًا من المسؤولين ورؤساء الوفود. كان الاجتماع برئاسة مسؤول رفيع المستوى، يتولى إدارة الحوار وتوزيع فرص الحديث بين المشاركين.
وكما يحدث في كثير من الاجتماعات، برز أحد الحضور بشكل لافت؛ كان متحدثًا لبقًا، سريع البديهة، حاضر الذهن، يمتلك قدرة واضحة على صياغة الأفكار وإدارة النقاش. وكلما طرح موضوع، وجد رئيس الاجتماع نفسه يعود إليه ويمنحه الكلمة مرة أخرى، لما يراه فيه من قدرة على إثراء الحوار.
في البداية بدا الأمر طبيعيًا، فالمجالس تميل غالبًا إلى من يجيد التعبير ويملك أدوات الإقناع. لكن مع تكرار المشهد، بدأت علامات الضيق تظهر على بعض الحاضرين، خصوصًا أولئك الذين كانت لديهم آراء مخالفة أو مداخلات يرغبون في طرحها.
وفجأة، لم يتمالك أحد رؤساء الوفود نفسه، فقال بنبرة جمعت بين المزاح والاعتراض:
"لماذا تعطى الكلمة دائمًا لأسامة؟ ليت اسمي أسامة حتى أحظى بفرصة مماثلة!"
ضحك الحضور، ومضى الاجتماع، لكن تلك العبارة بقيت عالقة في ذهني أكثر من كثير من تفاصيل الاجتماع نفسه.
كانت جملة عفوية، لكنها تختصر جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ففي كثير من الأحيان، لا يحصل الناس على الفرص بالتساوي، ليس بالضرورة بسبب الظلم المتعمد، بل لأن بعض الشخصيات تفرض حضورها بقوة الحديث، وجاذبية الأسلوب، والقدرة على لفت الانتباه.
إن الإنسان بطبيعته يميل إلى من يملأ الفراغ، ويقدم الأفكار بثقة، ويتحدث بوضوح، حتى وإن لم يكن دائمًا الأكثر عمقًا أو خبرة. وعلى النقيض، قد يوجد في المكان نفسه أشخاص يملكون علمًا أوسع، أو رؤية أكثر نضجًا، أو نية أكثر إخلاصًا، لكنهم لا يجيدون تسويق أنفسهم، ولا يملكون مهارة اقتناص اللحظة. وهنا تكمن المفارقة.
فالمجتمعات كثيرًا ما تمنح الثقة لمن يُحسن القول قبل أن تختبر الفعل. بل إن بعض الناس يمتلكون قدرة استثنائية على تشكيل الانطباعات، حتى يصبح حضورهم طاغيًا على غيرهم، وكأنهم الخيار الطبيعي في كل موقف.
وفي الموروث الشعبي يقال: "خذوهم بالصوت"، وهي عبارة تختصر واقعًا اجتماعيًا معروفًا؛ فليس كل مرتفع الصوت قوي الحجة، وليس كل كثير الكلام عميق الفكرة. غير أن حسن العرض قد يمنح صاحبه أحيانًا ما لا تمنحه الكفاءة وحدها.
ولا يعني هذا التقليل من شأن البلاغة أو مهارة الحديث، فالكلمة قوة حقيقية، والقدرة على التعبير نعمة عظيمة.
كم من شخص يتحدث كثيرًا لكنه قليل الإنجاز، وكم من آخر قليل الكلام لكنه عظيم الأثر. وهناك من يفضلون العمل بصمت، لا يجيدون الترويج لأنفسهم، ولا يزاحمون على المنصات، لكن نتائجهم تتحدث عنهم ببلاغة تفوق الكلمات.
وفي بيئات العمل والإدارة والحياة العامة، يقع كثيرون في فخ الاعتماد المفرط على شخص واحد؛ فيصبح هو المستشار الدائم، والمتحدث المعتمد، وصاحب الرأي المقدم على غيره. ومع الوقت، يتحول إلى عدسة وحيدة يرى القائد من خلالها المشهد، رغم أن الحقيقة غالبًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا من أن تختزل في منظور واحد.
العدالة في المجالس، كما في الحياة، لا تعني فقط إتاحة الفرصة للأكثر حضورًا، بل تعني أيضًا الالتفات إلى الأصوات الهادئة، ومنح المساحة لمن لا يطلبها بإلحاح.
فليست الحكمة حكرًا على أصحاب الأصوات المرتفعة، وليست الكفاءة مرهونة بمهارة الحديث.
وربما كانت تلك العبارة الساخرة: "ليت اسمي أسامة" أكثر من مجرد دعابة؛ لقد كانت تعبيرًا صادقًا عن شعور إنساني يتكرر في أماكن كثيرة: شعور من يرى الفرص تمر أمامه، لا لأنه أقل كفاءة، بل لأنه أقل ضجيجًا.
وهكذا تعلمنا الحياة درسًا مهمًا:
لا تنخدع دائمًا بمن يجيد الحديث، ولا تهمل من يجيد الفعل.
فالقول يلفت الانتباه، أما الفعل فهو الذي يصنع الأثر ويبقى
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4476
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4194
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2091
| 07 مايو 2026