رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فاكرين أيام كنا نملأ عربة وعربتين من عربات الجمعية بخزين يصمد شهراً ولا نكاد ندفع "500" ريال؟ قد يقول قائل "زمان أول غير" ونقول لماذا "غير" ونسبة الزيادة السنوية على ما نشتري المفروض أن تكون أقل كثيراً قياساً بالأسواق المجاورة؟ الجواب لأن التاجر لم يعد يقنع بربح معقول، بل قد يطمع في أن تصل أرباحه إلى "500%" حتى يشعر بالارتياح والرضا، والناس الغلابة؟ "يطجون راسهم بالطوفة" يحدث كثيراً أن ندفع المطلوب على كاونتر أي مركز تسوق وما اشتريناه لا يتناسب مع ما دفعناه! كيف تدفع ربة البيت مئات كثيرة في "كلينكس" ومنظفات، وبامبرز، وفاكهة لا تصمد أسبوعاً؟ لا يتعب الناس من الشكوى، في كل مكان شكوى من الغلاء، والتجار في ذات الوقت "ودن من طين والثانية من عجين" ولا يتعبون من حمل ما جمعوه من الجيوب المتعبة، ومن الذي ندفعه صاغرين، ومتأففين! لا يهم السادة التجار إرباك ميزانية الأسر والضغط عليها إلى جانب ما تحمله أصلاً من تكاليف ضرورات تكلفها مادياً ما لا طاقة لها به، أصبح مألوفاً أن تتوحش الأسعار ويشتري الناس مضطرين ومجبرين، فكل شكوى تذهب أدراج الرياح والزيادة مستمرة، رغم أنوفنا شئنا أم أبينا! أذكر أنه عندما ارتفعت أسعار السمك منذ سنوات إلى أرقام خرافية تعد رحمة لما هي عليه الآن وقد غدت فلكية، أذكر أنني كتبت عن المقاطعة التي قرأتها في خبر مفاده أن ربات البيوت بجنوب فرنسا قدن مقاطعة شرسة ضد تجار اللحوم الذين رفعوا أسعارهم فجأة، وعندما دخل الموضوع "في الجد" وصمدت المقاطعة، ونزلت بالتجار خسائر مزلزلة عادوا صاغرين لأسعارهم القديمة بعد حملة ربات البيوت "لن نأكل اللحم".
اليوم وأنا أتصفح الأخبار قرأت عن الحملة الشعبية "خلوها تعفن" التي يقودها المستهلك بالسعودية بعد ارتفاع أسعار الدجاج ارتفاعاً غير مبرر والتي تهدد بتكبد الشركات المنتجة لخسائر بالملايين حال استمرار الحملة مما أدى إلى تدخل السلطات بقرار وقف تصدير الدجاج السعودي للأسواق الخليجية المجاورة، وقد أدى هذا القرار إلى انخفاض الأسعار بعد أن سجلت مشاريع إنتاج الدواجن خسائر فادحة، خاصة أنها لم تكن تتوقع صمود الحملة وتسارعها وتأثيرها ووصولها إلى مواقع التواصل الاجتماعي الذي ساهم في نجاح المقاطعة نجاحاً باهراً! وقد يسوق التجار مبرراتهم، وأعذارهم الواهية لكن بالتأكيد لن يطول تبريرهم طويلاً بعد أن تقصى المستهلك وأصبح معروفا لديه أن تكلفة الدجاجة على أصحاب المزارع لا تصل إلى خمسة ريالات بينما يشتريها بـ "16" ريالاً أو أكثر.
الخوف أن يؤدي قرار السعودية منع التصدير إلى أن يتخذ تجارنا هذا القرار ذريعة لزيادة جديدة بأسعار الدجاج ومشتقاته، وتدوير القرار ليصب في صالح أرباحهم، هنا يود المستهلك مواطنا كان أو مقيما أن تتدخل "حماية المستهلك" من الآن لتتتبع تكلفة الدجاجة بالمزارع المحلية وحتى تصل إلى يد المستهلك، مطلوب معرفة كم تكلف بالضبط، وكم ينبغي أن يربح التاجر دون أي غبن أو استغلال لحاجة المستهلكين، أعود لحملة "خليها تعفن" التي أنا معجبة بها جداً وأتصور لو أن المستهلك طبق هذا الشعار في كل ما يحيط به، وعلى كل الأصعدة فحقق المقاطعة وصمد! تصوروا لو قاطع الناس الحج عاماً؟ لو قاطعوا العمرة موسماً؟ لو قاطعوا شراء سيارات بعينها رفعت دون مبرر أسعارها؟ لو قاطعوا سلعة بعينها أيا كانت أهميتها لهم، تصوروا النتيجة المدهشة التي نحتاجها فعلاً إذ رغم توعد السادة المسؤولين بالدولة بالضرب بيد من حديد على يد الجشعين المتربحين لم يرعو هواة جمع الأرباح السريعة وظلوا على جشعهم وظلمهم للناس، المهم والأهم أن تنتفخ أرصدتهم، أؤكد مرة أخرى على أن بيد المستهلك سيفاً باتراً للاستغلال، والجشع، والتربح يتراخى في استخدامه ليزداد الغلاء توحشاً، مهم أن يستعمل المستهلك حقاً مشروعاً برفض الغبن اسمه "المقاطعة" على الأقل ليذوق السادة التجار كم هو مر طعم الكساد والخسارة بما أنهم يعادون شعورا اسمه الرحمة. ويا كل معترض على أي غلاء مجحف لأي سلعة اتركها، لا تشتريها، خليها تعفن، تقدر تخليها تعفن؟ هذا هو السؤال؟
* * *
طبقات فوق الهمس
* يهتز وجداني، ويتأمل قلبي وأنا أقرأ قول أنس رضي الله عنه "رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه" قول يستحضر غصباً شياكة الكبراء حاكمي الرعية على طول خريطتنا العربية، عطور فاخرة، أحذية ماركات، أربطة عنق حرير، ملابسهم المنتقاة بعناية فائقة ترف على ترف، ما يركبونه حدث ولا حرج، أما عمر الذي يزن أمة ففي قميصه أربع رقاع، سلام الله عليك يا عمر ورحمته وبركاته.
* عوقب موظف بلفت نظر لأنه كرر مكاتباته لمسؤول كبير دون عبارة "سعادتك" (اتغظت جداً) لاحتفائنا بالألقاب، نموت في الألقاب من أول الدال قبل الدكتور وحتى حضرتك، لماذا الألقاب إلى هذا الحد مهمة وقد نادى الناس أعظم من عرفت الأرض (يا محمد) صلوات الله وسلامه عليه ودون فخامتك، وسعادتك، ولا معاليك، ولا، ولا، ولا، بالتأكيد لم يخطر ببال الذي عاقب الموظف خاطر في سؤال يقول هل سيظل أصحاب السعادة في الدنيا هم بعينهم أصحاب السعادة في الآخرة أم.. الله أعلم.
* لا تتألم ممن ظن بك سوءا، فالآية صريحة (إن بعض الظن إثم) ومن يحتمل تبعة الإثم وحسابه فليملأ منه كراتين كله بحسابه.
* دائماً زهقانة، متململة، مش طايقة هدومها! ليه؟ متململة من الفراغ، طيب فكرتي تزوري مرضى مستشفى الأمل ليستغفر لك سبعون ألف ملك؟ لأ، جربتي تلتحقي بأي مركز تحفيظ قرآن لحفظ الزهراوين البقرة وآل عمران اللتين ستكونان مظلة حافظهما والشمس تذبح العباد وهم في كرب شديد؟ لأ، طيب حاولتي تراجعي دروس أولادك بدل الخادمة الفلبينية التي تنطق الانجليزية بأخطاء فادحة؟ لأ، جربتي تشرفي على ترتيب دولاب أولادك؟ لأ، جربتي تلتحقي بالعمل الخيري؟ لأ، نصيحة حبي نفسك لأنك إذا أحببتها ستقومين بكل ما تقدم برضا وحب ولن تجدي وقتا لحك راسك، جربي.
* عبارة فاتنة قالها الرافعي.. إذا لم تزد الحياة شيئا تكن أنت زائداً على الحياة.
* لكي تأخذ قراراً جيداً يجب أن تكون مستمعاً جيداً.
* لا تتجاهل المسافة بينك وبين الآخرين، إنها مسافة تكفل الاحترام، وحفظ الكرامة من الإهانة، إسقاط الحواجز قد يصنع مهازل.
* بربوع مصر انتقد د. عمرو حمزاوي البرلماني السابق ما أسماه بالهجمة على الفنانين وأهل الفن، ووصف نقد الفن بأنه قمع لحرية التعبير، وللدكتور عمرو أقول نفسي اعرف أي فن واي ابداع في التبذل، والعري، والرقص، والهز، أي ابداع في المشاهد الخليعة والعبارات الخادشة الخارجة؟ وهل انزعاجك خوف على حرية التعبير ولا لأن مدامتك فنانة وعيب تكسر وتضرب في شغل المدام؟
* * *
إنسانيات
* سألته لماذا تحرص على (أعوذ بك يا الله أن أرد إلى أرذل العمر) قال كلما مررت على بيوت العجزة وتصورتني بينهم ومعهم وحيدا دون دفء السؤال وقد انشغل عني الأهل والولد بمطحنة الدنيا جرى على لساني هذا الدعاء دون وعي.
* الذين لا يتكلمون يتألمون، هل سألت صديقك الصامت ما بك؟ ربما لو تكلم عرفت كم أهنته، وكم أوجعته، وكم أبكيته وأحزنته، وكم احتمل دون أن يفتح فمه بكلمة، وربما عرفت أن نبله منعه حتى من العتاب مجرد العتاب.
* عندما تهجر السكينة قلوبنا ينبغي أن نسأل أنفسنا فقط لماذا؟
* عجبت من الذي يطالبك بكل حقوق الواجب وهو الذي لم يلتفت عمره لأي واجب.
* عندما تضيع ذهبك بيديك عبثا تبحث عمن يعيده إليك.
* لا تأمل كثيراً فيمن لا أمل فيه حتى لا تتألم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1383
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026