رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

288

جاسم الشمري

اغتيال التاريخ!

21 فبراير 2026 , 02:40ص

المواقع والمعالم الأثرية ليست مُجرّد مجموعة من البنايات والأحجار القديمة المرصوصة في مكان ما، بل هي لسان أحوال الأمم عبر التاريخ، ولسان الحضارات الناطق، وإن كانت حجارة جامدة.

والآثار هي الهوية الثقافية والحضارية والإنسانية، والقرطاس الذي يُوثّق التطور الإنساني، وتاريخ الشعوب، وتطوّر العلوم والفنون، وهي من أبرز مصادر علم التاريخ، والحقوق السياسية والإنسانية.

والتاريخ الفلسطيني العريق غني بالمدن والمساجد التاريخية، ومنها معالم مدينة القدس الأثرية، وأبرزها المسجد الأقصى المبارك، ومسجد قبّة الصخرة المشرفة، وكنيسة القيامة، وقبر السيدة مريم العذراء، وجبل الزيتون وغيرها، وتمتاز مدينة الخليل كذلك بعشرات المعالم، ومنها الحرم الإبراهيمي، ومسجد النبي يونس وغيرهما، وهكذا الحال في مدن بيت لحم، وغزة، وأريحا، ورام الله، ونابلس، وجنين، وطولكرم، وقلقيلية، وخان يونس، ورفح، ودير البلح، وجميعها دلائل على عمق الحضارات الإنسانية على أرض فلسطين المباركة.

وبعد الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين في عام 1948 حاولت «إسرائيل» تخريب الآثار وتضييع المعالم التاريخية ومحوها عبر سياسات مدروسة يُراد منها اغتيال التاريخ، وَقَلْب الحقائق لأنها جميعها أدلة قاطعة على أن الفلسطينيين هم أصحاب الوطن والأرض والتاريخ والحضارة، وأن الصهاينة هم جماعة من المغتصبين والمزوّرين للتاريخ، والقاتلين للإنسان والشجر والحجر.

والاغتيال الصهيوني للتاريخ وصل لأكثر من 750 مدينة وقرية فلسطينية، على مدى 78 سنة تقريبًا من الاحتلال منذ عام 1948. ولهذا لم تُرَكِّز هجمات الصهاينة خلال «طوفان الأقصى» على قتل الإنسان وتدمير البنايات السكنية والحكومية فحسب بل استهدفت، وبدقة، مواقع غزة التاريخية والأثرية.

وهكذا فقد استهدفت «إسرائيل» ودمّرت مئات المعالم الدينية والتاريخية والأثرية الغزّية ليس فقط على مدى 59 سنة تقريبًا من احتلالها للقطاع بعد عام 1967، ولكن أيضًا خلال معارك «طوفان الأقصى»، ومنها تدميرها للمسجد العمري الذي يعود للفترة الأيوبية، وقصر الباشا وهو من قصور العصر المملوكي وكلاهما في حي الدرج.

وهَدَمَت كنيسة القديس بيرفيريوس التي تعود للقرن الخامس قبل الميلاد، وقتل مَنْ لجأوا إليها في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ودمّرت جامع «كاتب ولاية» التاريخي، والمدرسة الكاميلية وجميعها في حي الزيتون، ومَحَت مسجد «الظفر دمري» المملوكي في حي الشجاعية، ونَسَفَت نحو 12 متحفًا وغيرها من المعالم بعموم القطاع.

وذكرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) يوم 14 شباط/ فبراير 2026 أنها تَتَحقّق بشأن وقوع أضرار لأكثر من 150 موقعًا منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بينها 14 موقعًا دينيًا، و115 مبنى له أهمية تاريخية أو فنية وتسعة آثار، وثمانية مواقع أثرية.

وأعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بغزة، يوم 21/1/2024، أن الجيش «الإسرائيلي» دمّر بشكل كُلّيّ، أو جزئي ألف مسجد من أصل 1200، ومن ضمنها المساجد الأثرية، ودمّر عشرات المدافن، وإعمارها يحتاج لنحو 500 مليون دولار.

وأكدت بلدية غزة أن الاحتلال استهدف نصب الجندي المجهول، وحديقة الكتيبة، والمكتبة العامة، ومبنى إسعاد الطفولة، والأرشيف المركزي، ومركز ترميم المخطوطات، وغيرها!.

وتحاول «إسرائيل» مَحْو التراث الفلسطيني لأنها تعلم أن الآثار أدلّة تاريخية على أصالة المِلكية الفلسطينية للأرض والتاريخ، ودلائل قاطعة على عدم امتلاك «إسرائيل» لأيّ ارتباط تاريخي بأرض فلسطين.

ورغم الصعوبات والإمكانيّات المتواضعة تحاول وزارة السياحة والآثار في غزة حاليًا ترميم بعض المعالم والآثار التاريخية، وعليه فإن المجتمع الدولي والعربي أمام مسؤولية تاريخية وإنسانية تتمثّل في ضرورة إنقاذ تلك المواقع التاريخية، والمساهمة في ترميمها لأنها جزء من الذاكرة الإنسانية والفلسطينية.

والاستهداف الصهيوني يتناقض مع المعاهدات الدولية الداعية للحفاظ على التراث الإنساني العالمي، ومنها اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة للعام 1954، والتي تُلزم الدول باحترام المواقع الأثرية، والمتاحف، وعدم استهدافها، وكذلك اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي للعام 1972 وغيرهما.

وهكذا أثبتت «إسرائيل» للعالم أنها ناقمة على الأحياء والأموات، والحاضر والماضي والمستقبل وَكُلّ ما يَمُتّ للحياة والتاريخ بصلة!.

مساحة إعلانية