رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وجهت كل من روسيا والصين ضربة قوية للجهود الدولية الرامية لإنهاء العنف في سوريا عندما استخدمتا حق النقض "الفيتو" اعتراضا على مشروع قرار للأمم المتحدة يدعم خطة الجامعة العربية لحل الأزمة في سوريا من خلال "إصلاح في الخارطة السياسية السورية يقود إلى تغيير ديمقراطي وتداول سلمي للسلطة".
وبرر السفير الروسي فيتالي تشوركين تصويت بلاده ضد القرار لكون مشروع القرار الحالي "يبعث برسالة غير متوازنة لأطراف الأزمة السورية"، وأنه لا يعبر عن الوضع هناك بالصورة الدقيقة المطلوبة، وأنه لم يتضمن أي اقتراح لوقف الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة ولا مدى ارتباطهم بالمتطرفين، وقال إن المشروع لم يأخذ بعين الاعتبار أن مطالبة الحكومة السورية بسحب قواتها يتم في "ظل استمرار الهجوم العسكري عليها" معتبرا أن المشروع "يقوض جهود تسوية الأزمة السورية سلميا".
وفي الوقت نفسه دافع السفير الصيني لي باو دونغ عن قرار الصين باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد مشروع القرار قائلا: إن بلاده دعت أيضا إلى وضع حد فوري لجميع أعمال العنف في سوريا ولكن يجب احترام سيادة البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها. وقال إن "الصين ترى أنه في ظل الظروف الحالية، فإن ممارسة أي ضغوط على الحكومة السورية لا داعي لها لأنها لن تساعد في حل القضية السورية".
وهذه هي المرة الثانية التي يستخدم فيها كلا البلدين حق النقض "الفيتو" ضد قرار للأمم المتحدة حول الأزمة السورية منذ أكتوبر من العام الماضي عندما قامت روسيا والصين أيضا باستخدام حق النقض "الفيتو" المزدوج لعرقلة إصدار مشروع قرار أوروبي كان قد صيغ لإدانة انتهاك حقوق الإنسان بسوريا، والذي كان قد اقترح أيضا فرض عقوبات عليها.
باستخدامهما لحق النقض "الفيتو" فإن كلا من روسيا والصين قد أعادتا مرة أخرى تقسيم المجتمع الدولي وتقويض جهود الأمم المتحدة في وقت كانت فيه القوات السورية في مدينة حمص تعتدي على المحتجين هناك مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص قبل ساعات فقط من التصويت على قرار الأمم المتحدة، مما اعتبر أحد أكثر الأيام دموية طوال فصل الربيع العربي.
ووفقا لآخر الإحصاءات بعدد ضحايا أحداث العنف في سوريا التي أعلنها المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافي بيلاي في منتصف ديسمبر، فإن أكثر من 5000 شخص قد لقوا حتفهم جراء أعمال العنف في سوريا، وأنهم منذ ذلك الحين لم يتمكنوا من تحديث هذا الرقم "بسبب الأوضاع المظطربة على الأرض".
وأيضا أعلن صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) مؤخرا، أن ما لا يقل عن 384 طفلا في سوريا قد قتلوا خلال انتفاضة الأشهر العشرة، في حين تم اعتقال نحو 380 طفلاً لم يبلغ غالبيتهم سن الرابعة عشرة.
إن هذه الإحصاءات والأرقام المروعة ينبغي أن تدفع كلا من روسيا والصين كي يفكروا مليا في مدى تأثير قرارهم باستخدام حق النقض "الفيتو" على المئات من أرواح الأبرياء الذين قتلوا والآلاف المؤلفة من أولئك الذين ما زالوا يعانون من آثار الصدمات النفسية جراء أعمال العنف البشعة التي اجتاحت البلاد.
إن دعم روسيا والصين المستمر للنظام السوري وخصوصا أنهما على دراية تامة وكاملة بأعمال العنف المستمرة التي ترتكب - ليس فقط ضد المدنيين، ولكن أيضا ضد الأطفال الأبرياء - في الواقع يجعل منهما شركاء في هذه الجريمة ضد الإنسانية. وكما قال السفير البريطاني مارك ليال غرانت، "أولئك الذين أعاقوا مشروع قرار مجلس الأمن يجب أن يسألوا أنفسهم: كم هي أعداد الوفيات القادمة التي سيكونون على استعداد لتحملها؟".
إن روسيا والصين باستخدامهما لحق النقض "الفيتو" فإنهما تصبان الزيت على النار وتدفعان بسوريا أكثر فأكثر إلى شفا حرب أهلية بدلا من توفير حل سلمي للأزمة. ويبدو أيضا من خلال موقفهما الأخير أن قرارهما يشير بوضوح إلى أنهما معنيتان فقط بعلاقتهما مع نظام الرئيس الأسد وليس مع الشعب السوري، وخصوصا أنهما قد ضحيا بسمعتيهما في المجتمع الدولي من أجله.
وينبغي لكل من روسيا والصين أن تتذكرا جيداً أن سوريا ليست الدولة الوحيدة التي تربطها مصالح اقتصادية أو سياسية معهما، فيبدو أنهما نسيا أو تناسيا أن لديهما أيضا علاقات قائمة مع دول أخرى لا تستطيع أن تتغاضى وتغض الطرف عن خطئهما الفادح باستخدام حق النقض "الفيتو".
فعلى سبيل المثال، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الداعمة لمشروع قرار الأمم المتحدة الذي يتبنى خطة جامعة الدول العربية لديهم الكثير من العلاقات التجارية مع روسيا والصين. ووفقا للتقارير، فإن حجم التجارة الثنائية بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين قد نما بنسبة عشرة أضعاف ليصل إلى مائة مليار دولار في العقد الماضي. كذلك قام رئيس مجلس الدولة بجمهورية الصين ون جيا باو بجولة خليجية شملت المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر الشهر الماضي، ووقعت خلال الزيارة العديد من اتفاقات التعاون التجاري والثقافي بالإضافة إلى التعاون في مجال البنية التحتية مع هذه الدول الخليجية الثلاث.
ومن ناحية أخرى، ففي حين أن حجم التبادل التجاري بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي لم يمثل سوى ملياري دولار في عام 2008 قامت بعض شركات دول مجلس التعاون الخليجي بعدد من الاستثمارات في قطاعي الطاقة والتعدين الروسيين. وفي نوفمبر من العام الماضي عقد الاجتماع الوزاري الأول للحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي في أبو ظبي، حيث دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى تحقيق أعلى مستوى في العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي، حتى أنه قال: "إن روسيا يمكن أن تساهم في تحقيق رغبة دول مجلس التعاون الخليجي في تنويع العلاقات التجارية وفتح أبواب جديدة للاستثمار في قطاعي النفط والغاز وكذلك في مجال الطاقة النووية."
ومع ذلك، فإن موقف روسيا والصين الأخير خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي يمكن أن يخلق انتكاسة وتراجعا عن الاتفاقات الاقتصادية المختلفة التي تمت في السابق بين روسيا والصين من جانب، ودول مجلس التعاون الخليجي من جانب آخر.
إذا قمنا بتسليط المزيد من الضوء على الأوضاع الحالية فسيتضح جليا أن قرار استخدام حق النقض "الفيتو" من قِبل روسيا والصين تم اتخاذه لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وليس لأسباب إنسانية، وأنهما استخدمتا الوضع الحالي في سوريا فقط من أجل مصالحهما الذاتية دون أدنى اعتبار للجوانب الإنسانية في المسألة.
وهناك نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها وهي أن سوريا أضحت هي الحليف الوحيد المتبقي لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، لذلك قال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية (كاست) في روسيا، روسلان بوخوف، لوكالة اسوشيتد برس، أنه " ليس هناك معنى لأن تتخلى روسيا عن دعمها للأسد، فهو الحليف الأخير المتبقي في الشرق الأوسط لروسيا، والذي سيتيح لها فرصة المحافظة على بعض النفوذ في المنطقة ". هذا بالإضافة إلى أن سوريا تعتبر أيضا المشتري الرئيس لصادرات الأسلحة الروسية، ووفقا للتقارير، فلقد طلبت سوريا في الثاني والعشرين من يناير الماضي شراء 36 طائرة مقاتلة من طراز ياك - 130 بقيمة 550 مليون دولار حسبما جاء في صحيفة "كومرسانت" الروسية. كما تحتفظ روسيا بقاعدة بحرية في ميناء طرطوس السوري.
أما بالنسبة للصين فوفقا لبيانات إحصائية صادرة عن المفوضية الأوروبية أتت سوريا كثالث أكبر مستورد للمنتجات الصينية للعام 2010, كما تعتبر شركة البترول الوطنية الصينية أيضا ثالث ثلاثة شركاء في مشروع شركة نفط الفرات - وهي المجموعة الرئيسية المنتجة للنفط في سوريا - مع كل من الشركة الوطنية السورية للنفط وشركة رويال داتش شل، كما تساعد الصين أيضا سوريا في تشييد بعض مشاريع البناء.
إنه لمن العار أن تبحث كل من روسيا والصين عن مصالحهما بدلا من اهتمامهما بالإنسانية التي يتم نحرها بصورة يومية تقريبا. إن قرارهما الأخير بتعطيل مشروع قرار الأمم المتحدة يشير إلى أنهما - روسيا والصين - مستعدتان للتضحية بعلاقتهما مع كل حلفائهما الآخرين وأصدقائهما من أجل رجل واحد.
خالد عبد الرحيم السيد khalid@pen.com.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026