رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل شيءٍ في سوريا الثورة يحتاج اليوم إلى مراجعات، كل المواقف والأفكار والممارسات والمشاريع وأساليب التخطيط والإدارة والعمل تحتاج إلى مراجعة.
فرغم قصص العطاء والتضحية الكثيرة والمذهلة بشكل يبعث على الأمل، ورغم الكمون الهائل الموجود لدى شرائح الشعب السوري مما لا يعلم حقيقته إلا المتابع القريب، ومع كل اليقين المبني على استقراء سنن الاجتماع البشري وقوانينه بحتمية انتصار الثورة.
مع كل ما سبق، لا يمكن التهرب من حقيقة وصول الثورة إلى حال من الفوضى العارمة على كل المستويات، بحيث افتقدت المبادرة إلى درجة كبيرة، وأصبح مسارُها العام سلسلةً من ردود الأفعال السياسية والعسكرية والإعلامية والإغاثية.
ثمة شبهاتٌ أساسية لابد من تحرير القول فيها حين تُعرض هذه القضية.
فالمراجعات بمعناها العلمي المطلوب ليست مسؤولية جماهير المواطنين من أهل الثورة الذين بذلوا، ولا يزالون، ما يستطيعون لدعمها واستمرارها، كلٌ في مجاله وحسب قدرته. والفوضى التي نتحدث عنها ليست مسؤوليتهم على الإطلاق. بل الأمر على العكس من ذلك تماماً، فإذا كان ثمة إنجازات وتَقدُمٌ للثورة، وهي موجودةٌ وكثيرة، فإنها ناتجةٌ قبل كل شيء عن العبقرية الجَمعية للسوريين من جميع الشرائح. فهذه العبقرية هي التي أطلقت الثورة ابتداءً، وهي التي فجرت مواقف وإبداعات جعلتها ظاهرةً فريدة من ظواهر التاريخ والحياة بشكلٍ عام.
ثم إن ما يُسمى عُرفاً بـ (النُخب) السياسية والعسكرية التحقت بعد ذلك بمسيرة الثورة، وصار لها بِحُكم طبائع الأمور في زمننا التأثيرُ الأكبر في مسار الثورة ومصيرها.
من هنا تحديداً، نتحدث عن مسؤولية هذه (النخب) التي تصدت لـ (إدارة الثورة) بلسان الحال وبلسان المقال، وعن ضرورة مسارعتها بعملية المراجعات، لاستعادة روح المبادرة وروح الإبداع وروح التنظيم التي ميزت بدايات الثورة، وكانت الشاهد على العبقرية الجمعية التي نتحدث عنها.
هناك فرصةٌ هنا أيضاً لاستعادة المعنى الحقيقي لكلمة (مسؤول)، من الآن، في حياتنا السياسية وفكرنا السياسي، تمهيداً لترسيخها في ثقافة سوريا الجديدة ونظامها. فدلالة (المسؤول) تعني أنه (يُسأل) عن عمله، وعن أدائه لواجبه من الناس في الدنيا، قبل أن يُسأل عنها في الآخرة. فـ(مسؤول) لا تعني أن يشعر صاحبها أنه أصبح زعيماً يجب أن يُطاع ويُبجّل، ولا يُسأل عما يفعل. وإنما تُلخص صفة المسؤول بوضوحٍ ودون كثير تنظير مقولة الفاروق عمر: "لو عثَرت بغلةٌ في العراق لخشيتُ أن يسألني الله لماذا لم تُمهّد لها الطريق يا عمر".
أما الشبهة الثانية فتتمثل في أن مثل هذه المراجعات تشغل الناس عن المهمة الأساسية المتمثلة في مقاومة النظام. ورغم إمكانية حدوث هذا إذا كانت النياتُ سيئةً، أو طريقة التفكير في المراجعات وتنفيذها تقليدية وفوضوية. إلا أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً إذا أردنا التفكير بطريقة علمية. فضلاً عن أن ممارسات وتجارب الأمم والدول عبر التاريخ تُثبت تلك الحقيقة عملياً.
فالنظام يعتاشُ عملياً، وبشكل تدريجي متصاعد، على أخطاء الأطراف السياسية والعسكرية، ربما بنفس الدرجة أو أكثر من جهوده الذاتية والمساعدات التي تأتيه من الخارج. ويصدق في هذا ما كان ينقله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله من الأمثال والحِكَم العربية حين كان يُكرر: "إن البُغاثَ بأرضِنا يِستنسر" و"استأسدَ الحمَلُ لما استنوق الجملُ".
لا مفر هنا من التركيز قبل كل شيء على العناصر الرئيسية المتعلقة بالموضوع في ثقافتنا الأصيلة. فقد تكررت في صدر الإسلام المواقف التي يُصوﱢبُ فيها الوحي الرسول الكريم رغم مقامه المعروف، كما هو الحال مثلاً في قصة عبدالله بن أم مكتوم وغيرها، وجاء هذا التصويب وقتَ حدوث الأخطاء دون أي تأخير. ورغم احتمال استغلال (الآخر) لمثل هذا الموقف لإثارة البلبلة والتشويش بين الناس المُستهدفين بالدعوة، بقيت القاعدةُ تؤكد أن الاستمرار في الخطأ أخطرُ بكثير من أي ملابساتٍ أخرى يمكن التعامل معها بحكمة. وقد وعى الرسولُ نفسه هذا الدرس فعبرَ عنه في كثيرٍ من الوقائع لنَقلِ الدرس إلى أصحابه والناس أجمعين بشكلٍ عملي.
فقد وردت في الصحيح من السيرة النبوية الرواية التالية: "كان سواد بن عزيّة يوم غزوة أحد واقفاً في وسط الجيش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجيش: استووا، استقيموا. فينظر النبي فيرى سوادا لم ينضبط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استو يا سواد، فقال سواد: نعم يا رسول الله ووقف ولكنه لم ينضبط، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بسواكه ونغز سوادا في بطنه قال: استو يا سواد، فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق فأقِدني فكشف النبي عن بطنه وقال: اقتص يا سواد. فانكب سواد على بطن النبي يقبلها. يقول هذا ما أردت، يا رسول الله أظن أن هذا اليوم يوم شهادة فأحببت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك".
يغلبُ أن تُروى هذه الرواية في الثقافة التقليدية السائدة بطريقةٍ مُبتذلة كدليلٍ على طلب البركة، في حين أن معانيها الأصيلة، التي تتجاوز الغاية الشخصية لفرد، أكبرُ بكثير من ذلك، وتدخل في باب تحقيق المصالح العامة الكبرى. فنحن أمام نبيٍ قائد يقوم بنفسه بقيادة معركته مع جنوده، وهو قائدٌ يدرك تماماً معنى تسوية الصفوف (بدلالاتها الميدانية والنفسية في المعارك) فيقوم بذلك بنفسه. وهذا القائد لا يتسرع حتى في استخدام الحد الأدنى الرمزي من ممارسة التأديب، فيطلب من الجندي الاستواء أكثر من مرة، لكنه يلجأ لذلك التأديب الرمزي أخيراً. فيحصل ما حصل من الجندي، ويُسرع القائد لتنفيذ حكم قَصاص الجندي منه في خضم التحضير للمعركة، ودون أي تأخير، لأنه يعلم المُستتبعات العملية والمعنوية والنفسية، ليس فقط على ذلك الفرد، وإنما على الجيش بأسره، ويُدرك تأثيرها الحساس في المعركة.
ولنا فقط أن نتخيل ملابسات مثل هذا الموقف بين جنديٍ وقائد في واقعنا المعاصر إن كان هناك مجالٌ أصلاً لتخيله.
ثمة توازناتٌ ينبغي ويمكن أخذُها بعين الاعتبار طبعاً، لكن المرفوض هو تغييب آليات المراجعة والشفافية الحقيقية، والتعتيم على الأخطاء في هذه المرحلة بدعاوي (الظروف الحرجة) و(حساسية الموقف) و(وحدة الصف الوطني) وما إليها من الشعارات التي كثيراً ما تكون كلمات حقٍ يُرادُ بها باطل.
ويأتي سؤالٌ هنا: لمن يوجه النقد وعلى من تجب المراجعة؟ يُوجه طبعاً للأطراف المؤثرة ويجب عليها بطبيعة الحال. من هنا مثلاً، جاءت بعض مقالاتنا السابقة تحاول فتح ملف المراجعات، وتنتقد أداء أطراف مؤثرة مثل الائتلاف، والإخوان، والمثقفين العلمانيين السلبيين، وأصحاب الفكر التقليدي الإسلامي، وأهل الغلو والتطرف. لم يكن هذا على سبيل التخوين والمناكفة السياسية التي لا تجدي في شيء لا تنفع سوريا وثورتها، ولا من باب (تصفية الحسابات الشخصية) كما اتهمنا البعض، ولا شيئاً من ذلك كله.
كل ما يتعلق بالثورة السورية إذاً يحتاج إلى مراجعة. ولكن كيف تكون؟ ومن يقوم بها؟ وما هي ملابساتها المختلفة؟ هذه أسئلة تحتاج إلى مزيدٍ من العرض والحوار.
جرائم لا تسقط بالتقادم!
لا خلاف بأن الكثير من العوامل الأُسرية والوراثية والنفسية والمجتمعية والحياتية والدراسية تُؤثر في تكوين شخصية الإنسان، الذي... اقرأ المزيد
111
| 30 أبريل 2026
معركة صناعة السرديات
لم يعد الحدث في ذاته هو ما يشكّل الوعي العام، بل الطريقة التي يُعاد بها تقديمه وتداوله. ففي... اقرأ المزيد
72
| 30 أبريل 2026
لماذا نمنح الغرباء مفاتيح بيوتنا؟
تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم علامة واضحة للصراع المحتدم بين الموروث القيمي للمجتمع والتحولات التكنولوجية... اقرأ المزيد
54
| 30 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3720
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1131
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
759
| 27 أبريل 2026