رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الأيام القليلة الماضية عقدت ثلاثة مؤتمرات للنظر في شأن ما سموه الأزمة السورية مع أنها انتقلت حقيقة من أزمة إلى قضية ومأساة بكل المقاييس وأن ما يصب على الشعب المجاهد المصابر من جنود وشبيحة جهنم بات غير مبرر أبدا إنسانيا وشرعيا وقانونيا وأن ضمير المجتمع الدولي قد سقط سقوطا مريعا في امتحان الشعب السوري الذي كشف الأقنعة المزيفة لنظريات التقدم المبهر وعرى مبادئ حقوق الإنسان من مضامينها وأبان بأنها مجرد لافتات تقتل بشعاراتها كل مظلوم وتطيل أمد حل أي مشكلة وقضية بل تزيد في تفاقمها وما مثال فلسطين وكشمير وغيرهما عنا ببعيد، ورغم انعقاد الكثير والكثير من المؤتمرات لمعالجة المسألة السورية وثورة الشعب المباركة فإن النتائج التي يتوخى الوصول إليها لم تتحقق ولو في حدها الأدنى لصالح هذا الشعب المظلوم الذي ضحى ويضحي بكل غال ونفيس طلبا للحرية والكرامة، وأن كل ما اتخذ من توصيات وقرارات من قبل الجامعة العربية ومجلس الأمن والأمم المتحدة ومجموعة أصدقاء شعب سورية كان ذراً للرماد في العيون، ولم يكن فيه أي إلزام لعصابة الأسد الفاشية بالتنفيذ ومتابعة فعل ذلك وإلا! ولهذا لم نجد أي التزام من قبل اللانظام السوري بالاستجابة لتلك المطالب حتى بنود المبعوث الدولي كوفي عنان بنقاطها الست بل لم يتحقق حتى الأمر الأول منها وهو إيقاف العنف المسلح ضد الشعب والمدنيين حتى بلغ حصاد القمع منذ إطلاق مبادرة عنان حوالي ستة آلاف قتيل على ما أعلنه المرصد السوري لحقوق الإنسان في اتصال مديره رامي عبدالرحمن مع فرانس برس، وهكذا رأينا ونرى كيف أعطت هذه المؤتمرات بشكل مباشر أو لا مباشر بتخاذل أو تهاون أو تآمر ديكتاتور دمشق الأطغى مهلا وفرصا متكررة للمزيد من القتل وارتكاب أشنع الفظائع ثم مازالت المؤتمرات تترى فجاءنا مؤتمر جنيف الرسمي القانوني الذي ضم الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن كمحطة تدريب أخرى على حساب دماء الشعب المصابر بين معسكرين في حلبة الصراع للتعبير عن ذات كل منهما ففي حين نرى أن المعسكر الغربي وعلى رأسه أمريكا يبيعوننا كلاما معسولا وأفعالا لم تؤثر على طغاة دمشق كالعقوبات التي فرضت وتفرض ويسيرون حسب نظام الصفقات والمصالح ويقفون مع الشعب السوري على مبدأ التمني لا التبني بوقائع تفرض على الأرض من محاسبة الجلاد والموافقة على نبض الشارع بإقامة مناطق آمنة وحظر جوي والمد بالمال والسلاح كما فعلوا مع دول أخرى، فإننا نجد في الطرف المقابل روسيا والصين ومعهما إيران وذيولها تستقوي بمجازر العصابة الأسدية وتراهن على بقائها، وبالتالي الحفاظ على مصالحها مراعية أكثر المراعاة وبعناية – كما هو الموقف الغربي في الباطن – أمن إسرائيل التي لا ترغب حقيقة في زوال نظام لم يقاتلها أبدا بل حقق لها عوامل التوسع في المستوطنات وجعل استقرارها من استقراره واللوبي الصهيوني خاصة في روسيا لا يفتأ يعمل للدفع في هذا الاتجاه كما هو في أمريكا تماما، ولا أبالغ إذا قلت: إن إسرائيل لو رفعت الغطاء حقا عن دمشق لتغيرت المعادلة لكنها تخشى من أي بديل عن الأسد إسلاميا كان أو علمانيا أو مستقلا.
ولا شك أن مؤتمر جنيف بما جاء به من أفكار ليس لها أي ضمانات قد قفز على دماء الشعب وساوم عليها، فإن الطرح الذي اقترح الشروع في مرحلة انتقالية تملك الصلاحيات التنفيذية كاملة مع إغفال من يتابعها ويضمن تحقيق ذلك إذ في ظل وجود طغمة من نظام وحشي بأجهزته الأمنية السبعة عشر وجنرالات الجيش الخونة الذين يسلطون آلة القمع على الجماهير وعدم معرفة بقاء بشار الأسد على رأس هذه الإدارة الانتقالية أولا! كيف سيتم تطبيق وسلامة هذه الخطة؟
إذ أنه بينما أكد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أن النص الذي اتفقت عليه الدول الأعضاء في مجلس الأمن حول عملية التحول السياسي يلمح إلى ضرورة تنحي الأسد، أصر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على أن البيان الختامي لا يشترط تخلي الأسد، ثم هاجم مؤتمر أصدقاء سورية الذي دعا إلى التنحي الحتمي للأسد أن مؤتمر جنيف حرف النص عن منطوقه ومفهومه وسياقه، أقول: طبعا لأن روسيا شريكة النظام في القتل وغير محايدة فكيف توافق على رحيل الطاغية ولديها بقية من أمل في بقائه؟ ثم إنها تؤازره بما في ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة متغافلاً تأثير هذه الحرب اللاقانونية ضد الشعب على السلم والأمن الإقليمي والدولي.
كما نسي لافروف أنه أقر بعظمة لسانه ولأول مرة في مؤتمر جنيف بكل صراحة: إننا لا نبرئ أعمال النظام السوري إنه يتحمل المسؤولية عن الوضع الأمني في البلاد وقد تأخر بإجراء الإصلاحات، فهذا هو النفاق بعينه وكذلك فإن إيران التي لم تدع إلى المؤتمر قالت على لسان نائب وزير خارجيتها حسين أمير إن اجتماع جنيف لم يكن ناجحا نظرا لغياب الحكومة السورية وغيابها مشاركا الموقف الروسي والصيني ومعبرا عن عدم حيادية إيران بل وقوفها مع الأسد فقط لأنه "علوي" ضد الشعب السني المظلوم وهكذا كان مؤتمر جنيف غامضا وغير مرض ولا كاف كما رأى وزير الخارجية الألماني جويدو فيستر فيليه وقال وزير الدولة السابق في وزارة الخارجية الألمانية جيرنوت ايرلر الذي يشغل اليوم ناطق كتلة الديمقراطيين الاشتراكيين إن الشعب السوري الذي انتفض منذ خمسة عشر شهرا لم يؤخذ رأيه بعين الاعتبار واستهزأت صحيفة برلينر تسايتونغ بكوفي عنان الذي دعا مع نبيل العربي لهذا المؤتمر قائلة: إن عنان متمسك بأهداب الأسد وكأن صلة قرابة تجمعهما دون عمل جدي لمعاناة السوريين من العنف كما أنه يجب ألا ننسى هذا الحل الرقيع بحكومة من الموالاة والمعارضة بعد كل هذه الشلالات من الدماء، وهل سيرضى الشعب لو ترك لحريته دون قمع حتى لو جرى استفتاء بالموافقة على استمرار هذه العصابة القاتلة؟
أما عن مؤتمر القاهرة الذي ضم المعارضة السورية بكثير من الممثلين عن الداخل والخارج وشخصيات أجنبية مرافقة فإننا نعتبر أن هذا المؤتمر الذي تم تأجيله عدة مرات ليرتب بعناية لإفشاله وإحكام المؤامرة بحسن نية من البعض وبسوئها من آخرين قد جاء أيضا في معظمه ضد تطلعات الشعب وكان مؤذيا ومحرجا ودالا على ضعف المسؤولية الذريع أن تخرج خلافات بعض أطياف المعارضة إلى العلن حتى تصل إلى حد التشابك بالأيدي وتدخل الأمن المصري لفض ذلك علما أننا لا نشك أن ثمة قسما مخلصا ووطنيا كبيرا ولكن مثل هؤلاء كأنه لا يراد لهم أن يكونوا في المشهد بخلاف المتاجرين والمتسلقين وبعض العملاء المنافقين للطغاة ومع ذلك فقد خرج المؤتمر ببيان توافقي بإيجابيات مقبولة نوعا ما يجب أن نعمل على تطويرها وتطويق الذين يضعون العصاة في العجلة والنصح بضرورة مواكبة نبض الشعب العربي والمسلم في سورية والذي خرج بجميع المظاهرات الاحتجاجية بشعارات إسلامية ووطنية ولا طائفية فأن لا تنص في الوثيقة حتى على أي أمر ديني ذي بال بل ينفي مباشرة على مبدأ فصل الدين عن الدولة فأين الانسجام مع الثوار الذين يتخذهم أرباب المصالح لهم قمصانا دون صدق وحق، وكذلك إعطاء الحق لمجلس الأمن والأمم المتحدة بالإشراف على تحديد مستقبل البلاد وغير ذلك مما بات معروفا بوثيقة العهد التي نتمنى مع ذلك أن يطبق معظمها ففيه فوائد بلا شك فالمهم العمل وليس الكلام فقط، أما عن مؤتمر أصدقاء سورية في باريس فمع كثرة الدول المشاركة فيه والتي أربت على المائة والخروج بإجماع على رحيل الأسد وهذا شيء إيجابي جدا ولكن المهم العمل الملزم على تنفيذه، وكما قال المعارض رياض سيف: إننا فخورون بصداقتكم لكن كيف لنا كل هؤلاء الأصدقاء ونقتل كل يوم؟ وجميل ما قاله وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم: لا نريد اجتماعات دون نتيجة ونستطيع العمل أكثر خارج مجلس الأمن أي تحت الفصل السابع إلا أنه للأسف ما خرج به المؤتمر هو المطابق للمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة حيث يكتفي فيه بالعقوبات دون استخدام القوة فهل يمكن الانتقال إلى المادة 42 التي تجيز استخدامها للضرورة ولحماية الشعب الذبيح أم تكون المؤتمرات والمواثيق فرصة لذبحنا أكثر ولكن لعل الجواب عند الشعب والشعب فقط.
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
492
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
604
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
411
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
642
| 12 أكتوبر 2026