رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

102

مها الغيث

العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 1-2

23 يناير 2026 , 01:26ص

من خلال هذه السيرة التي يقطع فيها صاحبها مسيرة حياته بين ثلاثة عوالم متغايرة الثقافة، عربية وعبرية وأنجلوسكسونية، لا يجد القارئ من بد في أن يتعارك عقله المؤيد حق أصحاب الأرض، وقلبه الذي يتعاطف مع أقوام تم عدهم ضمن شعب كان بلا أرض فاحتل أرضاً زعم أنها بلا شعب! يكتب آڤي شلايم، المؤرخ البريطاني- الإسرائيلي، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد، مذكراته (Three Worlds: Memoir of an Arab-Jew) كـ (يهودي-عربي)، تنّقل بين ثلاثة عوالم: (بغداد) مسقط رأسه، حيث وُلد عام 1945 لأبوين عراقيين يهوديين، (رمات جان) مدينة إسرائيلية، حيث انتقل مرغماً وعائلته حين كان في الخامسة من عمره، (لندن)، حيث هاجر طواعية وتعلم وتزوج واستقر.. وقد أهدى مذكراته إلى النساء اللائي رافقنه في رحلته!

بين هذه العوالم الثلاث، يقسم (آڤي أو آبي أو أڤراهام أو إبراهيم) سيرته إلى محطات، والتي قد تصاحبها ميزة استشعار ما كان من حاله وحال أهله وقومه ومآلهم جميعاً، بكلماته المباشرة، وهي تعكس بوجه أكبر ملامحه التي تماهت مع طبيعة كل مرحلة بتناقضاتها وتحولاتها وتحدياتها، تقطعها مجموعة صور من ألبوم العائلة، وتظهر كما يلي: (اليهود العرب، اختراع العراق، الجذور العراقية، قصة سعيدة، الصلة البريطانية، بغدادي، قنبلة بغداد، وداع بغداد، أرض الميعاد، تائه، لندن، الصحوات).

تدور أحداث هذه المذكرات المركّبة في تعقيدات مشاعر أصحابها وظروفهم، خلال فترة حرجة من تاريخ الشعب اليهودي، حيث أعقبت جرائم الإبادة الجماعية النازية ضد يهود أوروبا في أربعينيات القرن الماضي، تهجير اليهود إلى أرض الميعاد في فلسطين ونشأة دولة إسرائيل، التي صاحبها بطبيعة الحال نشأة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتدخّل الجيوش العربية لتحرير الأرض المحتلة عن طريق الكفاح المسلح تحت دعاوى شرعية وشعارات قومية، الوضع المتأزم الذي تفاقم بشكل مطرد في العراق تحديداً إثر انتشار الدعاية النازية فيه وتنامي روح الكراهية ضد المواطنين اليهود، وأباح اضطهادهم على هيئة ملاحقات ومضايقات ومصادرة للأموال وللأعمال وللممتلكات مارستها الحكومة العراقية، فضلاً عن السماح لهم بالهجرة شرط التنازل عن هويتهم العراقية وعن حق العودة، إضافة إلى عدد من الاضطرابات التي تم إلحاقها بالمنظمات الصهيونية السرية، وصلت إلى حد افتعال أحداث عنف وتخريب وتفجير في أماكن تجمّع اليهود، كمذبحة بغداد الشهيرة (الفرهود) التي وقعت عام 1941 إبان الثورة ضد الهيمنة البريطانية، وتورط فيها من اشتبه بهم من الجانبين، الإسرائيلي والعربي- الإسلامي، ما دفع اليهود إلى النزوح الجماعي من العراق ومن الدول العربية الأخرى نحو دولة إسرائيل الوليدة، التي تطلّعت بدورها، من أجل تأسيس قوميتها، إلى استقطاب المزيد من اليهود، ومن ثم تفاقم التوترات بين رعايا طرفي الصراع: (الاستقلال الإسرائيلي) و(النكبة الفلسطينية)، بشكل مأساوي!

يبث المؤرخ من خلال سيرته الكثير من اللمحات التي تعكس حياة والديه وعائلته وأجداده من قبل في وطنه العراق، التي لم تكن لتختلف عن طابع الحياة العام لكافة العراقيين آنذاك! فعلى الرغم من بعض الاضطرابات لا سيما السياسية التي عاصروها، إلا أن حياتهم في الأعم كانت تنعم بالسلام بل وبالرفاهية ورغد العيش، بل إن جدته كانت تطلق على بغداد (جنة الله)، وقد كانوا يرتبطون بعلاقات اجتماعية وثيقة مع أصدقائهم المسلمين، وهو ذاته التعايش السلمي الذي جمع بين عرب ويهود المنطقة العربية كافة آنذاك وزال بقيام دولة إسرائيل عام 1948، ما اضطر عائلة المؤرخ مع الكثير من العوائل اليهودية مغادرة أوطانهم واللجوء إلى دولة إسرائيل الجديدة، إما بصورة قانونية أو غير قانونية، كمصير محتَم، وهي الدولة التي لم يكن الوضع فيها أقل مأساوية وقد تعرضت طليعة النازحين فيها لتمييز يفرّق بين (الأشكناز) اليهود الغربيين المنحدرين من أصول جرمانية، و(السفارديم) اليهود الشرقيين الذين تفرّقوا في الشمال الأفريقي والآسيوي، كأساس لفصل عنصري لا يزال قائماً حتى اليوم!  

لذا، لا يتحرّج المؤرخ من اعتبار عائلته نموذج ضحية للحركة الصهيونية، وهو يصر على دحض مزاعم العداء التاريخي بين العرب واليهود المبرر بالضرورة لحتمية الصراع بينهما، حيث يقطع من جانبه بتاريخية التعايش السلمي بين الطرفين، لا سيما قبل الحرب العالمية الثانية، وهو التعايش المشترك الذي حلّه الصراع المدفوع في رأيه، بأيديولوجيات قومية، صهيونية وعربية، وهو من جانب آخر يشكك في رواية (معاداة السامية) التي يزعم مروجوها بتورط جميع الأنظمة العربية عبر التاريخ في ممارستها ضد اليهود، في حين يؤكد المؤرخ بأنها - والحال في بغداد - ليست سوى استيراد أجنبي أكثر منها منتج محلي، خلافاً لما كانت عليه أوروبا فعلياً آنذاك من سياسات معادية للسامية، ساهمت بشكل كبير في تشكيل الحركة الصهيونية.

مساحة إعلانية