رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الواضح، مرةً أخرى، أن ثمة فكراً خطيراً يُحاصرُ الإسلام بشكلٍ سرطاني، وهو قبل ذلك وبعدهُ يُحاصرُ العربَ والمسلمين بدرجةٍ غير مسبوقة.
نعرف مثلاً أن مئات الملايين من المسلمين في العالم، وفي طليعتهم أبناء المنطقة العربية، يُجمعون على ضرورة القضاء على تنظيم (داعش)، وينظرون إلى الأمر على أنه من الأولويات والبدهيات التي لا نقاش فيها.
ونعرف أنهم وصلوا إلى تلك النتيجة بناءً على حسابات فِطرية للمصالح العامة، ديناً وعقلاً واجتماعاً بشرياً.
نعرفُ أيضاً أن آلاف التحليلات والدراسات والمقالات والآراء في دنيا العرب، حتى بين أطراف تختلف في حُكمها تجاه قضايا أخرى، تتفقُ على الخطر الإستراتيجي الوجودي الذي تُشكله (داعش) على شعوب المنطقة ودولها وثقافتها وهويتها وتاريخها.
لكن هذا كلهُ لا يبدو كافياً في نظر ذلك الفكر وأصحابه، لا يأبه هؤلاء بكل المعطيات المذكورة أعلاه، ولا يقيمون لها أي وزن. أما البديل الوحيد والأوحد لديهم، فيتمثل في كلمة واحدة: (فتوى) تتعلق بهذا الموضوع.
لهذا تحديداً، تُصبح (الفتوى)، التي أصدرها المجلس الإسلامي السوري منذ أيام بعنوان (فتوى حول حكم التنسيق مع الحكومة التركية للقضاء على داعش)، ظاهرة تستحق التحليل من عدة وجوه.
من الواضح، بدايةً، أن المجلس وصلَ إلى النتيجة المذكورة أعلاه، وأنه أصدر الفتوى من واقع معايشته لملابسات الموضوع على الصعيدين النظري والعملي.
وفي اعتقادنا أن السؤال المذكور في مطلع الوثيقة، والذي جاءت الفتوى كإجابةٍ مباشرة له، مجردُ نموذج على أسئلة ووقائع وأحداث عايشها المجلس خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد بدء الحملة العسكرية التركية على (داعش).
هذا في حد ذاته مدعاة للتقدير، لأن المجلس يحاول أن يتعامل هنا أيضاً، كما هو حالُ جهات أخرى، مع (إكراهات) الواقع بِلُغة هذا الواقع ومفرداته التي يفهمها.. ويحاول أن يستخدم أدواته لتحقيق المصلحة العامة. ويمكن القول، من باب الواقعية: إن صدور مثل هذه الفتوى في مثل هذا الوقت ضروري للتعامل مع ظاهرة (داعش) وصولاً إلى النتيجة المطلوبة التي تتلخص في آخر عنوانها: (القضاء عليها).
لكن هذا لا يتضارب مع طرح جملة ملاحظات نقدية يقتضيها المقام.
فنحن نعود، مع هذه الفتوى، إلى تلك الإشكاليات التي تحملُها هذه الآلية حين تُستخدم بطريقتها التقليدية المُعتمدة، منذ مئات السنين، وبشكلٍ يختلطُ فيه تحقيقُ المصلحة المذكورة أعلاه بترسيخ ما نراه (مفاسد) تؤثر سلباً، ليس فقط في حياتنا الثقافية وطرق تفكيرنا وحياتنا، بل وفي فهم المسلمين لإسلامهم.
تتجلى في هذه الفتوى صدقية التحليل الذي طرحناه وقت إنشاء المجلس، وذكرنا فيه أن "المسألة الحساسة التي يجب الانتباه إليها هنا تتمثل في ذلك الارتباط الدقيق الذي أصبح سائداً بين الفتوى الشرعية وبين القرارات السياسية والاقتصادية والإدارية. فرغم أن المُعلن أو المُتعارف عليه أن المجلس سيختصﱡ بإصدار فتاوى شرعية، غير أن القاصي والداني يدركان أن تلك الفتاوى الشرعية تتعلق في حقيقتها، وبشكلٍ كبير، بالمسائل الكبرى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تشغل الواقع السوري المعاصر.
والمشكلة هنا أن إصدار تلك الفتاوى، وهي تمثل في حقيقتها مواقفَ سياسية وأحكاماً اقتصادية وتوجهات ثقافية، يتطلب وجود دراسات وتحليلات في غاية العمق والتنوع والشمول من جهة الاختصاص".
يبدو هذا واضحاً حين نجدُ كيف اضطرت الفتوى، في غياب الاختصاصات المذكورة أعلاه، وغياب أدواتها ومفاهيمها، إلى ترسيخ مشكلةٍ أخرى في طريقة (استنباط) الرأي الإسلامي، للوصول إلى هدفها بما نرى أنه نوعٌ من (اللف والدوران).
إذ لا يبدو ممكناً للفتوى المذكورة، كما هو شائعٌ في الفكر السائد، أن تستمد قوتها الحقيقية من قدرة أهل العلم المعاصرين على استقراء (النص) الإسلامي، وإنما تستمد الجزءَ الأكبر من القوة و(المصداقية) من (أقوال) السابقين و(استنباطاتهم) و(قراءتهم) الخاصة التاريخية للنص.
وإذ نجدُ في فتوى مهمة كهذه الفتوى، بأسرها، آية قرآنية واحدة، ونجدُ معها بضعة أحاديث، نرى بالمقابل فقرات مطولة من مقولات وآراء ابن القيم وابن تيمية وابن حزم والسرخسي، هي التي تحسمُ الأمر في نهاية المطاف حسبَ منطوق الفتوى.
هل توقفت قدرةُ الإنسان الحقيقية على التلقي من (النص)، بشكلٍ يستخرج مكنوناته المعاصرة ويُعالج مقتضيات الواقع المعين للإنسان، عند مسلمين عاشوا منذ مئات السنين؟ هل هذا حقاً قَدَرُ الإنسانية النهائي مع النص الإسلامي الذي يكرر المسلمون الحديث عن صلاحيته لكل زمان ومكان؟
تبدو الأسئلة صعبةً ومُحرجة، لأن الفتوى تحمل في طياتها إشكاليات أخرى.
فمن ناحية، تُحاول الفتوى الخروج من مأزق (الحَرفية) الذي يستخدمه مَن أفتوا بحرمة التعامل مع الحكومة التركية على أساس أنه "من التولي لأعداء الله الذي يصل حد الكفر"، فكيف تفعل ذلك؟ بشكلٍ مأساويٍ جامعٍ لمعاني هذا الوصف.
فهي حين تحاول الدفاع عن الحكومة التركية في العبارة التالية: "من الجهل والظلم الحكم على هذه الحكومة بالكفر والردة"، تلجأ فوراً إلى تشبيهها بالنجاشي، مع استفاضةٍ ملحوظةٍ في الحديث عنه.
لكن الطامة الكبرى تظهرُ تدريجياً في الفقرات التالية. فَتَحتَ ضغط (الحَرفية) المذكورة أعلاه، وفيما نرى أنه محاولةٌ (داخلية) للانسجام مع ثقافة (الحَرفية) نفسها، ومع طريقة التفكير المُستحكِمة، تنتقل الفتوى لمعالجة: "فرض توقع مفسدة من التدخل التركي"، فيكون ذلك بأن تقول إنه "لن يصل إلى درجة المفسدة التي ترتبت على أقوال وأفعال داعش"..
أكثرَ من هذا، نرى تصاعد الخوف من مخالفة (الحَرفية) في الفهم حين تصل الفتوى إلى أن تقول: "ثم على فرض القول بالمنع والتحريم لهذا التعاون، فإنه يكون جائزاً ومباحاً، بل قد يصل إلى الوجوب، لأن الشعب السوري في أعلى درجات الضرورة".. ولا تتردد في تبرير هذا بمقولة: "التفريق بين الاستعانة والتولي لأعداء الله، فإن مسألة الاستعانة دائرة بين الجائز والمحظور غير المُكفِر".. مستدلةً على ذلك بقول السرخسي: "ولا بأس بأن يستعين أهل العدل بقومٍ من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج"..
هكذا، تتجنب الفتوى قراءة (الواقعة) المعاصرة الحساسة بمنهجيةٍ تستلهم مقاصد النص الإسلامي الأصيل، يقوم بها علماء عاملون، وبرؤيةٍ شموليةٍ تُساهم في رسمها، إلى جانب العلم الشرعي، تخصصاتٌ مختلفة في العلوم الاجتماعية. وبالتالي، تجدُ نفسها مُحاصرةً بالقراءة الحَرفية، التي لا يمكن إطلاقاً للفقه التقليدي تجاهلُها، بل كثيراً ما يأخذُها بعين القبول والاعتبار، فلا يكونُ الحلﱡ، عندها، إلا بالعودة إلى بضاعة التاريخ وأهله.
صحيحٌ أن الفتوى تصل إلى مطلوبها، في نهاية المطاف، عبر ذلك الطريق (الملتوي والمتعرج). لكنها لا تنتبه، بالتأكيد، إلى نَقلِها التدريجي للطرف التركي من حالٍ إلى حال، وصولاً إلى أن يُقاسَ، دون قصد، "بقومٍ من أهل البغي وأهل الذمة" تجوزُ الاستعانة بهم على الخوارج "داعش".
الأبعاد الثقافية للحروب
تُعدّ الثقافة أو نمط الحياة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تُشكّل المجتمع. وتوجد علاقة معقّدة بين الثقافة وخاصةً... اقرأ المزيد
111
| 30 مارس 2026
من يملك الإعمار
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان... اقرأ المزيد
129
| 30 مارس 2026
الإعلام.. حين تختلط الحقيقة بالدعاية
لا تأتي الأزمات اليوم فقط من الحدود، بل تصل أيضًا عبر الشاشات والهواتف، في صيغة خبرٍ سريع أو... اقرأ المزيد
90
| 30 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2454
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1926
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1725
| 24 مارس 2026