رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د. أحمد أويصال

أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
 

مساحة إعلانية

مقالات

300

أ.د. أحمد أويصال

اتفاق مكة من المنظور التركي

09 أغسطس 2026 , 11:07م

وقَّع قادة المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة الماضية، اتفاق مكة للدفاع المشترك، في خطوة استراتيجية تعكس بداية مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي، حيث ينص الاتفاق على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، بما يستوجب التنسيق والتحرك المشترك لمواجهته. ولا تقتصر أهمية الاتفاق على تعزيز التعاون العسكري والأمني وبناء مظلة دفاعية مشتركة بين الدول الثلاث، بل تمتد إلى تبني رؤية أوسع للأمن الإقليمي والدولي، تقوم على تعزيز السلام والاستقرار والتعاون، وتهيئة بيئة أكثر أمناً تساعد على تحقيق التنمية والازدهار وبناء مستقبل أفضل لشعوب المنطقة.

يكتسب هذا الحدث أهمية تاريخية كبيرة، لأن المنطقة التي جرى تفكيكها بموجب اتفاقية سايكس–بيكو عانت طوال المئة عام الماضية من حروب متواصلة، وتدخلات خارجية، واحتلالات، وحالات من الفوضى وعدم الاستقرار، كما أن توقيع الاتفاق في مكة المكرمة قبلة المسلمين، وفي يوم الجمعة، يحمل دلالات ورسائل رمزية واضحة، ورغم أن الاتفاق يعكس روح التضامن الإسلامي، فقد جرى التأكيد في الوقت نفسه على أنه لا يستهدف أي دولة بصورة مباشرة.

يكتسب توقيت التحالف الجديد أهمية خاصة، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين والقلق في الشرق الأوسط والعالم. وقد أظهرت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة أن الضمانات الأمنية الغربية لم تعد كافية، ولا سيما بالنسبة إلى دول الخليج، الأمر الذي أدى إلى قدر من خيبة الأمل تجاه منظومة الحماية التقليدية. ومع ذلك، لا يمثل هذا التحالف بالنسبة إلى تركيا بديلاً عن حلف الناتو أو عن علاقاتها بالغرب، كما أنه لا يشكل بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية بديلاً عن شراكتها مع الولايات المتحدة. فكما تواصل دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا عضويتها والتزاماتها داخل الناتو، وفي الوقت نفسه تنخرط في ترتيبات عسكرية وعمليات أمنية مختلفة وفقاً لمصالحها واحتياجاتها، سبق لتركيا أيضاً أن نفذت خارج إطار الناتو عمليات وتحركات عسكرية في قره باغ وسوريا وليبيا.

ينصّ جوهر الاتفاق على أن تتولى الأطراف الأخرى تقديم دعم مباشر لأي طرف يتعرض لاعتداء، بما يسهم في بناء ردع جماعي بين الدول الثلاث. وفي هذا الإطار، تبرز عناصر قوة متكاملة؛ فتركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وخبرة عملياتية واسعة، فيما تتمتع باكستان بقدرات بشرية كبيرة وقوة نووية، بينما تملك المملكة العربية السعودية موارد مالية ضخمة، وثقلاً نفطياً، ومكانة روحية، وموقعاً استراتيجياً مهماً. وهذه العناصر، مجتمعة، تجعل من الدول الثلاث أطرافاً قادرة على استكمال قدرات بعضها بعضاً. وقد ظهر جانب من هذا التكامل خلال الحرب بين الهند وباكستان في العام الماضي، حين أثار الأداء الدفاعي الباكستاني، المدعوم بالتكنولوجيا العسكرية التركية والتعاون بين البلدين، مفاجأة الهند.

ومن شأن الجمع بين الموارد المالية السعودية والصناعة الدفاعية التركية أن يفتح المجال أمام مشاريع واسعة للإنتاج العسكري المشترك. وبهذه الطريقة، يمكن تطوير خطوط إنتاج مشتركة في كل من تركيا والسعودية، إلى جانب تعزيز التدريب العسكري والتنسيق بين الجانبين، بما قد يسهم، بدعم الخبرة التركية، في تطوير قدرات الجيش السعودي وفق معايير متقدمة قريبة من معايير حلف الناتو. وفي الوقت نفسه، فإن القدرات البشرية الباكستانية وامتلاك باكستان للسلاح النووي من شأنهما أن يعززا بدرجة كبيرة مستوى الردع في مواجهة أي هجوم محتمل يستهدف الدول الثلاث.

ويُعد قطاع الصناعات الدفاعية في حد ذاته مجالاً اقتصادياً واسعاً، ومن شأن التعاون بين الدول الثلاث أن يعزز الاستثمارات المشتركة في مجالات الإنتاج العسكري، ونقل التكنولوجيا، والتدريب الفني والتقني. كما تزداد الأهمية الاستراتيجية لتركيا في ظل المشكلات الأمنية التي تشهدها مضائق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وما يدفع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى إلى البحث عن خطوط أنابيب ومسارات تجارية بديلة. وفي هذا السياق، تستطيع تركيا أن تقدم لدول المنطقة بديلاً آمناً، سواء باعتبارها مورداً أو دولة عبور رئيسية. ومع دخول المنطقة مرحلة جديدة، تستعيد مشاريع النقل التاريخية التي تربط تركيا بشبه الجزيرة العربية، مثل سكة حديد الحجاز، أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية من جديد.

يطرح تحالف مكة نموذجاً إقليمياً جديداً يمكن وصفه بـ «الخيار الثالث» إذ يقوم على السلام والتعاون والتنمية المشتركة، في مقابل النماذج الصدامية والتوسعية التي تمثلها إيران وإسرائيل في المنطقة. ويعكس هذا التحالف توجهاً لدى دوله نحو تعزيز الاعتماد على الذات في قضايا الأمن والاستقرار والتنمية، من دون استبعاد القوى الكبرى أو التخلي عن الشراكات القائمة معها. كما أن الاتفاق لا يقوم على منطق الإقصاء أو المحاور المغلقة، بل يتسم بطابع منفتح وشامل، وقد تحرص تركيا بصورة خاصة على إبقاء باب العضوية مفتوحاً أمام دول أخرى. ومن هذا المنطلق، يُتوقع أن تنضم مستقبلاً دول تتبنى نهجاً قائماً على الحوار والحلول الدبلوماسية وتسعى إلى ترسيخ السلام والاستقرار والتعاون الإقليمي.

مساحة إعلانية