رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشكل التغيير المناخي أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية في القرن الحالي، ويكتفي القول بأن السنوات الخمس عشرة الماضية كانت من أشد السنين حرارة منذ بدء تسجيل الحرارة قبل 130 عاما مضت، كما كان عام 2015 هو العام الأكثر حرارة على الإطلاق، ويؤكد علماء المناخ على أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية يعدان أكبر دولتين تتسببان في زيادة الانبعاث الحراري وثاني اكسيد الكربون في العالم ومن ثم ارتفاع درجات الحرارة بكوكب الأرض، إذ يشكلان بمفردهما أكثر من %40 من الانبعاثات الحرارية للعالم.
لذا تهدف قمة الأمم المتحده للمناخ والمنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس والتي شارك في أعمالها 150 رئيس دولة وحكومة ونحو 20 ألف مشارك من المندوبين والخبراء والإعلاميين وممثلي المجتمع المدني، إلى توقيع اتفاق إطاري للحد من الانبعاثات الكربونية وتكثيف الجهود لتقليل الاحتباس الحراري بكوكب الأرض والذي يهدد حياة ملايين البشر حول العالم من خلال التوصل لرؤية مشتركة لتحقيق تنمية اقتصادية تتميز بانخفاض انبعاثات الكربون لمواجهة تغير المناخ.
هذا وتثير مشكلة تغير المناخ وانبعاث كميات ضخمة من الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي والتي تتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري مخاوف جميع دول العالم المتقدمة والنامية، لذا فإن علماء العالم يبحثون بشكل جدي وحثيث كافة السبل المختلفة التي يمكن أن تحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وخفض درجات الحرارة العالمية بنحو درجتين مؤيتين.... وقد توصل علماء معهد بوتسدام لبحوث آثار المناخ في دراسة اعدوها لصالح البنك الدولى أن ارتفاع درجات حرارة العالم درجتين مئويتين فقط "وهو الأمر الذي يمكن الوصول إليه خلال عشرين عاماً" ستؤدي إلى نقص الموارد الغذائية والمائية على نطاق واسع وحدوث موجات غير مسبوقه من الحرارة وإثارة عواصف أكثر شدة وعنفاً عما نشهده في الوقت الراهن.
وتؤكد بعض الدراسات الأخرى أن تغير المناخ وعدم اتخاذ قرارات جريئة لخفض الانبعاثات الكربونية سوف يؤدى بحلول عام 2050 إلى وفاة أكثر من 150 ألف شخص سنوياً، وتكبيد صناعات العالم خسائر بمليارات الدولارات وبصفة خاصة الصناعات الزراعية والغذائية، كما سينقرض %20 من الأنواع الحية البرية، وأشارت هذه الدراسات إلى أن العواقب المستقبلية ستكون أشد خطورة حيث سيتفاقم عدد الأشخاص المهددين بالموت بحلول عام 2080 وستزيد نسبة الحيوانات البرية المعرضة للانقراض إلى 32% وستتجاوز الخسائر المالية المترتبة على التغير المناخي في ذات العام إجمالي الناتج المحلي العالمي الراهن.
هذا وقد ارتفع معدل غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو والذي يعد أبرز أنواع الغازات المسببة للحرارة من 280 جزءا في المليون عند بداية الثورة الصناعية ليصبح 400 جزء في المليون في عام 2015 وفقاً للعالم البلجيكي "روجية فرانسوا"، والذي حذر فيه من أنه إذا بقي العالم على هذا الحال دول حلول عملية فعالة فسوف نشهد زيادة معدل غاز ثاني أكسيد الكربون إلى ألف جزء في المليون بحلول نهاية هذا القرن، بما ينذر بتسارع ذوبان الجليد في القطب الشمالي ومن ثم زيادة كمية المياه في المحيط الأطلسي الشمالى.
وهو الأمر الذي أكدته أحدث دراسات العالم "جيريمى موجينو" رئيس قسم الجيوفيزياء بجامعة كاليفورنيا والمنشور بمجلة ساينس العلمية الأمريكية من أن قاعدة أحد أكبر الجبال الجيلدية في جرين لاند "القطب الشمالى" بدأت في الذوبان بوتيرة متسارعة منذ عام 2003 ليفقد أكثر من اربعين مليار طن من الجليد بسبب الاحتكاك مع مياة المحيط الدافئة، وأكدت الدراسة على أن ذوبان هذا الجبل بالكامل سوف يؤدي إلى رفع منسوب البحار بنحو نصف متر، وأبدت الدراسة تخوفها من استمرار ارتفاع حرارة الأرض بما يمكن أن يذيب الجبليد بالمناطق الأكثر برودة بالقطب الجنوبى الذي يحتوي على كميات أكبر من الجليد الكفيلة برفع مستوى البحار بأكثر من ثلاثة أمتار في حال ذوبانها خلال القرون المقبلة.
وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة التي يمر بها العالم اليوم، ولضمان نجاح قمة المناخ المنعقدة بباريس فقد قام الرئيس "فرانسوا اولاند" ببذل جهود دبلوماسية شاقة للتوصل إلى إبرام إتفاق ملزم في ختام أعمال القمة، كما أعلن عن تبرع بلاده بمبلغ ستة مليارات يورو خلال السنوات الخمس المقبلة تقدم للدول الفقيرة خاصة الإفريقية منها لمساعدتها على التكيف مع آثار التغير المناخى، كما عقد لقاءً موسعاً مع 1000 رئيس مدينة وبلدية حول العالم لانارة وتشغيل مدنهم بالطاقات المتجدده بحلول عام 2050.
كما قدم أهم 30 رجل أعمال عالميا "بقيادة بل جيتس" مبادرة بالتبرع لإنشاء صندوزق ضخم لا يقل رأسماله عن مائة مليار دولار لتنفيذ العديد من المشروعات في مجال الطاقة النظيفة بالدول الفقيرة... ليتبقى الإجابة على سؤال هام واساسى هل سيدرك ويوقع قادة العالم وفي مقدمتهم الصين والولايات المتحدة الأمريكية على اتفاق ملزم للحد من الانبعاثات الكربونية في أعقاب التوصل بالفعل لصياغة مبدئية على ذلك رغم وجود العديد من الاختلاف في وجهات النظر، أم سيعمل الإنسان كعادته دائما على تدمير نفسه بنفسه؟ هذا ما سوف يجيب عنه قادة العالم وتوصيات القمة في ختام أعمالها بعد غد.
يوم رياضي سعيد
نعلم بأننا نعيش اليوم أجواء مختلفة عما قبلها وما سوف يليها بإذن الله، لأن اليوم الرياضي الذي يصادف... اقرأ المزيد
33
| 10 فبراير 2026
سلم تسلم !
كم من الوقت، ومقدار التجارب المتلاحقة التي يحتاجها المرء ليُدرك أن ألمه الدفين، ومكابدته الخفيّة في سُبل الحياة... اقرأ المزيد
27
| 10 فبراير 2026
جيفري ابستين و"نخبته"!
في هذه الأثناء، وفي كل مرة يُنشر فيها جزء من ملفات المعتدي على الأطفال جيفري ابستين، يقوم الناس... اقرأ المزيد
30
| 10 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
4920
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2148
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
987
| 04 فبراير 2026