رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تُعدّ الثقافة في الجيوبوليتيك العربي عاملاً ثانوياً أو هامشياً، بل تمثل مورداً استراتيجياً أساسياً لفهم تفاعلات المنطقة وتحولاتها. فكثيراً ما تُفسَّر التطورات في العالم العربي من خلال النفط والحدود والحروب والتدخلات الأجنبية فقط. غير أنه ينبغي إدراك أن هذه العوامل والتطورات تمرّ عبر طبقة ثقافية عميقة ويتم تفسيرها من خلالها. لذلك، لا بد من فهم كيف تُشكّل الدين واللغة والذاكرة والهوية والمذهب والروابط القبلية والتاريخ جيوسياسة المنطقة.
يمكن تعريف الثقافة باعتبارها منظومة من المعاني؛ فهي تمنح السلطة السياسية شرعيتها، كما يمكن توظيفها مصدراً للتوتر. وقد تشكّل الشرق الأوسط الحديث بفعل التاريخ الإسلامي، والإرث العثماني، والاستعمار الغربي، والقومية العربية، والصحوة الإسلامية، واستمرار القضية الفلسطينية دون حل. وهذه ليست مجرد قضايا دبلوماسية، بل هي ذاكرات ثقافية تنتقل عبر المدارس والمساجد ووسائل الإعلام والأدب والشعر وتاريخ العائلات. فقد ترسم الحدود على الخريطة ملامح السياسة، لكن الثقافة هي التي تحدد ما إذا كان الناس سيشعرون بالولاء أو المظلومية أو التضامن أو المقاومة.
لعلّ الدين هو القوة الثقافية الأكثر وضوحاً في الجيوبوليتيك العربي. فقد تراجع تأثير القومية العربية، التي انتشرت في مطلع القرن العشرين ثم تعززت بتأثير جمال عبد الناصر، بصورة كبيرة بعد هزيمة عام 1967. أما الدين، فما زال يؤثر في شرعية الأنظمة، وفي تشكيل الجماعة، وفي الخطاب السياسي داخل الدول. وتستخدم الحكومات والأحزاب المفاهيم الدينية بفاعلية من أجل حشد الدعم، وتعزيز السلطة، وبناء تأثير إقليمي ودولي.
تُطرَح الفوارق الدينية في سياقات مثل المقاومة الفلسطينية، والبنية السياسية في لبنان ومصر. كما يظهر العامل المذهبي في مقاربة إيران للعالم العربي، وفي سياسات العراق، ولبنان وسوريا واليمن. غير أن اختزال المنطقة في التنافس المذهبي وحده يُعدّ أمراً مضللاً. فالثقافة يمكن، إذا أُحسن توظيفها، أن تكون عاملاً موحِّداً أيضاً. فاللغة العربية المشتركة، والإرث الإسلامي، وتقاليد التجارة، والروابط القبلية الممتدة عبر الحدود، تخلق شعوراً بالانتماء الإقليمي، وتساعد على التعاون حتى في ظل وجود خلافات بين الحكومات.
تعمل الثقافة أيضاً من خلال القوة الناعمة. فقد أدركت دول الخليج، ولا سيما قطر، أن التأثير في القرن الحادي والعشرين لا يتحقق بالثروة المادية وحدها. فشبكات الإعلام، والمتاحف، والجامعات، وشركات الطيران، والفعاليات الرياضية العالمية، ومهرجانات السينما، ومشاريع التراث، والحملات السياحية أصبحت جزءاً من استراتيجية القوة الناعمة. ومن خلال الاهتمام بالبيئة، والاستثمار في التكنولوجيا، وتقديم المساعدات العالمية، تسعى هذه الدول إلى إقناع العالم بأنها تنتج سياسة مسؤولة وفاعلة.
تستخدم الحكومات العربية الثقافة بصورة استراتيجية أيضاً للتعبير عن هويتها وعن المستقبل الذي تمثله. فبعضها يقدّم نفسه بوصفه حارساً للتقاليد، بينما يقدّم بعضها الآخر نفسه كمركز للحداثة، والتسامح، والاستثمار والابتكار. وتؤثر هذه السرديات في السياح والمستثمرين والحلفاء والعمالة الأجنبية، بل وفي المواطنين المحليين أيضاً. فالدولة التي تستطيع التحكم في صورتها الثقافية تكتسب هامشاً أوسع للمناورة السياسية. وقد أسهم نجاح قطر في تنظيم بطولة كأس العالم السابقة، وربطه بقيم التسامح الإسلامي، في تعزيز صورتها العالمية وفي ترسيخ شعورها الوطني بالفخر والاعتزاز.
تتزايد في العالم العربي أيضاً أهمية الثقافة في الصراع العالمي. فقد أنشأت القوى الكبرى قنوات تلفزيونية وبوابات إلكترونية موجهة إلى الشعوب العربية، كما أن المدارس الأجنبية التي افتُتحت في كثير من الدول العربية كانت منذ زمن طويل عاملاً من عوامل القوة الناعمة. وتدرك هذه القوى أن بناء تصورات الصداقة والعداء، وضمان الاتفاقيات الثنائية والتجارة، وخلق تأثير دائم، يحتاج إلى شرعية ثقافية. ولذلك، يشارك بعض القادة الأجانب أحياناً منشورات باللغة العربية من أجل توجيه رسائل إلى الشعوب العربية.
غير أن الخطر يكمن في التلاعب بالثقافة أو استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية أو لإشعال الصراعات. فعندما تحوّل الجماعاتُ التراثَ الثقافي إلى دعاية، أو الدينَ إلى تنافس مذهبي، أو الهويةَ إلى أداة للإقصاء، تصبح الثقافة سلاحاً، وهذا يمثل مصدراً كبيراً للتوتر في شرق أوسط متعدد الثقافات والأديان. إن الشرق الأوسط يحتاج إلى ثقة ثقافية، وهذه الثقة كامنة في التاريخ الإسلامي. ومن أجل تحقيق السلام والاستقرار في جيوسياسة المنطقة، لا تكفي القوة العسكرية والاقتصادية وحدها، بل يجب أيضاً نقل المعنى والذاكرة والخيال إلى المستقبل، مستلهمين من خبرات الماضي.
بين جودة التدريب وجودة التقييم... أين تكمن الفجوة؟
يشهد قطاع التدريب تطورًا متسارعًا، وأصبحت المؤسسات أكثر حرصًا على إعداد مدربين يمتلكون الكفاءة والقدرة على إحداث أثر... اقرأ المزيد
228
| 07 يوليو 2026
البروتوكول الدبلوماسي لغة الدول في أوقات الأزمات
ليست كل زيارة رسمية تحمل رسالة سياسية جديدة، وليست كل مصافحة تعني توافقاً، كما أن تقديم واجب العزاء... اقرأ المزيد
171
| 07 يوليو 2026
السماحة.. مطلع الاتساع !
لعل من أبهى شيم النضج، وأنبل أمارات الرشاد، أن ترتاد النفس آفاق السماحة عقلاً وشعوراً وسلوكاً، فإذا بالقلب... اقرأ المزيد
150
| 07 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3615
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3552
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1521
| 02 يوليو 2026