رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السرقة كبرت أم صغرت لا اسم لها إلا (سرقة) وهي النقيصة المزمومة التي ما وصمت أحداً إلا ولوثته هو وكل من تبعه او عرفه او انتمى إليه فنحن كمجتمع عربي لا يتسامح عادة مع من مد يده إلى مال غيره عاماً كان أو خاصاً، وكثيراً ما دفع الأبرياء من الأبناء ثمن هذه الوصمة التي تزلزل الأسر وتدمغها بسوء السمعة.
هذا الكلام استدعاه منظره وقد توقفت السيارة في اشارة رابعة العدوية بمدينة نصر قبل ان يهل العام الجديد بايام، كان يتأبط كتيبات صغيرة ويحوم حول العربات يسألها المساعدة، منظر معتاد فى الاشارات ان يسألك متسولون، لكن غير المعتاد ان يتقدم أحدهم ليقول لك (انا كنت حرامي وتبت ساعدني لوجه الله) لم يكن فى نية أي من الجالسين في السيارة مساعدته عندما هل علينا لاعتقادنا أن المتسولين يتاجرون باستعطاف الناس لجمع ثروات سهلة، لكن عندما كرر مؤكداً (ساعدوني انا كنت حرامي وتبت انا عندي 8 عيال) ومد يده بكتيب قال ان فيه حكاية توتبه كان أول المتعاطفين زوجي، ثم تابعناه جميعاً، لم نسأل بعضنا ان كان يستحق أم لا، لم نقل لبعضنا انه كذاب يستعطف باكاذيبه، كلنا وصلنا صدقه ولمس قلوبنا بحالة التطهر من الحرام التي يعلنها دون وجل بوجه باش ومحيا باسم كأنه يتباهي بقهر الشر، والتصدي لسطوة الحرام وزينته التي تجر الأقدام إلى وحل الحرام.
طويلاً وقفنا بالاشارة، ويبدو أنه ارتاح لتعاطفنا ولعيوننا التي تشي نظراتها بتصديقه فراح يسرد علينا جرائمه، وكيف كان لصاً خطيرا يعمل له الف حساب حتى كانت القاضية التي ادخلته السجن، تأملت وجه (الحرامي) الذي يكلمنا بصدق، تأملت عينيه البكايتين بحزن سعيد، ربما كان حزنه لتقصيره فى جنب الله، ربما كان على العمر الذى انفقه فى المعاصي ربما كان الحزن على حزن من سلبهم مالهم فقهرهم وحسرهم، ربما، ربما، ربما، فجأة فتحت الإشارة فقطع عم محمد كلامه ومد يده بـ (c.d) معقباً دي حكايتي اسمعوها علشان تصدقوها.
اطلقت الإشارة المفتوحة سراح السيارات أمامنا، دسست الـ (c.d) في حقيبتي دون اى رغبة في سماعه، بعد ايام وانا افكر فى موضوع مقالتي الجديدة طرأت على زهني حكاية عم محمد اللص التائب، وضعت الاسطوانة على الجهاز وبدأت اسمع، وفوجئت بحوار يجريه المذيعان المتألقان نجوى ابراهيم ومحمود سعد معه، وهو يحكي لهم عن حكاية توبته وكيف انه كان لصاً عاتياً بل من أخطر اللصوص على الاطلاق الذين اقتحموا فنادق، وفلل، ويحكي انه دخل مرة ليسرق فوجد فى الأدراج ذهباً ومبالغ مالية كبيرة، جمعها فى ملاءة سرير ولما هم بالخروج لمح إلى جانب السرير دواء كثيراً وصور اشاعات فترك المسروقات مكانها قائلاً فى نفسه ان صاحبها ربما سيحتاجها لإجراء عملية وما شابه ذلك، ويحكي كيف استنهضت الأحداث انسانيته وهو فى السجن الذي يعتبره معلمه الأول، يقول استيقظت من منام غريب على أذان الفجر ركضت إلى امام مسجد السجن سألته كيف يصلي الناس وماذا يقولون وكانت أولى صلواته التى سجد فيها لله صلاة الظهر، واستيقظ النور بداخله فأعرب عن رغبته في التوبة الكاملة وتسليم كل ما بحوزته من مال حرام، فرتب له لقاء مع وزير الداخلية فرد فى مكتبه عمارة، وسوبر ماركت، ورصيدا كبيرا فى البنك، مؤكداً أن رد المظالم من أهم شروط التوبة النصوح، وسمح له شيخ الأزهر بعد ان علم بحكايته بطباعة أحداث الغي والضلال التى كبلته ثم التوبة التي نقلته من ذل المعصية إلى عز الطاعة كما سمح له ببيع التجربة لتكون عبرة ومصدر رزق يستعين به، ولا ينسى عم محمد صاحب الروح التائبة كل من ساعدوه، يقول ان أول من ساعده بالقرش الحلال الفاضلة نجوى ابراهيم كما ساعدته بالتعاون مع الأوقاف على أداء فريضة الحج ويختتم بدروس وعبر أجملها "عمر الجنيه ما اشترى كرامة بني ادم" "ومن يتقى الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، انا ضميري مرتاح والحمدلله اننى لم اتب ضعفاً بل تبت وانا فى عز قوتي استطيع أن اسرق الكثير، كنت اظن ان السرقة بطولة ورجوله، اعترف اننى سرقت تحت دافع الحاجة، والغفلة عن ذكر الله، وضعف الايمان.
لقد ايقظ الحرامي التائب في نفسه خواطر كثيرة تمس كل الذين اخطأوا ثم تابوا فلم يجدوا حضناً يحتويهم واذكر مستمعاً قال على الهواء تبت ولكن المجتمع يطالبني بشهادة حسن سير وسلوك، من أين اتي بها؟ فكرت في كرب الذين ترفضهم مجتمعاتنا لوقوعهم فى خطأ السرقة دون نية للصفح، بل وأحياناً المعايرة، الأمّر من السجن، أفكر في الصحابي الجليل الذي عطل حد السرقة في عام المجاعة، وأفكر فى الذين يسرقون لسد حاجة أفواه جائعة على طول خريطتنا العربية، مسؤولية من؟ وافكر في الذين لا يسرقون ولكنهم يلجأون إلى طريقة اشنع من السرقة فيشنقون انفسهم بملاءة سرير كما طالعتنا الصحف منذ اسابيع.
واذا قلنا ان البعض يسرق معذوراً لضيق ذات اليد (ولا عذر فى سرقة) فماذا نقول فى الذين يسرقون ومعهم ما يكفيهم ويفيض؟ وماذا نقول في الذين يمدون اياديهم للاستحواذ على المال العام والخاص متى توافرت الفرصة؟ ماذا نقول فى الذين خانوا من ائتمنهم ففحش ثراؤهم من بلع المال العام، ومابالنا لا نفتح صحيفة بعالمنا الوسيع إلا ونجد صوراً زاعقة للفساد والمفسدين الذين استحلوا بمناصبهم مال غيرهم، والانكى ان يتم ذلك بفواتير، وايصالات، ومناقصات، وتواقيع، وموافقات، وأوراق رسمية كلها تبدو سليمة، بينما امتلأت جيوب السارقين بما شفطوه عياناً بياناً بجرأة يحسدون عليها، وقد يظل الشفط مستمراً حتى يتوب تائب كعم محمد أو يبلغ أمين عن الانتهاكات الفادحة، أو يجرى تحقيق شفاف يكشف به الذين يخافون الله (هوايل مستخبية) ودائما المخفي أعظم.
أعان الله المصلحين ومتتبعي الفساد والشرفاء من المسؤولين على صون اسمائهم نظيفة من العطب في قلب فساد يستشرى على طول خريطة العالم العربي ويكاد يمسهم وهم منه براء، ووهب الله كل من استحوذ عليه شيطان المال الحرام توبة كتوبة عم محمد الذي لا أدارى اعجابي الشديد به.
من يحاسب الرادار؟
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في الأصل، لم تُخلق المتابعة لتكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة... اقرأ المزيد
882
| 31 مارس 2026
اليمن غير مؤهل للحرب
أخيرا وقع ما اعتقدنا أنه سوف يحصل عاجلا أم آجلا وتدخلت اليمن في الحرب الإسرائيلية الإيرانية رغم عدم... اقرأ المزيد
183
| 31 مارس 2026
جغرافيا على حافة الاختناق الرقمي
لحظات التوتر الكبرى لا تغيّر العالم بقدر ما تكشفه، تتراجع مشاهد القوة التقليدية، ليظهر ما هو أعمق: بنية... اقرأ المزيد
150
| 31 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
3765
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2472
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1944
| 24 مارس 2026