رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في الأصل، لم تُخلق المتابعة لتكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لضبط الإيقاع وتحسين الأداء، لكن ما يحدث أحيانًا هو العكس؛ تتحول المتابعة إلى غاية قائمة بذاتها، تُقاس فيها الجهود بعدد الملاحظات لا بجودة النتائج، ويُختزل الدور المؤسسي في الرصد بدل التوجيه. هنا، تبدأ المؤسسات بفقدان بوصلتها دون أن تشعر.
المركزية المفرطة.. حين يُسحب القرار من الميدان
المركزية ليست خللًا دائمًا، لكنها تتحول إلى عبء حين تُفرغ الميدان من صلاحياته، حين يصبح كل قرار حتى - أبسط التفاصيل - مرهونًا بمستوى إداري أعلى، فإننا لا نحافظ على الجودة، بل نُعطلها، الميدان ليس مجرد منفذ، بل هو مساحة للفهم والتقدير واتخاذ القرار في لحظته، سحب القرار من الميدان يعني تأخير الفعل، وإضعاف الثقة، وتحويل الموظف من فاعل إلى ناقل.
موظفون بلا صلاحية.. ومسؤوليات بلا تمكين
من التناقضات الصامتة في بعض البيئات المؤسسية، أن يُطلب من الموظف أن يتابع كل شيء، لكنه لا يملك حق الحسم، تُوضع أمامه المهام، وتُحمل عليه المسؤوليات، لكن حين يصل إلى نقطة القرار، يُطلب منه العودة خطوة للخلف: (تواصلوا مع المدير).
بهذا النمط، لا نصنع كوادر، بل نصنع حلقات وسيطة، لا نُنمّي القرار، بل نؤجّله.
بين التعميم والتطبيق.. وعود لا تعبر إلى الواقع
ليست المشكلة في إصدار التعاميم، بل في غياب أثرها، تُطرح وعود، وتُعلن توجهات، وتُكتب سياسات، لكن حين يُختبر الواقع، لا يجد لها انعكاسًا حقيقيًا.
الفجوة هنا ليست إدارية فقط، بل ثقة، لأن التكرار دون تنفيذ، يُفقد الكلمة وزنها، ويجعل المؤسسة تبدو وكأنها تتحدث أكثر مما تفعل.
عقلية الأمس في مواجهة إنسان اليوم
نحن لا نتعامل اليوم مع إنسان تقليدي، نحن أمام إنسان مرّ بتجارب متسارعة، من حصار دولة وجائحة COVID-19، إلى أزمات إقليمية، إلى تحولات رقمية متسارعة.
هذا الإنسان لم يعد أحادي المهارة، ولا يتقبل بيئة أحادية التخصص، لقد أصبح أكثر وعيًا، أكثر مرونة، وأكثر قدرة على الربط بين المجالات.
فكيف نطالبه بأن يعمل داخل أنظمة لا تزال تُفكر بعقلية ما قبل هذه التحولات؟
شراكات تُعلَن.. وتُجهَض بصمت
في ظاهر المشهد، تبدو الشراكات خيارًا مرحبًا به، بل مطلبًا مؤسسيًا يعكس الانفتاح والتكامل، تُطلب المبادرات، وتُفتح الأبواب، وتُرفع الشعارات التي تؤكد أهمية التعاون مع الجهات الأكاديمية والمهنية، لكن في العمق لا تسير كل الشراكات إلى وجهة.
تُبنى الجسور في العلن، ثم تتعرض للتآكل في الخفاء، تبدأ الخطوات الأولى بثقة، ويتشكل الأمل في نموذج تكاملي يعزز الأثر، لكن سرعان ما تظهر تساؤلات جانبية، لا تمس جوهر الشراكة بقدر ما تمس شكلها: من وضع الشعار؟ من ظهر في الصورة؟ ومن نُسب إليه الإنجاز؟
وهنا تتحول الشراكة من مشروع تكامل إلى مساحة حساسة تُدار بحذر مفرط،
ليس لأن الفكرة غير قابلة للتطبيق، بل لأن ثقافة الشراكة نفسها لم تترسخ بعد.
الشراكة الحقيقية لا تُقاس بحضور الشعار، بل بعمق الأثر.
ولا تُبنى على من يظهر في الواجهة، بل على ما يتحقق في الميدان.
أما حين تُختزل الشراكة في تفاصيل شكلية، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى تجربة غير مكتملة تبدأ بإعلان وتنتهي بصمت.
أنظمة لا تشبه المرحلة وسياسات خارج الزمن
المشكلة ليست في وجود أنظمة، بل في جمودها، حين لا تتطور السياسات بما يتماشى مع الواقع، تتحول من أدوات تنظيم إلى عوائق.
المؤسسات التي لا تُحدّث أدواتها، تجد نفسها تُدير واقعًا جديدًا بأدوات قديمة، وهنا تبدأ الفجوة في الاتساع.
حين يصبح الرصد بديلاً عن القرار
أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي منظومة، هو أن تستبدل القرار بالمراقبة، أن ترى كل شيء، دون أن تفعل شيئًا.
الرصد مهم، لكنه لا يكفي. المتابعة ضرورية، لكنها لا تُغني عن الحسم، لأن الإدارة في جوهرها ليست قدرة على الملاحظة، بل شجاعة في اتخاذ القرار.
من يحاسب الرادار إذا غاب صاحب القرار؟
السؤال هنا ليس عن الخطأ، بل عن المسؤولية حين تتحول الإدارة إلى رادار يرصد كل شيء، فمن يتحمل مسؤولية الفعل؟ ومن يعيد التوازن بين المتابعة والقرار؟
لأن المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على المراقبة بل بقدرتها على اتخاذ القرار في الوقت الصحيح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3717
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1125
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
750
| 27 أبريل 2026