رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

1449

الدكتورة حصة حامد المرواني

من يحاسب الرادار؟

31 مارس 2026 , 02:29ص

حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في الأصل، لم تُخلق المتابعة لتكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لضبط الإيقاع وتحسين الأداء، لكن ما يحدث أحيانًا هو العكس؛ تتحول المتابعة إلى غاية قائمة بذاتها، تُقاس فيها الجهود بعدد الملاحظات لا بجودة النتائج، ويُختزل الدور المؤسسي في الرصد بدل التوجيه. هنا، تبدأ المؤسسات بفقدان بوصلتها دون أن تشعر.

المركزية المفرطة.. حين يُسحب القرار من الميدان

المركزية ليست خللًا دائمًا، لكنها تتحول إلى عبء حين تُفرغ الميدان من صلاحياته، حين يصبح كل قرار حتى - أبسط التفاصيل - مرهونًا بمستوى إداري أعلى، فإننا لا نحافظ على الجودة، بل نُعطلها، الميدان ليس مجرد منفذ، بل هو مساحة للفهم والتقدير واتخاذ القرار في لحظته، سحب القرار من الميدان يعني تأخير الفعل، وإضعاف الثقة، وتحويل الموظف من فاعل إلى ناقل.

موظفون بلا صلاحية.. ومسؤوليات بلا تمكين

من التناقضات الصامتة في بعض البيئات المؤسسية، أن يُطلب من الموظف أن يتابع كل شيء، لكنه لا يملك حق الحسم، تُوضع أمامه المهام، وتُحمل عليه المسؤوليات، لكن حين يصل إلى نقطة القرار، يُطلب منه العودة خطوة للخلف: (تواصلوا مع المدير).

بهذا النمط، لا نصنع كوادر، بل نصنع حلقات وسيطة، لا نُنمّي القرار، بل نؤجّله.

بين التعميم والتطبيق.. وعود لا تعبر إلى الواقع

ليست المشكلة في إصدار التعاميم، بل في غياب أثرها، تُطرح وعود، وتُعلن توجهات، وتُكتب سياسات، لكن حين يُختبر الواقع، لا يجد لها انعكاسًا حقيقيًا.

الفجوة هنا ليست إدارية فقط، بل ثقة، لأن التكرار دون تنفيذ، يُفقد الكلمة وزنها، ويجعل المؤسسة تبدو وكأنها تتحدث أكثر مما تفعل.

عقلية الأمس في مواجهة إنسان اليوم

نحن لا نتعامل اليوم مع إنسان تقليدي، نحن أمام إنسان مرّ بتجارب متسارعة، من حصار دولة وجائحة COVID-19، إلى أزمات إقليمية، إلى تحولات رقمية متسارعة.

هذا الإنسان لم يعد أحادي المهارة، ولا يتقبل بيئة أحادية التخصص، لقد أصبح أكثر وعيًا، أكثر مرونة، وأكثر قدرة على الربط بين المجالات.

فكيف نطالبه بأن يعمل داخل أنظمة لا تزال تُفكر بعقلية ما قبل هذه التحولات؟

شراكات تُعلَن.. وتُجهَض بصمت

في ظاهر المشهد، تبدو الشراكات خيارًا مرحبًا به، بل مطلبًا مؤسسيًا يعكس الانفتاح والتكامل، تُطلب المبادرات، وتُفتح الأبواب، وتُرفع الشعارات التي تؤكد أهمية التعاون مع الجهات الأكاديمية والمهنية، لكن في العمق لا تسير كل الشراكات إلى وجهة.

تُبنى الجسور في العلن، ثم تتعرض للتآكل في الخفاء، تبدأ الخطوات الأولى بثقة، ويتشكل الأمل في نموذج تكاملي يعزز الأثر، لكن سرعان ما تظهر تساؤلات جانبية، لا تمس جوهر الشراكة بقدر ما تمس شكلها: من وضع الشعار؟ من ظهر في الصورة؟ ومن نُسب إليه الإنجاز؟

وهنا تتحول الشراكة من مشروع تكامل إلى مساحة حساسة تُدار بحذر مفرط،

ليس لأن الفكرة غير قابلة للتطبيق، بل لأن ثقافة الشراكة نفسها لم تترسخ بعد.

الشراكة الحقيقية لا تُقاس بحضور الشعار، بل بعمق الأثر.

ولا تُبنى على من يظهر في الواجهة، بل على ما يتحقق في الميدان.

أما حين تُختزل الشراكة في تفاصيل شكلية، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى تجربة غير مكتملة تبدأ بإعلان وتنتهي بصمت.

أنظمة لا تشبه المرحلة وسياسات خارج الزمن

المشكلة ليست في وجود أنظمة، بل في جمودها، حين لا تتطور السياسات بما يتماشى مع الواقع، تتحول من أدوات تنظيم إلى عوائق.

المؤسسات التي لا تُحدّث أدواتها، تجد نفسها تُدير واقعًا جديدًا بأدوات قديمة، وهنا تبدأ الفجوة في الاتساع.

حين يصبح الرصد بديلاً عن القرار

أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي منظومة، هو أن تستبدل القرار بالمراقبة، أن ترى كل شيء، دون أن تفعل شيئًا.

الرصد مهم، لكنه لا يكفي. المتابعة ضرورية، لكنها لا تُغني عن الحسم، لأن الإدارة في جوهرها ليست قدرة على الملاحظة، بل شجاعة في اتخاذ القرار.

من يحاسب الرادار إذا غاب صاحب القرار؟

السؤال هنا ليس عن الخطأ، بل عن المسؤولية حين تتحول الإدارة إلى رادار يرصد كل شيء، فمن يتحمل مسؤولية الفعل؟ ومن يعيد التوازن بين المتابعة والقرار؟

لأن المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على المراقبة بل بقدرتها على اتخاذ القرار في الوقت الصحيح.

مساحة إعلانية