رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

351

د. خالد وليد محمود

جغرافيا على حافة الاختناق الرقمي

31 مارس 2026 , 02:28ص

لحظات التوتر الكبرى لا تغيّر العالم بقدر ما تكشفه، تتراجع مشاهد القوة التقليدية، ليظهر ما هو أعمق: بنية خفية، طبقة صامتة يقوم عليها النظام العالمي، حيث لا تُقاس القوة بعدد الأسلحة، بل بقدرة الدول على إبقاء العالم متصلاً… أو دفعه نحو الانقطاع.

هذه الطبقة الصامتة—الكابلات التي تنقل الإنترنت—ليست مجرد قنوات لمرور المعلومات، بل منظومة إشارات تدير الأسواق، وتنسّق سلاسل الإمداد، وتشغّل الخوادم التي تقوم عليها الحياة الرقمية بكاملها. إنها البنية التي تجعل العالم يعمل دون أن يفكر في كيفية عمله. وحين تهتز—ولو للحظة—لا يبقى الاضطراب محليًا، بل يتحول إلى خلل في الإيقاع العالمي ذاته.من هذا المنظور، لا يبدو ما يجري حول مضيق هرمز مجرد توتر جيوسياسي تقليدي، بل لحظة كاشفة لطبيعة صراع يتغير. القضية لم تعد تتعلق فقط بتدفق النفط، بل بتدفق ما هو أكثر تجريدًا وتأثيرًا: البيانات. وإذا كان النفط قد شكّل عصب الاقتصاد في القرن الماضي، فإن الكابلات التي تمر في الأعماق تحمل اليوم ما هو أخطر: منطق التشغيل الذي يقوم عليه العالم.هنا يتبدّل معنى الجغرافيا. فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق عبور، بل نقاط ارتكاز في شبكة رقمية عالمية، تتقاطع عندها مصالح الدول، وتُختبر فيها حدود القوة، ويُعاد عبرها تعريف النفوذ. وفي هذه المساحات غير المرئية، يتشكل صراع مختلف: صراع لا يُعلن دائمًا، لكنه يحدد—بهدوء—كيف يعمل العالم… ومن يملك القدرة على تعطيله.

في مياه مضيق هرمز، لا تمرّ ناقلات النفط وحدها، بل تمرّ أيضًا كابلات تحمل تفاصيل الحياة الرقمية بكاملها. هذه الكابلات، التي تدير الاتصالات والأسواق المالية والخدمات السحابية، ليست مجرد بنية تحتية، بل نظام تشغيل غير مرئي للاقتصاد العالمي. ولا يمر عبر المضيق كابل أو اثنان، بل حزمة من الأنظمة الحيوية مثل AAE-1 وFALCON وGBI وTGN-Gulf، تشكّل معاً شبكة مترابطة تربط الخليج بأوروبا وآسيا. هذه المنظومة، الممتدة عبر نقاط إنزال في عُمان والإمارات وقطر والبحرين والسعودية، تعمل كشبكة عالية الاعتماد المتبادل، لا كمسارات منفصلة. غير أن خطورتها لا تكمن فقط في أهميتها، بل في تموضعها الجغرافي؛ إذ تمرّ معظم هذه الكابلات ضمن نطاق ضيق داخل المضيق، ما يجعلها عرضة لتأثير متزامن في حال أي حادث أو تصعيد. وفي بيئة كهذه، لا يصبح السؤال هل يمكن تعويضها، بل كم من الوقت يحتاج العالم ليشعر بغيابها.

هذا المشهد لا يمكن فصله عن تحولات أوسع في جغرافيا البيانات. فالممرات التي كانت تُقاس أهميتها بحجم النفط والتجارة، باتت تُقاس اليوم بكمية البيانات التي تعبرها. ومن هنا، يصبح مضيق هرمز والبحر الأحمر جزءًا من خريطة واحدة، حيث تتقاطع مسارات الطاقة مع مسارات المعلومات، وتتحول نقاط العبور إلى مفاصل حساسة في بنية النظام الدولي.

لسنوات طويلة، شكّل المسار الممتد عبر البحر الأحمر وقناة السويس أحد أهم شرايين الربط بين آسيا وأوروبا، ما منح مصر موقعًا مركزيًا في تدفقات البيانات العالمية. غير أن تصاعد المخاطر—في البحر الأحمر والخليج معًا—كشف أن الاعتماد المكثف على ممرات محدودة لم يعد خيارًا آمنًا. فالعطل الذي يبدو محليًا، أو التهديد الذي يبدو ظرفيًا، يمكن أن يمتد فورًا إلى شبكات مالية ومنصات رقمية عابرة للقارات.

في هذا السياق، تأخذ مشاريع الكابلات الجديدة معنى يتجاوز بعدها التقني. فالربط السعودي–المصري، ومشروع “Coral Bridge” الأردني، يعكسان توجهاً نحو إعادة توزيع المخاطر وبناء قدر من “السيادة الشبكية”. لم يعد الهدف زيادة السعة فحسب، بل تقليل احتمالات الاختناق، وتوسيع هامش المناورة في بيئة أصبحت فيها الكابلات أهدافًا محتملة، لا مجرد أدوات.

ومع ذلك، تبقى المفارقة قائمة: العالم الذي يبدو متحررًا بفضل الفضاء الرقمي، لا يزال محكومًا بجغرافيا دقيقة وحساسة. البدائل—مثل الإنترنت الفضائي—لا تستطيع تعويض الكابلات من حيث السعة أو الكلفة، والمسارات البديلة تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة. ما يعني أن أي اضطراب في نقاط مثل هرمز أو البحر الأحمر لا يُمتص بسهولة، بل يُعاد توزيعه كضغط ممتد عبر النظام العالمي.

هنا يتغير معنى القوة. لم يعد النفوذ مرتبطًا فقط بالسيطرة على الموارد أو الممرات، بل بالقدرة على حماية تدفق البيانات… أو تعطيله. فالدولة التي تملك موقعًا على خريطة الكابلات لا تمتلك بنية تحتية فحسب، بل تمتلك القدرة على التأثير في إيقاع العالم الرقمي ذاته.

مع تصاعد التوتر في الممرات البحرية، قد يكتشف العالم أن استقراره لا يعتمد فقط على تدفق النفط، بل على استمرارية البيانات. وفي لحظة يتحول فيها الانقطاع من احتمال تقني إلى أداة ضغط، ستغدو الكابلات خطوط مواجهة صامتة، تُدار فيها الصراعات دون ضجيج، لكن بنتائج تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة معًا.الخلاصة هل نحن على أعتاب لحظة تتحول فيها “شرايين” العالم الرقمية إلى ساحة مواجهة مباشرة، أسرع وأشد قسوة مما كنا نعتقد؟ لننتظر ونرى.

اقرأ المزيد

alsharq أسرار تضامن العالم مع قطر

لعل بعض المراقبين للشؤون السياسية يتساءلون عن أسرار التضامن الدولي الواسع مع دولة قطر والذي يستمر بدون انقطاع... اقرأ المزيد

204

| 03 أبريل 2026

alsharq رسالة إلى قلبك

كثيرة هي اللحظات التي تجعلك حزيناً، وقد تكون سعيت الى تحقيق ذلك الأمر بكل ما أوتيت من قوة،... اقرأ المزيد

135

| 03 أبريل 2026

alsharq الفن وقت الأزمات.. التوازن النفسي للطلبة

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتصاعد فيه الأزمات الإقليمية تغدو الفنون البصرية داخل حصة الفنون أداةً تربويةً وعلاجيةً... اقرأ المزيد

150

| 03 أبريل 2026

مساحة إعلانية