رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الزواج من أهم النظم الاجتماعية باعتبار أنه نظام اجتماعي يترتب عليه كثير من النظم الاجتماعية الأخرى مثل النظام العائلي والقرابي، كما تعد الرابطة الأسرية (الزواج) هي الأساس الأول الذي تتكون بموجبه الأسرة إلى جانب ما يترتب عليه من آثار اجتماعية مختلفة تتمثل في إنجاب الأطفال وتنشئتهم التنشئة الاجتماعية على أسس سليمة، والزواج هو الوسيلة المثلى لبناء مجتمع قوي مستقر.
وقد بدأت ظاهرة تأخر سن الزواج في التنامي مع بدايات القرن الحادي والعشرين مما سبب مشكلة تعاني منها المجتمعات العربية والمجتمع المصري بوجه خاص، فكشفت دراسة رسمية أعدها الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء أن هناك نسبة متزايدة لغير المتزوجين بين الشباب المصري تصل إلى 37% فتشير الدراسة إلى وجود 9 ملايين عانس وأعزب فوق سن الخامسة والثلاثين من بينهم 3 ملايين و773 ألفا و631 فتاة عانس لم تتزوج برغم بلوغهن سن الزواج ومعهم 6 ملايين و246 ألفا و237 رجلا أعزب.
وكشفت دراسة أعدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر عام 2009 عن توزيع السكان طبقاً للحالة الزواجية والنوع بمحافظات الجمهورية (18 سنة فأكثر للذكور، 16 سنة فأكثر للإناث) أن عدد الذكور غير المتزوجين (767.144) وبلغ عدد الإناث (5722114) بجملة 13392258.
قد تسببت ظاهرة العنوسة في العديد من المشاكل الاجتماعية والنفسية، فقد أشارت دراسة لبعض التربويين إلى أن شعور الفتاة العانس بفقدان الطرف الآخر يؤدي إلى تشوه صورة الرجل لديها والإحساس بصورته السالبة ووجود عدوان موجه إلى السلطة الذكرية باعتبارها أحد أشكال التناقض والأزمات التي تمر بها الفتاة العانس.
وقد أكدت دراسة أخرى عام 1992م أن الاغتراب الذاتي والقلق العصابي له علاقة بتأخر سن الزواج لدى الإناث وأن أهم أسباب تأخر سن الزواج لدى الإناث العاملات هو الخوف من تحمل المسؤولية ونقص المعلومات أو الخبرات الجنسية بالمقارنة بغيرها.
إن التحلل الخلقي للفتاة تأثر بالتكنولوجيا المتطورة والتيارات الثقافية التي غزت الوطن العربي أثرت بشكل كبير على شبابنا "خاصة الفتيات". ففي مصر اعترف تنظيم عبدة الشيطان بأنهم استعانوا بشبكة الإنترنت في طقوسهم واتصالاتهم.
والزواج سنة من سنن الله في الأرض.. لذا خلق الله الكائنات كلها من زوجية ذكر وأنثى وعلى رأس هذه المخلوقات الإنسان فخلق الله آدم أولاً ثم أخرج منه زوجه حواء ثم بعد ذلك جعل الله منهما رجالاً كثيراً ونساء
والغرض من الزواج ليس إشباع الحاجة الجنسية فقط ولكن الله شرع الزواج لتحقيق مآرب أخرى مثل الحفاظ على الجنس البشري والمحافظة على الأنساب والأعراق والاستقرار النفسي والأمن والطمأنينة بين الزوجين وتكوين الأسرة على أسس سليمة وقوية لتنشئة الأبناء تنشئة سليمة.
فالزواج يقي المجتمع من التحلل الخلقي ويؤمن الفرد من الانهيار الاجتماعي فإن غريزة الميل إلى الجنس الآخر حين تشبع بالزواج المشروع والاتصال الحلال تحمي الأمة والمجتمع من الكثير من الأمراض وتجعله يتحلي بأفضل الآداب وأجل القيم وتصبح جديرة بأداء الرسالة وحمل المسؤولية على الوجه الذي يريده الله منها.
وتتعدد الأسباب الكامنة وراء تأخر سن الزواج وتختلف من بلد إلى آخر؛ فمنها ما هو عائد إلى أسباب اقتصادية كأزمة السكن والبطالة، ومنها ما هو مرتبط بالعادات والتقاليد، حيث المغالاة في المهور، وانغلاق الطبقات في مسألة الزواج على نفسها.. ومنها ما هو عائد إلى عدم الرغبة في الزواج بسبب انتشار الفساد الأخلاقي والتحلل السلوكي الذي تبثه الفضائيات، وما يترتب عليه من قضاء الوطر في الحرام دون حاجه لتحمل أعباء الزواج مادياً ونفسياً واجتماعياً! وكلها أسباب تصب الزيت في النهاية على نار الأزمة المشتعلة.
على أن دراسات عدة توصلت إلى أن أهم الأسباب الحقيقية وراء تفشى ظاهرة العنوسة في المجتمعات العربية تعود إلى غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج وكذلك أزمة السكن وارتفاع أسعاره وانتشار البطالة وارتفاع الأسعار.
والمؤكد أن كثيرا من الفتيات يعانين من مشكلة العنوسة بدرجات متفاوتة، وأصبحت قضية تأخر سن الزواج من القضايا التي تأخذ حيزا من تفكير معظم الفئات سواء من أولياء الأمور أو من الشباب والفتيات وذلك نتيجة الارتفاع المتزايد في حده هذه الظاهرة.
وقد اهتمت الشريعة الإسلامية بالزواج باعتباره الدعامة الأساسية التي يقوم عليها بناء الأسرة، ولم تتركه للناس يقيمون قواعده وأصوله ويضعون نظمه وأحكامه، واعتبر الإسلام الزواج واجباً اجتماعياً من وجهة نظر المجتمع وراحة بال وسكناً من وجهة نظر الفرد وسبل مودة ورحمة بين الرجال والنساء.
والمؤكد أن الشريعة الإسلامية حاربت الرهبانية لكونها تتصادم مع فطرة الإنسان وتتعارض مع ميوله وغرائزه، فلقد شرع الله الزواج لتنظيم حياة البشر وحفظ الجنس البشري والمحافظة على الأنساب والأعراض، وكذلك لإشعار كل من الرجل والمرأة بالمودة والاستقرار والطمأنينة.
فعن سهيل بن سعد أن النبي (قال لرجل "تزوج ولو بخاتم من حديد" وفي لفظ آخر "التمس ولو خاتماً من حديد" (رواه البخاري) تتجلى في هذا الحديث قيمة كبرى من قيم الإسلام هي" التيسير" ورفع الحرج عن الأمة فالأمر النبوي الكريم بالتماس أقل المهر –ولو كان خاتمًا من حديد- هو مثال على حرس الإسلام على تيسير الأمور. وهذا الحديث يسمى أحيانا حديث (الواهبة نفسها) وقصتها أن امرأة عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم ليتزوجها فلما ظهر لصاحبته رضوان الله عليهم أنه عليه السلام غير راغب في الزواج، تقدم له أحدهم ولم يكن يملك مهرًا. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم (هل معك من القرآن من شيء) فقال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال اذهب فقد أنكحتكها بما معك (أي بما تحفظ) من القرآن. وفي سند عن أبي داود عن أبي هريرة (تفسير ذلك بعشرين آية وعند غيره بسورة البقرة.
وروي أبو نعيم في "حلية الأولياء" قال "خطب أبو طلحة لأم سليم قبل أن يسلم فقالت: أما إني فيك لراغبة وما مثلك يرد. ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة لا يحل لي أن أتزوجك فقال: ما دهاك يا رميصاء؟ قالت: وماذا دهاني؟ قال: أين أنت من الصفراء والبيضاء (يريد أنه غنى عنده ذهب وفضة) قالت: لا أريد صفراء ولا بيضاء فأنت امرؤ تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً أما تستحي وأنت تعبد خشبة من الأرض؟ أن أنت أسلمت فذلك مهري ولا أريد من الصداق غيره، قال ومن لي بالإسلام يا رميصاء؟ قالت: لك بذلك رسول الله (فاذهب إليه، فانطلق أبو طلحة يريد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان جالساً مع أصحابه فلما رآه مقبلاً قال لصحابته (جاءكم أبو طلحة وغرة الإسلام بين عينيه) ثم جلس أبو طلحة وأسلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه سلم، وأخبره بخبر الرميصاء فزوجه إياها على ما شرطت عليه من مجرد الإسلام.
كل ما سبق صريح الدلالة على جواز التزويج بحفظ القرآن أو بعضه، أو أيسر المهر ممثلاً في خاتم ولو من حديد.
الأب.. ظِلٌّ لا يميل
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد
195
| 31 يوليو 2026
أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد
192
| 31 يوليو 2026
حصص التربية الرياضية بالأندية
الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد
126
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
8475
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1602
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1311
| 30 يوليو 2026