رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مشاريع عملاقة وإنجازات رائدة في التعليم والصحة والتنمية والابتكار
مؤسسة قطر منظومة تعليمية بجودة عالمية ومنصة للابتكار والإبداع
شجرة السدرة تعكس رؤية مؤسسة قطر في العطاء والهوية الوطنية
مؤسسة قطر استثمرت بإطلاق قدرات الإنسان لبناء المستقبل
صاحبا السمو رؤيتهما تحويل مؤسسة قطر إلى منارة تلبي تطلعات الشباب العربي
مؤسسة قطر عاصمة الحضارة والعلم لكل العرب وحاضنة العلماء والمبتكرين
واكبنا بكثير من الإعجاب مشاريع مؤسسة قطر التي توالت خلال 30 عاما
هنيئا لأجيال الغد قادة المستقبل الذين تخرجوا من مؤسسة قطر
لا يمكن اختزال مؤسسة قطر بسطور وكلمات؛ فهذه المؤسسة منارة معرفة يسطع نورها في الشرق والغرب، ظلالها وارفة كشجرة السدرة وثمارها بمتناول الأمة. لقد ولدت هذه المؤسسة من فكرة صارت حلما والحلم ترجم إلى مؤسسة مبهرة لا يمكن الإحاطة بجميع فروعها وتخصصاتها وإنجازاتها.
قبل ثلاثين عاما كانت إرادة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، إطلاق مؤسسة قطر رغم أن الظروف كانت مختلفة جذريا والتحديات كثيرة، حيث الدول والاقتصادات الناشئة تركز على الاستثمار في قطاع الطاقة، بينما كان خيارهما الاستثمار في التعليم، وبفضل العزيمة والإصرار نجحت الجهود ومهدت الطريق لتحقيق الأهداف الطموحة للنهوض بالتعليم.
اتخذت المؤسسة شجرة السدرة شعارا لها لتجسد علاقتها مع كل بيت قطري، وكما تقول صاحبة السمو: «هناك علاقة وثيقة بين الإنسان القطري وشجرة السدرة وهذه الشجرة التي تملك قدرة هائلة على التحمل، وصبرًا جميلًا، وتُظلل بأوراقها على الجميع».
في هذه المسيرة بذل الكثير من الجهد والتعب لتحقيق رؤية صاحبي السمو بتحويل مؤسسة قطر إلى مؤسسة مترامية الأطراف تلبي التطلعات والطموحات لجميع أبناء قطر وللشباب العربي والإسلامي من المحيط الى الخليج. فكانت الركيزة الأولى بناء التعليم العصري المستند الى البحث العلمي والمواكب للتكنولوجيا واقتصاد المعرفة.
كان قرار الاستثمار في التعليم قرارا صائبا وحكيما لإحداث تغيير جذري في المنظومة التعليمية وتوفير تعليم متقدم بجودة عالية مواكب للعلوم الحديثة، مع الحفاظ على تراثنا ولغتنا وهويتنا الوطنية. وكان حصاد مؤسسة قطر بعد ثلاثين عاما على انطلاقتها النجاح ببناء منظومة تعليمية متكاملة تنافس أعرق المؤسسات التعليمية العالمية، والنجاح بنشر وترسيخ ثقافة البحث العلمي ووضع البنية التحتية البحثية لتلبية الاحتياجات الوطنية في بناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة.
عاصمة الحضارة والمعرفة
مؤسسة قطر أصبحت وجهة عالمية ينظر إليها الجميع في الشرق والغرب بكثير من الإعجاب والتقدير لما حققته من ريادة في اطلاق قدرات الانسان في مختلف المجالات، فقيادتنا الرشيدة لم تنظر يوماً إلى مشاريع المؤسسة ومراكزها ومبادراتها لخدمة قطر وحدها، فالمؤسسة انطلقت كمشروع نهضوي تنموي عربي إسلامي على أرض قطر، لتعزيز التنمية المستدامة في العالم العربي.
وبفضل هذا التوجه باتت مؤسسة قطر عاصمة الحضارة والعلم التي يتوافد اليها طلبة العلم من مختلف دول العالم العربي والإسلامي، وكأنها تستعيد دور بغداد ودور الاندلس التي كانت قبلة لكل الراغبين بالعلم والمعرفة. كما تحولت مؤسسة قطر الى حاضنة للعلماء العرب المغتربين فكانت المبادرة الأولى من صاحبة السمو بعقد مؤتمر جامع للعلماء العرب من مختلف بلاد الاغتراب، وبعد ذلك شرعت مؤسسة قطر أبوابها لاستقطاب العلماء بمختلف مجالات تخصصهم للاستفادة من علومهم وخبراتهم وتجاربهم.
في مسيرتها الحافلة بالعطاء تمكنت مؤسسة قطر من تحقيق الهدف الأسمى وهو إنتاج المعرفة وتطويرها وتصديرها إلى المنطقة، بما يُساعد على تحقيق التنمية المستدامة في دولة قطر في مختلف مجالاتها. وتمكنت المؤسسة من أن تصبح حاضنة للعلماء والباحثين والمبتكرين والمخترعين العرب وغيرهم من كافة أنحاء العالم.
إنجاز تلو الإنجاز
لقد قدر لنا ان نواكب ولادة مؤسسة قطر وان نعايش توسعها وتنوعها ومبادراتها، فكنا لا نكاد نحتفي بإنجاز او بتدشين مشروع حتى تفاجئنا صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر بإطلاق مبادرة عالمية، وبينما نحن نرصد الأصداء العالمية للمبادرة كان يأتينا خبر اطلاق جائزة تحفز وتعزز اطلاق المواهب والقدرات. كنا نستمتع بمواكبة مشاريع مؤسسة قطر التي كانت تدشن مشروعا تلو الآخر. كنا نفخر بإنجازات المؤسسة ونباهي بها العالم، ولطالما كان الزملاء في الدول العربية والخليجية يغبطوننا على مشاريع وانجازات مؤسسة قطر.
ما زلت أذكر المدينة التعليمية عام 2005 التي كنا نظن انها مجرد جامعات تستقطب تخصصات علمية فإذا بنا امام مدينة تعليمية معرفية شاملة قد لا نجد لها مثيلا في الشرق الأوسط وربما في العالم. ولمسنا كيف توقف عندها عشرات الآلاف من جماهير المونديال، وكيف جرى تداول الصور ومقاطع الفيديو لمعالم المدينة التعليمية التي ابهرت جميع الزوار. كما يندر ان يزور رئيس أو زعيم عربي وعالمي الدوحة بدون زيارة المدينة التعليمية.
استقطاب أفضل الجامعات
لقد نجحت صاحبة السمو في استقطاب أفضل الجامعات على مستوى العالم؛ كي تضمن للشباب في قطر والوطن العربي تعليماً نوعياً من خلال توفير أفضل الخدمات التعليمية والأكاديمية. حيث تضم المدينة 8 جامعات بينها 6 جامعات أمريكية مرموقة وجامعة فرنسية رائدة في إدارة الأعمال بالإضافة إلى جامعة حمد بن خليفة. وتقدم هذه الجامعات 60 برنامجا تعليميا في درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في مجالات الفنون والعلوم الإنسانية والأعمال التجارية والحوسبة والهندسة والطب والصحافة والاتصالات والدراسات الإسلامية والشؤون الخارجية. ويدرس فيها طلبة من 119 بلدا من العالم وخرجت آلاف الكوادر الوطنية التي رفدت مسيرة التنمية المستدامة.
ركائز التعليم في مؤسسة قطر أعطت حيزا مهما للتعليم ما قبل الجامعي وكان من ثماره إنشاء أكاديمية قطر وتحقيق التوازن بين الأصالة والحداثة الى جانب انشاء 13 مدرسة بينها مدارس لذوي الاحتياجات وخرجت آلاف الطلبة.
هناك أيضا ركيزة البحوث والتطوير والابتكار من بين الركائز التي قامت عليها مؤسسة قطر وترجمت هذه الركيزة بإنشاء واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، كمركز حاضن للابتكار في التكنولوجيا، والذي يضم منطقة تجارة حرة ذات مختبرات لإجراء الأبحاث المتقدمة واستقطاب الشركات التكنولوجية الرائدة، فضلاً عن إقامة عشرات من الشراكات البحثية مع الجامعات في المدينة التعليمية. لدعم التخصصات التي تحتاجها قطر بحاجة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
لقد ركزت المؤسسة على الاهتمام بالابتكارات التقنية والحوسبة والذكاء الاصطناعي ومواكبة ثورة الاكتشافات العلمية المتسارعة في قطاع التكنولوجيا مع التركيز على قضايا الاستدامة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي لتواكب تطلعات الأجيال.
الابتكارات العلمية والطبية
ولا ننسى في هذا الاطار الأبحاث العلمية والطبية الحيوية، حيث ساهمت المؤسسة عبر إنشاء الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي بدعم وتوفير الموارد اللازمة لألمع العقول في قطر، والمتعاونين معهم من جميع أنحاء العالم، لمواصلة أبحاثهم العلمية والطبية وفق المعايير العالمية. كما كانت مؤسسة قطر سباقة في إطلاق المشاريع الصحية النوعية والعالمية أبرزها سدرة للطب ومعهد قطر للرعاية الصحية الدقيقة وبرنامج قطر جينوم حيث نجحت المؤسسة بتحديد تسلسل 45 ألف جينوم وتحويلها للرعاية السريرية.
يصعب علينا الحديث عن جميع فروع وتخصصات ومبادرات مؤسسة قطر، فهذه المؤسسة التي انطلقت عام 1995 تتألف مما يزيد على 50 كياناً في مجالات التعليم والبحوث وتنمية المجتمع، ويتجاوز عدد الطلاب 10 آلاف طالب، وأصبحت جوهرتها المدينة التعليمية التي على مساحة تزيد على 12 كيلومتراً مربعاً.
عندما نتأمل بحصاد مؤسسة قطر خلال ثلاثين عاما ندرك كم كانت رؤية صاحب السمو الأمير الوالد وصاحبة السمو الشيخة موزا ثاقبة وعميقة؛ فقد استندت في تأسيس هذا المشروع الرائد والكبير إلى مقولة أن سباق الزمن هو أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون. وبالفعل بدأت المؤسسة حيث انتهى الآخرون وبلغت مرحلة لا يمكن مجاراتها ومنافستها. ولعل اهم ما في فلسفة مؤسسة قطر هي اطلاق القدرات في العلم والابتكار والريادة والقادة والتكنولوجيا.
هذه المؤسسة التي غيرت وجه قطر هي مصنع المستقبل، وأقتبس هنا ما قالته صاحبة السمو عند افتتاح المدينة التعليمية: «هنا يصنع الغد وإذا تباهت كل أمة بمنتجاتها فإن دولة قطر تتباهى بالغد الذي صنع في قطر وإذا أنشأت الأمم مصانع للإنتاج فإن قطر استثمرت في الإنسان».
هنيئا لكل من عاش في زمن مؤسسة قطر وهنيئا لأجيال الغد قادة المستقبل الذين تخرجوا من مؤسسة قطر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2433
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1920
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1719
| 24 مارس 2026