رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

468

د. خالد وليد محمود

الصحة في قبضة الخوارزميات

10 فبراير 2026 , 05:32ص

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة من القياس والمراقبة. فمع أول نظرة إلى "الموبايل"، تكون الخوارزميات قد قرأت إيقاع القلب، وجودة النوم، ومؤشرات الإجهاد والتنفس، وقدّمت تفسيرات أولية لما يجري في الداخل قبل أن يتشكل الإحساس ذاته. العناية بالصحة بهذا المعنى لم تعد فعلاً مؤجلاً إلى لحظة المرض، بل ممارسة يومية تُدار عبر شاشات وأجهزة محمولة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وجسده.

يقود هذا التحول تسارعٌ لافت في تطوير الأجهزة الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي لم تعد تكتفي بتتبع النشاط البدني، بل باتت تقترب من عتبة التشخيص الطبي. فالساعات الذكية، والمجسات القابلة للارتداء، والأجهزة المنزلية المتصلة، تحولت إلى أدوات ترصد المؤشرات الحيوية بشكل مستمر، وتحوّل الجسد إلى مصدر بيانات متدفقة قابلة للتحليل والتنبؤ. ويُسوَّق هذا المسار بوصفه انتقالاً من طبّ يعالج المرض بعد وقوعه، إلى طبّ يستبق الخطر قبل أن يتجسد.

غير أن ما يجري لا يمكن اختزاله في تطور تقني معزول، بل يرتبط باستثمار اقتصادي عالمي واسع النطاق. فقد قُدِّر حجم سوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء بنحو 40 إلى 45 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بأن يتجاوز 160 مليار دولار مع نهاية العقد الحالي. أما سوق التكنولوجيا القابلة للارتداء عموماً، فيتجه ليبلغ مئات المليارات خلال السنوات المقبلة. هذه الأرقام لا تعكس فقط طلب المستهلكين، بل تعبّر عن اندفاع استثماري كثيف من شركات التكنولوجيا الكبرى وصناديق رأس المال نحو قطاع يُنظر إليه بوصفه أحد أعمدة اقتصاد المستقبل.

لكن كلما ارتفع منسوب الاستثمار، ازدادت حساسية الأسئلة المؤجلة. فالأجهزة الاستهلاكية، مهما بلغت دقتها، لا تعمل في فراغ طبي محايد، بل ضمن منظومات خوارزمية تصممها شركات ذات مصالح واضحة. وهنا يصبح الخط الفاصل بين المعلومة الصحية الإرشادية والقرار الطبي خطاً هشاً؛ فالاطمئنان الزائف الناتج عن قراءة غير دقيقة قد يكون خطيراً بقدر الذعر الناتج عن إنذار مبالغ فيه.

هذا الأمر لا يتوقف عند دقة القياس، بل يمتد إلى ملكية البيانات. فالمعلومات الصحية، وهي من أكثر أنواع البيانات خصوصية، باتت تُجمع خارج المؤسسات الطبية التقليدية، وتُخزن في منصات رقمية عابرة للحدود. وفي ظل تفاوت الأطر التنظيمية بين الدول، يبرز خطر تحوّل هذه البيانات إلى مورد تجاري، أو إلى أداة غير مباشرة للفرز والتمييز، سواء في التأمين أو التوظيف أو تقييم ما بات يُعرف بـ"الجدارة الصحية" للأفراد.

إن هذا الواقع يكشف عن شكل جديد من التفاوت الصحي الرقمي. فالوصول إلى هذه التقنيات لا يتوزع بعدالة، بل يرتبط بالقدرة المادية والبنية التحتية الرقمية. ومع غياب سياسات إدماج واضحة، قد تتحول الصحة الرقمية من أداة لتقليص الفجوات الصحية إلى عامل إضافي لتكريسها، حيث يتمتع البعض برفاهية المراقبة والاستباق، بينما يبقى آخرون خارج هذا النظام أو عرضة لنسخه الأقل أماناً.

والمفارقة أن التكنولوجيا التي تُسوّق بوصفها وسيلة لتمكين الفرد من إدارة صحته، قد تُنتج شكلاً جديداً من القلق الدائم. فالمراقبة المستمرة للجسد قد تعزز الوعي، لكنها قد تخلق أيضاً علاقة مرضية مع الأرقام، حيث يتحول كل تغير طفيف إلى مصدر توتر، ويغدو «الطبيعي» معياراً رقمياً صارماً لا يراعي الفروق الإنسانية.

في جوهر هذا التحوّل، لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب النقاش العام حول شروط استخدامها وحدودها. فالتقدم التقني سبق النقاش الأخلاقي، والاستثمار سبق التنظيم، والتجربة سبقت المساءلة. وهذا الخلل هو ما يجعل الصحة الرقمية ساحة مفتوحة للصراع بين منطق الرعاية ومنطق السوق.

تتجه التكنولوجيا اليوم إلى إعادة تشكيل علاقتنا بالحياة نفسها، لا بوصفها أدوات نستخدمها، بل منظومات تُعيد تعريف ما نراه طبيعياً ومقبولاً وآمناً. فالأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تكتفي بتوسيع قدراتنا، بل تتسلل إلى قراراتنا اليومية، وتعيد رسم حدود الجسد والصحة والخصوصية. وفي هذا المسار، لا تطرح شركات التكنولوجيا حلولاً فحسب، بل تفرض رؤيتها لما ينبغي أن تكون عليه الحياة "الأفضل".

غير أن هذا التحول ليس بريئاً ولا محايداً. فخلف واجهة الابتكار، تجري مقامرة كبرى على بيانات الأفراد، وعلى استقلال قراراتهم، وعلى قدرة المجتمعات على ضبط هذا الزحف التقني قبل أن يتحول إلى أمر واقع لا رجعة فيه. والسؤال لم يعد إن كانت هذه التكنولوجيا قادمة، بل من يملك حق توجيهها، ومن يدفع ثمن أخطائها، ومن يحاسب حين تختلط الرعاية بالهيمنة، والتقدم بالمخاطرة!

اقرأ المزيد

alsharq رمضان.. فرصة عبادة لا موسم موائد

مع إطلالة شهر رمضان المبارك، نستشعر نفحات إيمانية خاصة، وندرك أننا أمام موسم استثنائي تتجدد فيه الروح قبل... اقرأ المزيد

144

| 18 فبراير 2026

alsharq مبارك عليكم الشهر..

يأتي شهر رمضان ضيفا عزيزا على كل مسلم، ويختلف استقبال شهر رمضان عن كل الشهور، شهر تطمئن فيه... اقرأ المزيد

129

| 18 فبراير 2026

alsharq حين تمشي الأحلام على قدميك

يحدث أحيانًا أن يتأخر العالم كله خطوةً واحدة، كي يفسح المجال لقلبٍ قرر أن يمضي. ليس لأن الطريق... اقرأ المزيد

102

| 18 فبراير 2026

مساحة إعلانية