رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد أصبح الاقتصاد القطري الشامخ منارة لتطور البلاد وتقدمها، إن الاقتصاد القطري قوي ونجاحه بارز عالميا وقد حقق إنجازات كبيرة بفضل رؤية سمو الأمير حفظه الله ورعاه.
تشهد دولة قطر نهضة شاملة وواسعة في كافة المجالات بفضل حكمة القيادة الرشيدة ونجاح رؤية قطر الوطنية 2030 الواضحة لمستقبل قطر المشرق والواقع الملموس لتحقيق الأهداف التنموية وتوجيهات سموه تدعم تنفيذ المشاريع في مواعيدها وتحدد المسؤولية.
إن الرؤية الاقتصادية الرشيدة لدى سمو الأمير المفدى تؤكد عدم منافسة الدولة للقطاع الخاص وذلك يفتح مجالا لتطوير السياسات المالية وخلق برامج عمل لوضع تشريعات تدعم بقوة دور القطاع الخاص في التنمية الشاملة، إن توجهات الحكومة في دعم تنافسية ممارسة الأعمال هي أكبر حافز للقطاع الخاص وقيادتنا الحكيمة تواصل العمل من أجل تحقيق رفاهية وازدهار للمواطنين وتشريعات الدولة الحديثة تدعم الاقتصاد القطري والتنمية البشرية وإعداد الكوادر القطرية على مستوى عالي الكفاءة.
لقد تبع القرار الخاص بمنظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" في أواخر عام 2014 بعدم خفض معدل إنتاجها من النفط، إلى تراجع سعر برميل النفط الخام إلى أقل من نصف ما كان عليه في الصيف الماضي وهو 120 دولارا أمريكيا.
ويُعدّ تراجع سعر النفط مؤشراً سلبيا بالنسبة للعديد من الدول، حيث شهدت العديد من الأسواق المالية حول العالم هبوطاً في مؤشراتها تبعاً لهبوط أسعار النفط، مع تحمّل الدول المصدرة للنفط النصيب الأكبر من هذا العبء. ومن المتوقع أن يؤدي التراجع في أسعار النفط إلى تعزيز سعر الدولار وانخفاض نسبي في أسعار عملات عدد من اقتصادات الأسواق الناشئة والتي تعتمد بشكل أساسي على تصدير السلع.
وعليه، فإن تراجع معدّل الموجودات المالية المرتبطة بالنفط قد يؤدي إلى التأخّر عن مواكبة النمو الاقتصادي بالنسبة للعديد من الدول والشركات مما يؤدي إلى وضع مالي غير مستقر عالمياً.
وعلى عكس ذلك، يبدو أن الاقتصاد القطري محصن جيدا ضد هذا التراجع في أسعار النفط، ورغم أن قطر تعتبر منتجاً رئيسياً للنفط إلا أنها في مقدّمة الدول المصدّرة للغاز الطبيعي وترتبط أسعار صادراتها من الغاز الطبيعي وليس بالنفط ارتباطا وثيقاً، ويُتوقّع أن يحافظ الاقتصاد القطري على قوته بفضل توسّع الدولة الكبير في الأنشطة الاقتصادية غير البترولية بفضل التخطيط المالي الحكيم والذكي، وفي حين أن الاقتصاد قد نما على هامش القيمة الاسمية بمعدّل 5.2% في الربع الأول من عام 2014 بسبب تدني أسعار النفط عالمياً، إلاّ أن التوقّعات بنمو اقتصادي قوي مازالت قائمة خلال الفترة من 2014 حتى 2016.
فرغم التراجع الحالي في أسعار النفط، إلاّ أن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء في قطر أبقت تقديرات النمو في الناتج المحلّي الإجمالي بدون تغيير بنسبة 6.3% في شهر ديسمبر 2014 مع تراجع هامشي في توقعات عام 2015 من 7.8% إلى 7.7% مما يجعل عام 2015 أسرع الأعوام توسّعا بالنسبة للاقتصاد القطري منذ عام 2011.
تستمر الأنشطة غير البترولية في المساهمة في تعزيز النمو الاقتصادي العام في قطر، مدفوعة بالإنفاق الاستثماري والنمو السكاني في عام 2015، وسيساهم القطاع غير البترولي بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، مع توقع أن يسجل قطاع الإنشاءات أقوى نسبة نمو في القطاعات الاقتصادية حيث إن المشاريع الاستثمارية العامة ومشاريع البنية التحتية المتعلقة باستضافة قطر لكأس العالم لكرة القدم 2022 تحظى بالزخم الأكبر في الوقت الحاضر.
كما سيبقى القطاع المالي في قطر الأقوى عالميا والأفضل في الخليج بفضل النمو الجيد للأصول، إن نمو عمليات الإقراض مازالت مستمرة في تسجيل نمو قوي والقطاع المصرفي في قطر يتمتع بمركز قوي ومرن يمكنّه من التغلب على صعوبات المدى القصير التي يتسبب بها تراجع أسعار النفط، وكان قطاع الصناعة قد أظهر أداء بطيئاً في عامي 2013 و2014 إلاّ أن معدّلات النمو ستعاود الصعود في عام 2015 وستستمر في ذلك في عام 2016 مساهمة بنسبة 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي الفعلي. كما يعتبر قطاع الخدمات من القطاعات المساهمة بشكل رئيسي في الناتج المحلي الإجمالي القطري وسيواصل ارتفاعه مع قطاعي الصناعة والإنشاءات.
وفيما يخص ميزانية الدولة، فإن حكومتنا الرشيدة تتبع سياسة ذكية وحكيمة ومتوازنة اتجاه أسعار النفط عند التخطيط للسنة المالية كما أن لدى قطر احتياطيات مالية ضخمة لمواجهة أي عجز على المدى القريب. وتستهدف السنة المالية 2014/2015 فائضا ماليا إجماليا بمبلغ 7.2 مليار ريال قطري. وذلك يدل على قوة دولة قطر في مواجهة تراجع أسعار النفط خصوصا عند المقارنة بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.
كما يُعوّض التراجع في عائدات النفط والغاز من خلال زيادة دخل الاستثمار، حيث جمعت دولة قطر على وجه الخصوص أصولاً أجنبية كبيرة من خلال أدواتها الاستثمارية السيادية الذكية، وتبلغ القيمة التراكمية لفائض الحساب الجاري لدولة قطر خلال الفترة من عام 2000 حتى عام 2014 345.7 مليار دولار أمريكي، مما يعمل على توفير قاعدة مالية ضخمة وموارد قوية لتمويل الميزانية وتحمل تبعيات تراجع أسعار النفط على المدى القريب.
وبالنظر إلى المستقبل، يبدو أن الصورة غير واضحة تماما حول تذبذب أسعار النفط وأنه من الصعب التوقع متى ستبدأ الأسعار في الارتفاع مرة أخرى. وفي الوقت الراهن، تعتبر أسعار النفط المتراجعة بشكل عام ظاهرة مؤقتة بسبب ضعف الطلب من الاقتصاد العالمي المتباطئ وارتفاع الإمدادات من منتجي الولايات المتحدة الأمريكية من الصخر الزيتي، ويحقق سعر 60 دولارا أمريكيا للبرميل نقطة تعادل بالنسبة للغالبية العظمى من هؤلاء المنتجين في الولايات المتحدة وبسبب الأسعار الحالية التي تبلغ أقل من ذلك فإن أعمالهم ستكون غير مجدية مما سيؤدي إلى معدل عرض أقل في المستقبل وبالتالي انتعاش أسعار النفط عند ارتفاع معدل الطلب العالمي على النفط.
وفي قطر، تفترض تقديرات الحكومة المقايسة الكاملة لعائدات الغاز مقابل أسعار النفط، مخصصة نقطة تعادل أسعار النفط عند 42 دولارا أمريكيا و55 دولارا أمريكيا في عامي 2014 و2015 على التوالي. ومع ذلك، فمن المتوقع أن يرتفع سعر نقطة التعادل إلى حوالي 71 دولارا أمريكيا في عام 2016، مع استمرار نمو الإنفاق الحكومي وتراجع معدل إنتاج النفط واعتدال نسبة الفائض المالي للنفط في قطر.
وختاماً، فإن معدل نقطة تعادل سعر النفط للسنة المالية لقطر يبقى أقل بكثير من الأسعار المتوقّعة للنفط في عام 2015 وأقرب منها للأسعار المتوقّعة في عام 2016. ويتوقّع أن يبقى أداء الاقتصاد الكلي قوياً وبارزا نظراً لزيادة أداء القطاع غير البترولي والدخل المتنامي من الاستثمارات، مما يجعل سعر نقطة التعادل بالنسبة للنفط القطري أقل بكثير من سواها ببقية أعضاء منظمة أوبك، ورغم أن المستقبل المقترن بأسعار البترول (بشكل عام) هو مستقبل غير واضح، إلاّ أننا نؤمن بأن قطر ستتمكن من مواجهة كافة الصعاب التي تنتج عن التراجع الحالي في أسعار النفط بحصانة قوية وحكمة بارزة.
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم القيادية، تدور خلف الكواليس العالمية رحى معركة من نوع آخر.... اقرأ المزيد
549
| 12 مايو 2026
ستبقى هي القضية الأولى
بات يقينا لديَّ أنه مهما انشغلنا بقضايانا العربية واستجدت أخرى فإن قضية فلسطين هي القضية الأزلية الثابتة لدينا... اقرأ المزيد
144
| 12 مايو 2026
الاستشارة بين جدران الثقافة.. لماذا نحتاج وسيطاً ذكياً؟
تُنفق الحكومات والمؤسسات الكبرى مبالغ طائلة على الاستشارات الإدارية في الخليج، ثم تجد نفسها أمام تقارير مُحكمة الإخراج،... اقرأ المزيد
216
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4557
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4227
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1650
| 12 مايو 2026