رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* قاد الجماعة السودانية في الشدة والرخاء وفي العسر واليسر
*الترابي هو الحسن الثالث في الإسلاميين بعد البنا الأول والهضيبي الثاني
* بعد انسداد الأفق في السودان كان لا بد أن يقوم أحد الأقوياء بالسيطرة على مقاليد الأمور
* للترابي ميزة ليست لغيره من السياسيين ينطلق في كل مواقفه وأعماله من فكر مؤطر وهو فكر ينبثق من الإسلام
* تميز بالطموح إلى الامتلاء بالعلم والإيمان وإلى مقاومة الطغيان والفساد
*وقف في وجه الطغيان الماركسي وفي وجه الطغيان الرأسمالي الأمريكي وأتباعه
* ظل ينتقل من معتقل إلى سجن حتى لا يكاد يهنأ له عيش في بيته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد،،
بعد أن صليت مع إخواني صلاة الجنازة – صلاة الغائب- على أخينا وصديقنا الحبيب، العالم الفقيه الداعية المفكر، أحد أعمدة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن: الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني في مكتبنا في الدوحة؛ حيث فوجئنا بموته، بعد أن اتصلنا به من عدة أيام ورد علينا ابنه الكريم. وكتب الله له أن يدفن مع زوجته في أمريكا. فوجئنا في اليوم التالي (السبت 5/3/2016م.) بفقد آخر من القادة والعلماء والدعاة والمفكرين المجاهدين، أحد من امتلأت حياتهم بالعلم والعمل، والدعوة والجهاد.
فإذا كان هناك أناس يعيشون في الدنيا ويموتون، ولا يُحِسُّ بهم أحد؛ لأنهم لم يفعلوا شيئًا في حياة الناس، يجعلهم يشعرون بوجودهم.
فهناك آخرون، ممَّن رزقهم الله الهداية والتوفيق، يتعلمون فيعملون، ويعملون فيعلِّمون، وينشطون في دعوتهم، باذلين أعمارهم وجهدهم في سبيل رسالتهم التي آمنوا بها، ومن هؤلاء أخونا الحبيب إلينا، الأثير لدينا، العزيز علينا، الرجل، العالم، المفكر، الداعية، المجاهد، الثائر: الدكتور حسن الترابي، الذي كان بحق أحد رجالات الأمة العربية والإسلامية، وأحد رجالات الفكر والتربية والسياسة، لا يشك في ذلك أحد. فهو مفكر وزعيم سياسي وديني، يعتبر من رواد التجديد السياسي الإسلامي.
* الحسن الثالث
حسن الترابي هو الحسن الثالث في الإسلاميين، بعد حسن البنا الأول، وحسن الهضيبي الثاني، هو سوداني قح، تعلم القرآن الكريم وحفظه وجوده في صباه، وتعلم اللغة العربية والشريعة، ولم يتغير فكره الإسلامي الأصيل عن أصله، رغم أنه حصل على قمة الدراسات العليا في الغرب: الماجستير من جامعة أكسفورد، ثم الدكتوراه من جامعة السوربون، وأتقن رحمه الله عدة لغات بفصاحة: الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ولكنه بقي سودانيا عربيا مسلما، يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم!
كان حسن الترابي من النوع الحيّ المتحرك المحرِّك، لا يعرف البلادة، ولا الكسل ولا الرقاد الطويل، ولكنه رجل حر، مستقل الفكر، مستقل الإرادة، مستقل القرار، عقله متوقد، ولسانه فصيح، وجهه سوداني أصيل، مبتسم دائمًا، من غير تكلف.
تزوج أخت الصادق المهدي، فكانت نعم الزوجة له، ونعم الرفيق له في دربه، لم يتزوج غيرها، واختلف مع الإخوان اختلافا في الطرق؛ لأن له فلسفة في الحركة لا تتفق تماما مع المسيرة العامة لحركة الإخوان، ولذلك قالوا للتنظيم العالمي للإخوان: اعذرونا فيما قد نتخذه من خطوات أو قرارات، ربما لا توافق ظروفكم المحلية والإقليمية والسياسية على إقرارها أو تلبيتها، أو الموافقة عليها، وظلوا سنين على هذا الموضع حينما كنت لا أزال ملتزما بالارتباط التنظيمي مع الإخوان.
قاد حسن الترابي الجماعة السودانية في الشدة والرخاء، وفي العسر واليسر، وكانوا معه كتلة واحدة، وإن خالفه بعضهم بعد ذلك لعدم استطاعتهم تحمل مخالفاته في اجتهاده لبعض تقاليد الإخوان، وطبيعة الناس ليست واحدة في هذا الجانب. منهم من لا يطيق الخروج عن المتوارث أو المألوف، في السياسة أو في الفكر، أو في الحياة. لا بد أن تظل الحياة في نظره خيطا منتظما، يتصل بعضه ببعض، والترابي ليس من ذلك الصنف، ومثلي يقبله، ولكن بعض إخواني من المقدسين للنمطية الموروثة التي لا يجوّز لأحد الخروج عليها.
* فهم دقيق وإيمان عميق
التقيت الشيخ الترابي من قديم، ووجدته رجلا يتمتع بفهم دقيق، وحِسٍّ رقيق، وإيمان عميق، وعلم وثيق. ما ذهبت للسودان، أو لبلد عربي، أو لقيته في قطر وغيرها، إلا تحدثنا عن ثقافة الأمة وهموم الأمة، وكيفية علاجها، وحال المسلمين، ووسائل النهوض بهم، وكيف ننهض بالدعوة، وكيف نطورها.
أول ما لقيت الترابي في لبنان سنة 1985م. وكان في قمة الشباب، وكان يزور بيروت في ذلك الوقت، وقد قاد الحركة الشعبية الجامعية، التي انتهت بإسقاط الحكم العسكري برئاسة عبود، وعودة الحكم المدني إلى السودان. وأذكر مما جرى بيني وبينه من حديث: أني قلت له: لعلكم تلتفتون إلى الجيش ونشر الدعوة فيه، حتى لا يقوم بانقلاب آخر ضدكم. فقال لي: نحن في الواقع لا نهتم بالجيش، وإنما نهتم بالشعب. وعندنا أن نكسب معلمًا في مدرسة خير من أن نكسب ضابطًا في الجيش. قلت: ولكن الجيوش الآن كثيرًا ما تنقلب على الحكم المدني، وتسيطر على مقدرات الشعوب. قال: لتنقلب، ونحن سنسقطها!
كانت هناك أنشطة كثيرة تجعلني أتردد على السودان، منها أنهم اختاروني في المنظمة الخيرية الإفريقية الإسلامية. ولها أعمالها في السودان، وفي إفريقيا عامة. وأحيانا نلتقي في الخرطوم أو في بلد آخر.
وقد أُدعى لجامعة إفريقيا، أو لجامعة الخرطوم، أو لجامعة أم درمان، أو جامعة القرآن، أو للحركة الإسلامية، أو لبنك فيصل الإسلامي، أو لغيره من الهيئات. وهذا ما جعلني ألتقي به كثيرا في الخرطوم، أو في مناسبات شتى، بعضها في قطر حينما دعاه أمير البلاد –آنذاك- الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني ليتشاور معه، ويستفيد من علمه في وضع دستور يلائم البلاد. وكم دعته قطر في مناسبات رمضانية، والتقينا معا، على مائدة سمو أمير البلاد، وعلى موائد القرآن والعلم.
وقد سجن هو وعدد من أتباعه في أيام حكم النميري، فترة من الزمن، ثم تفاوضوا معه على أن يستعين بهم، وأن يستعينوا به، وأن يتولى بعض المناصب، وقبل الدكتور الترابي، فهو يؤمن بالمرحلية. وحضرنا معه الثورة الشعبية السودانية التي أعلنها النميري لإقامة التشريع الإسلامي. وكان الترابي وجماعته مشاركين بقوة في هذه المسيرة الكبيرة التي سميت (الثورة المليونية).
كنت والشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله، نتطلع إلى هذه المسيرة، وهي تمر أمامنا أفواجا أفواجا، من الصباح حتى الظهيرة، والناس يهتفون للشريعة وللإسلام وللقرآن، بحرارة طبيعية ومن تلقاء أنفسهم، فكنا نذرف الدموع ونقول: هل يكون لنا يوم في القاهرة مثل هذا اليوم؟
ومع هذا قلت للسودانيين: ليس المهم أن نعلن قيام التشريع، ولكن المهم أن يقوم المجتمع المسلم، وأن يحيا بالإسلام وللإسلام. وليس هذا بالشيء الهين.
* الرجل القوي
وما أسرع ما تغيرت الحياة في السودان، ولم تكن مع ثورة العسكر ثورة تربوية وفكرية وأخلاقية، فكان لا بد من تغيير، وقامت ثورة عسكرية بيضاء مسالمة، يقودها لواء شريف، هو رجل الإيمان والمحبة، والإسلام والسلام: عبد الرحمن سوار الذهب، الذي ضرب المثل في الزهد والتضحية بالملك والسلطان، وتنازل بعد سنة عن السلطة إلى حكم مشترك، آلت البلاد فيه إلى حياة قلقة غير مستقرة.
وبعد انسداد الأفق السياسي في السودان، كان لا بد أن يقوم أحد الأقوياء في البلد بالسيطرة على مقاليد الأمور. وكان الدكتور الترابي أكثرهم تصورًا وإدراكا للموقف وخطورته، وأكثر قدرة على التحرك بسرعة، فبادر إلى ذلك، واختار مجموعة من العسكريين على رأسهم عمر البشير لهذا الأمر.
ولو لم يبادر الترابي بهذا العمل لسبقه إليه الشيوعيون أو البعثيون، وقد حاولوا الثورة المسلحة في أول الأمر على الذين سبقوهم، فكان جزاؤهم أن قضي عليهم.
كان حسن الترابي رجل العزيمة الماضية، يتمثل بقول الله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}، ويعجبه في الشعر قول القائل:
إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ فإنَّ فساد الرأي أن تترددا
وإن كنتَ ذَا عزمٍ فأنْفِذْه عاجلاً فإنّ فسادَ العـزم أن يتقيدا
وقد التف الشباب المسلم في السودان حول الترابي، واختاروه قائدا للحركة الإسلامية في عموم السودان. وعندما قامت الثورة، التي هيأ لها الأسباب وقادها بحكمة وانتصرت، أبى إلا أن يدخل السجن، ويجعل القائد عمر البشير، ويأمره أن يدخله السجن، ويدير الأمر من داخل محبسه بالأوراق.
بعد ذلك ظهر الترابي، وخرج من السجن، وعرف وضعه، وانفتح الترابي بعدها على العالم العربي والعالم الإسلامي، ودعا الناس إلى السودان، وكنا ممن دُعي إليه.
* منهج عروبي إسلامي
وكان منهج الترابي منهجا عروبيا إسلاميا، يركز على عدة أمور:
1. قضية الإيمان بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالشريعة والتربية منهاجا عاما.
2. حرية الشعوب جزء من الفرائض الإسلامية، التي نجاهد في سبيلها.
3. حرية التعبير والفكر والمقاومة للظلم فرائض أساسية.
4. قضية فلسطين قضية أصلية، لا يجوز التهاون فيها. والدفاع عنها فريضة.
5. العدالة الاجتماعية ومحاربة المظالم والطغيان والفساد جزء لا يتجزأ من الإسلام.
6. الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة، يجب أن تتوحد، ولا يجوز أن تتفرق.
7. نسالم كل من يسالمنا ونضع أيدينا في يده، ونعادي كل من عادانا.
8. البشرية كلها أبناء آدم، وكلهم إخوة، وعليهم أن يتحابوا ويتعاونوا.
وقد التقيت الدكتور الترابي منذ فترة قصيرة في مكتبي بالدوحة، حيث تفضل هو بزيارتي حين جاء إلى قطر، وكانت آخر زيارة له. وظللنا نحو الساعتين، نتشاكى هموم الأمة، ونتدارس في حلولها، والعمل من أجلها، وكنا في ذلك نعمل سويا من أجل أمتنا، وهاتفته منذ أيام قلائل، ودعوته للمساهمة في الكتاب الذي يصدره مركز القرضاوي للوسطية والتجديد، عن سيرتي وأنشطتي، بمناسبة بلوغي التسعين في شهر سبتمبر القادم. ورحب بإسهامه فيها، وأنه سيرسل مشاركته إلى مكتبي حين ينتهي منها. ثم كان قدر الله أسبق: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.
وقد ساءني أن أحد الإخوة قال عنه: إنه ليس منا !!وشبهه آخر بهيكل مصر، وأنا أرى ذلك من الغلو المجافي للإسلام. فالدكتور حسن الترابي رجل لا ننكر فضله وجهوده في الدعوة الإسلامية، وفي الحركة الإسلامية في السودان، وفي مقاومة الصهينة والصليبية، والعِلمانية واللادينية، ولكنه ليس معصومًا، ولديه شطحات في بعض الأمور، ننكرها عليه جميعًا. وقد قال الشاعر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء فضلا أن تعد معائبه
*مسائل عديدة
وقد اختلفت مع الترابي في مسائل عديدة، تحدثت عنها في بعض البرامج التلفزيونية، وضمنتها الجزء الخامس من فتاواي، وليس هذا موطن بسطها.
وهذا لا يعني إهمال الترابي وإغفال اجتهاداته، فقد ظل رجل السودان والعرب والمسلمين. وقد يختلف الناس حوله، لكنه يعتبر أحد رجالات الأمتين العربية والإسلامية بالفكر والدعوة والتربية والجهاد والسياسة، وإن مؤلفاته ومعارفه وتوجيهاته التي استفادها تلامذته وأصدقاؤه محفوظة مبثوثة مدونة. فقد ظل مرتهنا حياته لهذا الدين وأمته الكبرى، وعمل من أجله، واجتهد فيه، وللمجتهد أجران إن أصاب، وأجر إن أخطا. وإن في رحيله لثلمة للإسلام والمسلمين.
ليس من شأن الناس أن يتفقوا في كل شيء، ولا مانع أن يكون هناك خلاف بين الترابي وغيره. ولا يعني هذا أن الترابي ينبغي أن يكون على حق في كل كلمة ينطق بها، أو كل قضية يتبناها، فكلٌّ يؤخذ منه ويرد عليه، إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
والدكتور الترابي أحد إخواني – وإن اختلفت معه في بعض الأمور- وليس من أخلاقي أن أخاصم إخواني.
اختلف الترابي وإخوانه في عدد من القضايا الفكرية والسياسية، وساءني ذلك كما ساء كثيرا من الإخوان المسلمين في أنحاء العالم العربي. وطالبني الإخوة أن أقود حركة من كبار الإسلاميين لمحاولة رأب الصدع، وتسوية الخلاف، واتفقنا أنا والإخوة القادة: الشيخ عبد المجيد الزنداني من اليمن، والشيخ فيصل مولوي من لبنان، والدكتور إسحاق الفرحان من الأردن، وأن ينضم إلينا من السودان الأخ الدكتور عصام البشير: وزير الإرشاد والأوقاف في الخرطوم. وكلنا من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وظللنا أكثر من عشرة أيام نتشاور ونتحاور مع الفريقين؛ لنقرب ما بينهما. وسافرنا بالطائرة إلى بعض الجهات في السودان؛ لنشاهد بأعيننا، وتعبنا كثيرا، ولكن لم نصل إلى موقف عملي يوحد الجميع. فتعصب كل من الفريقين حال بيننا وبين النجاح. وقد قال الشاعر:
عليَّ السعيُ فيما فيه نفعي *** وليس عليَّ إدراكُ النجاح
والترابي وإن كان يشاور من حوله، فقد كانت له خصوصية تدفعه لارتكاب بعض الأشياء التي لا نرضاها، كتسليمه كارلوس إلى فرنسا، مع أنه من الرجال الأحرار الذين دافعوا عن المستضعفين ضد الدول الطاغية، وقد أسلم في آخر الأمر وتزوج سودانية، فكان لا ينبغي أن تسلم رقبته لفرنسا ذات الاستعمار القديم، وذات التطلع الابتلاعي الجديد.
وكان للترابي رحمه الله آراء في الفقه والأحكام يراها كثير من الناس مسرفة، ونزاعة إلى الغلو في الاجتهاد، ومحاولة طأطأة رأس الشريعة العالية، لتنزل إلى قاع المجتمع، الذي بدأ يتضعضع وينخفض، وينزل إلى أسفل إلى حد كبير، وهو ما أحس أني غير مستريح إلى هذه الاجتهادات التي أعتبرها شاذة.
* رجل دعوة وفقه
على أن للترابي ميزة ليست لغيره من السياسيين، إنه ليس مجرد زعيم سياسي، ولكنه رجل فقه ودعوة، ينطلق في كل مواقفه وأعماله من فكر مؤطر، وهو فكر ينبثق من الإسلام، أي من القرآن والسنة، وما تفرع عنهما من الأصول والمقاصد والقواعد، وهو لا بد أن يستند إلى هذه الأصول، ويحتكم إليها، ويسائلها وتسائله، ويجاوبها وتجاوبه، فإن تجاوبت معه في الجملة وأعطته فرصة، ولم يجد من يرد عليه غلطه، ويبين له موضع خطئه، فهو معذور، بل هو مأجور حتى وإن أخطأ، وهذه إحدى روائع الاجتهاد الإسلامي. المهم أن يكون الشخص قد بلغ مرتبة الاجتهاد، وأن يراجع في مسألته كل ما يمكنه، وأن يتشاور مع أمثاله من أهل الاجتهاد، ومن أهل الفكر ما يستبين به الموقف كله بما له وما عليه، ثم يتخذ الموقف على بصيرة، فإن كان صوابًا فله أجران، وإن كان خطأ فله أجر واحد، كما جاء في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين.
والدكتور حسن الترابي، الطموح إلى الامتلاء بالعلم والإيمان، وإلى مقاومة الطغيان والفساد، الذي قرن بينهما القرآن حين قال: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر:11-14] وإلى الوقوف في وجه الجبابرة والمستكبرين في الأرض من الصهاينة والصليبيين والماديين الذين قال قائلهم: إن أهل الدين زعموا أن الله قد أيد الدين في الأرض، ولكنا نقول: ليس صوابًا أن الله خلق الإنسان، وإنما الصواب أن الإنسان هو الذي خلق الله!
* ضد الطغيان
وقف الترابي في وجه الطغيان الماركسي، وفي وجه الطغيان الرأسمالي (الأمريكي وأتباعه)، وفي وجه الطغيان الصهيوني، ولكنه رضي أن يقاوم هذه الطغيانات الكبيرة المتألهة، بالحياة العادية القليلة، لا يريد أن يسكن القصور الشامخة، ولا أن يركب السيارات الفارهة، ولا أن يعيش الحياة الناعمة، يريد أن يعيش كما يعيش الناس، ويتعب كما يتعب الناس.
ولهذا رحب بأن يعارض، وأن يقول الحق كما يراه، وأن يغالب الباطل، وإن أداه ذلك إلى الدخول في صراع مع كثير من إخوانه وتلاميذه الذين نقلهم من الكوخ إلى القصر، ومن الأسفل إلى الأعلى.
وظل ينتقل من معتقل إلى سجن، ومن سجن إلى معتقل، حتى لا يكاد يهنأ له عيش في بيته، وقد دعيتُ إلى أحد المنتديات في السودان، للمشاركة في الاجتماع الثامن لمؤسسة القدس العالمية بالخرطوم، منذ سنوات، لكني رفضت المشاركة حتى تفرج الحكومة السودانية عن زعيم المؤتمر الشعبي: حسن الترابي، فلما أبى المسؤولون، رفضت أن أحضر مثل هذا المؤتمر في بلد يُسجن فيه رجل في مكانة الترابي وتضحياته وعمره! فقد بلغ الثمانين، ولا يزال يحمل إلى السجن!! ومن أتباعه!!
د حسن الترابي غني النفس، كما جاء في الحديث: "ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس". وكما جاء عن سيدنا علي:
يعز غني النفس إن قلَّ ماله ويغنى غني المال وهو ذليل!
ويقول أبو فراس الحمداني:
إنَّ الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسهِ ** وَلَو أنّهُ عارِي المَناكِبِ، حَافِ
ما كلُّ ما فوقَ البسيطةِ كافياً ** فإذا قَنِعتَ فبَعضُ شيءٍ كافِ
عاش الترابي في بيته، وكما سمعت من سفير السودان بالدوحة يقول: إنه حتى لا يملك بيته في الخرطوم. حسن الترابي العالم المؤلف القائد صاحب الكتب المتنوعة لا يجد ما يمتلك به بيتا متواضعا.
كم دعانا الدكتور إلى بيته، فأكلنا فيه الأكلات السودانية المعروفة، وامتلأت بطوننا من خيره وحلوه، ومع هذا يقول عارفوه: إنه لا يملك ما يملك الآخرون من أموال في البنوك، أو من عقارات في النواحي، أو من غير ذلك مما يملك الناس.
حياك الله يا أخي حسن، وحيا أرضا أنجبتك، وبارك الله فيك وفي تلاميذك وأبنائك وإخوانك، وإن خالفوك أحيانًا ووافقوك أحيانًا، وكلهم معك على الخط السليم، وعلى الصراط المستقيم {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153]. وكان الله معك يا أخي إبراهيم السنوسي في قيادة الجماعة، ومحاولة توحيدها مع المجموع الإسلامي، وما ذلك على الله بعزيز.
وأوصى أبناء السودان بما أوصيتهم به في كلمتي في بالمركز الثقافي السوداني بالدوحة، وقد تجمع السودانيون على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، وطلبت منهم أن يتخذوا من موت الترابي شعارًا لهم لتتحد القلوب، وتجتمع الصفوف، وتتصاف الهمم، ويعمل الجميع على كلمة سواء: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله.
وهو ما سمعت أخي الأستاذ خالد مشعل نادى به الإخوة السودانيين في الخرطوم، أن يجعلوا منه مبدأ لوحدة الصفوف.
نسأل الله لأخينا الحبيب حسن الترابي أن يجزيه خيرا عما صنع لدينه وعما صنع لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يغفر له ويرحمه، وأن يتقبله عنده في الصالحين، وأن يغفر له أخطاءه في الاجتهاد، وأن يخلفه في ذريته وإخوانه بخير ما يخلف به عباده الصالحين.
{ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10].
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3315
| 06 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1080
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1074
| 04 أكتوبر 2026