رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوافق 8 مارس من كل عام اليوم العالمي للمرأة، حيث تحتفي شعوب العالم بطرق متنوعة للتعبير عن الاحترام والتكريم للمرأة، والتقدير لعطائها وإنجازاتها في مختلف المجالات، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ...إلخ. ويُعبر هذا اليوم عن الشراكة العالمية في الاحتفاء بالمرأة والاعتراف بتضحياتها وبدورها في إثراء الحياة، إلى جانب تعزيز الوعي حول قضاياها وحقوقها. وقد دعت الأمم المتحدة للاحتفال بيوم المرأة لهذا العام 2025 تحت شعار "الحقوق والمساواة والتمكين لكافة النساء والفتيات".
المرأة ورسم ملامح المستقبل
تمثل المرأة حجر الزاوية في تكوين الأسرة، وفي بناء المجتمعات وتنميتها. فهي الأم والمربية للأجيال، وما أشرفها من وظيفة، كما أنها ظلت فاعلة في المجالات الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية، تقود التغيير وتساهم في تقدم الأمم. وإذا كانت الأجيال تُبنى من خلال التعليم والرعاية، فإن المرأة هي التي تزرع القيم والمبادئ التي تعزز استمرارية النجاح، وتؤكد بناء المستقبل ورسم ملامحه. وقد عبرت عن هذا المعنى بعمق وشمول صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، النموذج الإرشادي الذي يجب أن يُحتذى، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، في تغريدتها بمناسبة اليوم العالمي للمرأة لهذا العام 2025، قائلة: "في يومكِ، تذكري دائماً أنكِ القوة التي تبني الأجيال، وتحرك عجلة التقدم، وترسم ملامح المستقبل بثبات وإلهام". إن تذكير سموها للمرأة بأنها هي قوة بناء الأجيال، ومحرك عجلة التقدم، وراسمة ملامح المستقبل، يؤكد أن يوم المرأة 8 مارس ليس هو مجرد مناسبة للاحتفال، بل هو دعوة لتمكين المرأة عبر العمل والعطاء، وتفعيل الطاقات "بثبات وإلهام" في سبيل بناء الأجيال ورسم ملامح المستقبل على أسس السلام والقيم الإنسانية. وتؤكد الوقائع وكذلك راهن المرأة القطرية أن دولة قطر عملت على تمكين المرأة بإصدار التشريعات، وعبر توفير التعليم المتميز والمواكب عالمياً، فضلاً عن تهيئة المناخ لانطلاقها من خلال المؤسسات، واتاحة الفرص في مجالات عديدة. وكانت المرأة حاضرة، على سبيل المثال، لا الحصر، في دبلوماسية الوساطة، وفي حوار الأديان، وغيرها من المجالات التي تصب في بناء السلام وبعض القيم الإنسانية. فمن خلال الحوار، يمكن الوصول إلى تعزيز حقوق المرأة على مستوى عالمي، والعمل على بناء عالم أكثر عدلاً ومساواة.
مساهمات المرأة في حوار الأديان: احتفاء عملي بيوم المرأة
بدعوة كريمة من مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان شاركت في طاولة مستديرة عن "مساهمات المرأة في حوار الأديان"، ضمن: مبادرة الحوار في الجامعات، التي نظمها مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان بالتعاون مع جامعة لوسيل، وذلك بقاعة المسرح بمبنى البنات، بجامعة لوسيل، بتاريخ الأربعاء 27 فبراير 2025. كانت مبادرة الحوار في الجامعات، مبادرة رائعة، وذات قيمة عالية، وفائدة كبيرة. كما أن طرح فكرة مساهمات المرأة في حوار الأديان، للتداول والحوار والدراسة، تؤكد على أن مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان وفقاً للأسس العلمية، والرؤية الكوكبية، سواء في دراسة أداء المرأة القطرية، أو في اتاحة الفرصة لها للمشاركة والإسهام في البناء. كما عبر المركز عن إيمانه بأن مساهمات المرأة في حوار الأديان تمثل ركيزة أساسية من ركائز التفاهم والتعايش السلمي بين الثقافات والأديان المختلفة. فالمرأة، بما تحمله من قيم الرحمة والعدالة، تساهم بشكل كبير في تعزيز القيم الإنسانية المشتركة بين الأديان المختلفة، وتقريب وجهات النظر بين المجتمعات المتنوعة، فضلاً عن تحقيق السلام الاجتماعي.
شرف الجلسة الحوارية سعادة الأستاذ الدكتور إبراهيم بن صالح النعيمي رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وسعادة الدكتور دكتور نظام هندي، مدير جامعة لوسيل، وعدد من أساتذة وأستاذات الجامعة، ولفيف من الطلاب والطالبات. أدارت الجلسة الأستاذة الدكتورة عائشة المناعي، نائب رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة لحوار الأديان، ومدير مركز إسهامات المسلمين في الحضارة، بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة. وشاركت بتقديم المداخلات، كل من: الدكتورة هند الحمادي، عضو هيئة التدريس بكلية المجتمع، الأستاذة شيرين عبدالحميد سالم، باحثة أكاديمية وصحفية، والأستاذة شيخة غانم الكبيسي، الممثل الرسمي للمركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان في دلوة قطر، وكاتبة في مجال التوعية المجتمعية، إلى جانب شخصي. وقد كانت ورقتي بعناون: "الوساطة كأداة لتعزيز حوار الأديان وبناء السلام: عن فعالية المرأة".
لقد تم تفاعل كبير من الحضور، ودار حوار ثري ومفيد، وطرحت أسئلة في غاية الأهمية، كما كشف التفاعل عن الاهتمام والرغبة في الحوار.
الوساطة كأداة لتعزيز حوار الأديان وبناء السلام: عن فعالية المرأة
استهللت ورقتي وهي بالعنوان أعلاه، وقد جاء في نحو (600) كلمة، بالإشارة إلى أن المرأة، وأنا اليوم أحيي المرأة حيثما كانت، هي القوة الناعمة التي تُحدث التغيير بأسلوبها الذي يجمع بين الحكمة والمرون، وهي التي تبني الجسور بدلًا من الجدران، كما أنها تنسج خيوط الحوار والتفاهم بين الثقافات والشعوب. وأوضحت بأن المرأة هي القوة التي لا ترى مباشرة ولكنها تُشعر في كل خطوة نحو السلام والتنمية. هي من تلهم وتوجه وتحرك الأجيال نحو مستقبل أكثر عدالة وإنسانية. ثم أوضحت بأن ورقتي تنظر إلى الوساطة باعتبارها إحدى الأدوات الحيوية والفعَّالة في تعزيز حوار الأديان، وبناء السلام، وتعميق القيم الإنسانية، خاصة في السياقات التي تتسم بالتوترات الدينية والثقافية، حيث تُسهم في تسهيل التواصل بين الأطراف المختلفة وتعزيز الفهم المشترك، ومن ثم حل النزاعات وحقن الدماء. انطلاقاً من هذه النظرة فإن الورقة تسعى إلى تسليط الضوء على إسهامات المرأة في حوار الأديان، من خلال دورها في جهود الوساطة، مع التركيز على الوساطة القطرية. تميزت الوساطة القطرية ومن واقع سجل إنجازاتها العالمية، بأنها عابرة للانتماءات الدينية والثقافية والجغرافية، ولا تحتكم إلا للانتماء الإنساني. تقدم الورقة هنا بعض التفصيل والتبيين. كذلك تُعد المرأة، وهي الأم، التي تثري الحياة بإنجاب الأجيال، وهم أصحاب المصلحة والحق في المستقبل، فإنها، وحرصاً على تلك المصلحة والحق، تتمتع بقدرة فائقة على إدخال منظور شامل إلى عمليات الوساطة، حيث تركز على القيم الإنسانية المشتركة، مثل السلام والتفاهم، بدلاً من الانقسام والنزاع. كما أن فعالية المرأة في موضوع الوساطة، باعتباره من الموضوعات التي تتفاعل معها المرأة في إطار تعزيز حوار الأديان، لا تقتصر على تعزيز الحوار والتفاهم فحسب، بل تمتد أيضاً إلى بناء مجتمعات أكثر سلاماً واندماجاً. ولهذا فمن خلال تمكين النساء وتعزيز مشاركتهن، يمكننا تحقيق تقدم ملحوظ نحو عالم أكثر سلاماً وتسامحاً. أجدد التحية والاحترام للمرأة حيثما كانت.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3858
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1482
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1032
| 29 أبريل 2026