رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


Khawla.life@outlook.com
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

180

خولة البوعينين

مقام السكينة في مدلهمات الأيام

10 مارس 2026 , 03:00ص

حين تتلبّد في سماء الإنسان سحب الأيام، وتتزاحم الوقائع حتى يُخيّل للناظر أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت، ويتراءى له أن الدروب قد احتشدت بما فيها، يلبث في أعماق النفس مَعينٌ خفيّ يتصل بسر الحياة الغائر فيها. 

ففي الروح مسارب من نورٍ تسري بالحياة كما تسري الجداول في غياهب الأرض، خفيّة المسار، مضمرة المسالك، غير أن أثرها يتجلّى كلما استعاد الإنسان صفاء بصيرته، ونور حكمته، واتساع قلبه، و رحابة فؤاده.

وفي مدلهمات الأيام، حين يعلو زخم التأويلات وتكثر الأحاديث المرتابة، وتتلون الهمسات بالخوف والإرجاف، تتحرّك النفس بين مدّ وجزر، تستعيد توازنها مرة بعد أخرى، أشبه بمن يقف على لوحٍ تحته عجلة، يحرّك ثقله في حركةٍ دائمة كي يحفظ استقامته. يختلّ قليلًا ثم يعود إلى ضبطه، ثم يختلّ مرة أخرى، فتغدو هذه الحركة الواعية جزءاً من تدبير النفس لذاتها وسط تشوّش الوقائع، وكأنها تهدهد القلب حتى يلهى عن اضطرابه، وتُزيح عن الفكر بعض فوضاه وتقلباته. 

غير أن المقصد الأعمق في هذا المسار ليس مجرّد حفظ التوازن، إنما بلوغ (مقام السكينة). فالسكينة حالٌ يهدأ فيها القلب، وتطمئنّ بها الروح إلى حكمة التدبير الإلهي، وعناية رب العباد، ولهذا جاء وصفها في كتاب رب العباد بأنها تُنزّل على القلوب، إذ أنها ليست ثمرة جهدٍ ذاتي نفسيّ فحسب، أو نتاج دُربة على التعامل الواعي مع المشاعر المضطربة فقط، إنما هي نفحة ربانية تُلقى في بواطن المرء، فتفيض عليه بنسائم الرحمة، وتجليات الطمأنينة في خافقة، تتجاوز به تقلّبات الظرف واضطراب اللحظة.

وعند هذا المقام يتغيّر وجه العبور، فالعواصف تمضي، والأحداث تتعاقب، غير أنّ الفؤاد الذي لامسته نسمات السكينة يظلّ سامياً في مقامه، ثابتاً في مكانه، بلا صخبٍ ولا وجل، قد سلّم الأمر لصاحبه يقيناً وإيماناً، وثقةً واطمئناناً حتى يُحيل الروح أكثر رسوخاً وسط ما تموج به الأيام من الأحداث، وما تعصف به الحياة من النوائب. 

فالقلب المؤمن لا خوف عليه ولا حزن، ولا اضطراب يثير فيه الارتياب والتوّجس، فهو مقيم في آلاء السكون، يرفل بالطمأنينة، ويفيض بالوداعة وراحة النفس، تحيق به نسائم التسليم، و تحيطه بركات التوكل الحق. 

*لحظة إدراك: 

السكينة نبع داخلي يملأ القلب والروح بثباتٍ واتساع، فتسمح للإنسان بالمرور عبر مدلهمات الحياة بلا خوفٍ ولا جزع، اللذان يثقلان النفس ويعيقان الإدراك، ولا يضيفان شيئاً ولا يخففان من وطأة الواقع !

أما السكون فينساب على الداخل بنسائم الرحمة، فيمنح النفس صفاء ً، ويُجلي عن القلب روعاته، ويُحيل الرحلة عبر تقلبات الأيام إلى فضاء رحب للوعي والطمأنينة، واتساع الصدور بما يعبق منها من شذى اليقين، والثقة بتدابير الحكيم. 

مساحة إعلانية