رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

270

إبراهيم عبد المجيد

"وقوفاً على الأصابع" لعلك تصل إلى السماء

10 يونيو 2026 , 11:12م

هذه رواية جديدة للكاتب جاسم سلمان، صادرة منذ أسابيع عن دار قنطرة، التي أسسها الكاتب في الدوحة. عنوانها" وقوفا على الأصابع".

أول سؤال يقفز إليك، كيف يكتب كاتب رواية تقع في ستمائة صفحة، دون أن يقع في التكرار والحكي الزائد، في زمن صارت فيه الرواية، حكاية عند الكثيرين، دون اهتمام بالبناء الفني، الذي يوحي أيضا بالأفكار، والمعاني الكبرى خلفه. لذلك بدأت اقرأ في الرواية، لكني لم اتركها. الحديث عنها يحتاج إلى صفحات. جملة أثارتني وبطل الرواية الرئيسي ميخائيل، يقف في بيته على أطراف أصابعه، ويقول مرة إنه يريد أن يصل إلى السماء. هكذا ترى الحكايات من المؤلف أو شخصياته، وهم يقفون على أطراف أصابعهم ليروا العالم من أعلى. ميخائيل مترجم عراقي يترك العراق وزوجته ماري بعد الغزو الأمريكي، هو الذي عمل فترة مترجما لقوات الاحتلال. أين يذهب؟ إلى أمريكا. يعمل مترجما في مكتبة ليوناني مصري الأصل هو جوزيف ويقابل آخرين. هارون الشاعر وغيره من بلاد عربية نزحوا عنها، وحتى روبن بواب العمارة التي صار يسكن فيها، وتتدفق حكاياتهم. تتجسد نيويورك وأحياؤها وناسها، ومعها ذكريات من بلادهم. يأخذهم جوزيف في رحلة إلى اسطنبول بحثا عن كتب ووثائق قديمة. من هناك ومن مدن أخرى زاروها، يأتي التاريخ المعاصر والقديم يملأ الفضاء. سوريا وما جرى فيها. غزة. مصر وما يجري فيها. غرناطة وسقوط الأندلس. صعود الدولة العثمانية. تفاصيل كثيرة تجسد الأماكن والأسواق والمساجد والأديرة، كما تجسدت نيويورك. كل من ذهبوا عادوا إلى أمريكا ولم يعد ميخائيل الذي اختفى. يعود ميخائيل بعد القبض عليه بتهمة الخيانة. تتذكر وصوله الأول لنيويورك حين سألوه في المطار عن وظيفته فقال "خائن". لقد ترك العراق وذهب إلى من دمروها. هكذا كان شعوره، لكن تهمة الخيانة التي لحقت به، لأنه لم يكن يترجم ترجمة أمينة، لأقوال الجيش الأمريكي الموجهة للناس، مما تسبب في موت الكثيرين. يجذب انتباهك أن كثيرا مما يقولونه أو يقوله ميخائيل، هو خيال، لكنه يصبح حقيقة، وفي لحظات لا تفرق بين الحقيقة والخيال. خياله يذهب به إلى أنه كولومبوس الذي اكتشف أمريكا، وها هو يعيد اكتشافها. علاقته بزوجته يشوبها التوتر، لأنها لا تدرك كيف ينفصل عنها بخيالاته. كل ما يأتي في الرواية من معلومات وذكريات، يتسلل إلى النسيج الفني دون مباشرة، فلا تمل القراءة أبدا، أين ذهب هذا العالم الذي يقفز من بين المدن والمكتبات والمخطوطات، والأنهار والوديان التي يقفون عليها في رحلتهم؟ المهم كيف تجسد فنيا مع تداعي الفصول، وهنا لا تفارقك الدهشة من فتنة النص. أحد عشر فصلا تتابع أو تتعارض، تعبر عن كل منهم نساء ورجالا. في النهاية وفي المحكمة في أمريكا، يتم ايداعه بمصحة عقلية، باعتباره مصابا بالذهان، حتى يشفى وتتم محاكمته، لكنه يموت. من غرائب النص أن ذهانه، صار ينتقل إلى من معه في المصحة، فأطلقوا عليه لقب" الذهين" أي باعث الذهان. ومن الطرائف أنهم بحثوا في جيناته، وجينات مرافقي كولومبوس في رحلته، التي أخذوها من بقاياهم في مقبرتهم، فوجدوا توافقا. هكذا يكتشف أمريكا من جديد، لكن يكون هو ومن معه، قد أعادوا إلينا تاريخا وحضارات. هكذا تبدو الرواية ملحمة تاريخية وواقعية من خلال التداعي الحر لشخصياتها، وفي قلبهم ميخائيل. وبنفس القدر الذي لا تفارقك فيه الدهشة من المعلومات، لا تفارقك متعة القص والبناء، في هذه الرواية التي لن تتركها من يدك، وتقرأها واقفا على أصابعك صاعدا إلى السماء.

مساحة إعلانية