رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله، وهي في الحقيقة بسيطة جدا، لأنها من صنع يديك في الدنيا» ظهرت في تاريخ الإسلام فرق عديدة في تفسير القرآن والأحاديث النبوية. تستطيع أن تجملها فيمن يأخذون بظاهر الكلام دون النظر إلى زمانه ومكانه، ومن يفعلون العكس، فيجعلون زمان ومكان نزول الآيات وظهور الأحاديث، خلفية هامة للفهم. دفع الذين يقولون بأهمية زمان ومكان نزول الآية أو ظهور الأحاديث، ثمنا كبيرا عبر التاريخ. كان السبب دائما حتى لو في الخفاء، أن من يؤمنون بأهمية زمان ومكان الآية أو الحديث، وهم ينفون الصلاحية الأبدية عن بعض آيات القرآن والأحاديث، يمتد الأمر لينزع القداسة عن البشر، وخاصة من في السلطات الكبرى، التي يراهم الآخرون فوق كل رأي. رغم تعدد الفرق الإسلامية بين السنة والشيعة، وتعدد المذاهب السنية، فلا فرصة بعدهم لرأي آخر. رغم أن كثيرا من المفكرين المحدثين الذين دعوا لفهم زمان ومكان نزول الآيات أو ظهور الأحاديث، لم يقدموا أنفسهم كأصحاب مذهب جديد. فقط قدموا أنفسهم بأنهم أصحاب عقول تقدم رأيا. يؤمنون بالعقل لا بالنقل. أتذكر هنا الخلاف الكبير القديم بين المعتزلة وسائر الفرق الإسلامية وأشهرها الأشاعرة، في قضية هامة هي خلق القران. الأشاعرة قالوا إن القرآن قديم موجود مع الله منذ الأزل، فخلقه يعني أن الله سبحانه وتعالي جرت عليه الحركة، وما يجري عليه الحركة له مكان وزمان وأبعاد، وهذا يعني أن الله مجسد كالإنسان الذي ينتج البشر من أبنائه، أو ما في الدينا من أفعاله، والله وسع السماوات والأرض. المعتزلة قالوا إن القرآن مخلوق من الله، لأنه لو كان قديما، فهذا يعني وجود اثنين قبل وجود العالم، والله واحد لا شريك له. ورغم أن الفريقين ينزهان الله، فمشكلة خلق القرآن كما رآها المعتزلة، فتحت باب التفسير والاختلاف فيه مثل كل شيء مخلوق، وخاصة البشر مهما علت سلطاتهم وقوتهم. وهذا هو حجر الاختلاف. أخذ بفكر المعتزلة بعض الحكام مثل المأمون، لكن للأسف دفع ابن حنبل المخالف لهذا الرأي ثمنا فادحا من الحبس، ولم يتركوا الفرصة لاختلاف الرأي. بعد ذلك واجه المعتزلة كثيرا من العسف، وحدث لبعضهم أكثر مما حدث لابن حنبل، وتم إخفاء كتبهم. لم تظهر هذه الكتب من جديد إلا صدفة في رحلة لوفد من وزارة المعارف المصرية إلى اليمن قبل عام 1952 وفي إحدى المكتبات القديمة التي لا يزورها أحد وجدوا كتبهم، فتم إعادة إصدارها مطبوعة. عبر التاريخ تتالت الآراء في الدين بحثا عن الطريق الأفضل إلى الجنة. وحتى الآن تمتلئ الكتب وتمتلئ المساجد بالخطب عن الطريق الي الجنة. وشاعت أحاديث كثيرة عن بعض المراسم الدينية مثل الصوم والصلاة والحج كطريق للغفران. لا نسمع إلا نادرا أن الغفران لا يشمل الخطايا في حق البشر. ليس معنى أن تحج أن كل ما فعلته من خطايا زال. الله قد يغفر الذنب في حقه إذا قصرت في أداء أحد أركان الإسلام، لأنه في غنى عن البشر، لكن الخطأ في حق البشر لا يغفره الله إلا إذا غفروه هم لمن أخطأ في حقهم. هكذا تقرأ مئات الكتب، وتسمع آلاف الخطب، عن الطريق إلى الجنة، تستشهد بآيات وأحاديث، تجعل أداء شعائر الإسلام طريقا للغفران من كل شيء، بينما للغفران وجهان لابد من ادراكهما، والطريق للجنة سهل جدا كما جاء في أول المقال، العقل فيه طريق إليها، لأنها من صنع يديك في الدنيا، وهذا لا يسئ لا للقرآن ولا الأحاديث.
402
| 05 فبراير 2026
«كيف حقاً خلت هذه المدينة من النساء؟ هذه مدينة عجيبة يا سيدي. طلبت كل امرأة من زوجها أن يرسم على جدار البيت طائرا تحبه. رسم الرجال الطيور وناموا سعداء. حملت الطيور النساء وغادرت البلاد!». لا أعرف كيف ومتى تخيلت ذلك يوما، لكنه أعاد إليَّ التاريخ المنسي عن المرأة. في بداية التاريخ لم تسجل النساء شيئا عن حياتها. قام بذلك الرجال، صارت النساء في كثير من الأساطير مصدرا للشرور، ونسي الناس الأساطير الأخرى التي جعلت منها مصدرا للأمل. عشنا نقرأ أنه وراء كل رجل عظيم امرأة، لكن السائد هو التقليل من قيمة المرأة، التي يطول الحديث عن الجرائم التي ارتكبت بحقها. نسينا بطلة أسطورية مثل إيزيس التي انتقمت لأوزوريس من ست إله الشر، بأن جمعت أشلاء أوزوريس التي بعثرها ست في البلاد، وأنجبت حورس لينتقم لأبيه من ست. عرفنا في الواقع كثيرات من البطلات في الحروب في أوروبا، وفي عالمنا العربي مثل جميلة بوحريد في النضال ضد الاحتلال الفرنسي في الجزائر وغيرها كثيرات جدا. عرفنا قصصا للحب فاقت أي قصص أخرى، كتب عن بعضها «ديني دي روجمون» في كتابه «الحب في الغرب». لكن أيضا في الشرق عرفنا قصصا عابرة للتاريخ مثل قيس وليلي. في مصر بعد ثورة 1919 قامت النساء بدور عظيم في النهضة الثقافية، من العائلة المالكة مثل الملكة نازلي أو فاطمة بنت الخديوي الأسبق إسماعيل، التي تبرعت بالأرض والمال من أجل إقامة الجامعة المصرية في عهد الملك فؤاد، أو من النساء خارج العائلة المالكة مثل درية شفيق ومي زيادة وفاطمة اليوسف وقوت القلوب الدمرداشية، ويحدث هذا الآن في دول الخليج من أميرات في دعم الثقافة، في بلاد مثل قطر أو الشارقة أو الإمارات في مشاريع يطول الحديث عنها. أمتعتنا أصوات نسائية مثل أم كلثوم وأسمهان ومن جئن بعدهما وعشرات الأسماء في السينما. من أين جاء هذا التقليل من شأن المرأة؟ من بعض الأساطير القديمة التي ألفها الرجال، ومن تفسيرات للأديان جعلت المرأة أقل عقلا ودينا. النهضة في العصر الحديث كانت كلها ضد ذلك، لكن شهدت السنوات منذ السبعينيات عودة لهذا الفكر القديم. ورغم أن بلادا كانت مصدرا وقتها لهذه التي أسموها بالصحوة، تخلصت من هذه الصحوة التي كانت ردة وليست صحوة، لكن لا يزال صداها في بلاد كثيرة، ووصل في تجلياته الأخيرة إلى أبشع الصور، حين قامت داعش ببيع النساء في الأسواق في العراق أو سوريا. الغريب أن دولا قطعت شوطا كبيرا في الديمقراطية والمساواة، لا تزال ترى هذه الصورة للمرأة. في أمريكا حوادث كثيرة ومنها ما حدث أخيرا، من القبض على روبيرت موريس الذي يعتبرونه الأب الروحي لترامب، بتهمة التحرش بطفلة عمرها اثنتا عشرة سنة. أتذكر ذلك كله مندهشا وأنا كقارئ أتابع إصدارات الكتّاب في العالم العربي، فأجد كثيرا من الكاتبات حققن في الإبداع والفكر والفن التشكيلي ما حققه الرجال وأكثر. كثيرات من المبدعات في العالم العربي من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، حتى أني اقترحت يوما على دور النشر، أن تقوم إحداها بعمل معجم يضم أسماء النساء المبدعات، ومن تساهمن في الفكر بكل ميادينه. النساء فقط وما زلت عند اقتراحي ربما يسمع أحد. إن النجاة الحقيقية من التاريخ القديم، الذي ألفه الرجال عن المرأة، هي خروجنا جميعا منه، حتى لا يأتي يوم يتحقق فيه خيالي الذي كتبته في أول المقال.
357
| 29 يناير 2026
«- هل تصدق أن جابرييل جارثيا ماركيز بكى حين مات الديكتاتور في روايته «خريف البطريرك»؟ - أصدق طبعا. - كيف يبكي على ديكتاتور؟ - لقد بكى على شخصية فنية وهبته كل ما فيها، حتى أنه صدق أنها تعيش معه ثم رحلت. الكاتب يبكي على رحيل الأخيار والأشرار من شخوصه، لأنهم كانوا أعظم صحبة، وأكرموه كل الكرم، ثم تركوه وحيدا». هذه المقدمة تلخص في رأيي معنى الكتابة وجوهرها. أعني هنا كتابة الرواية. فالرواية روح وليست عقلا. رغم ذلك واجهت الرواية ولا تزال تفسيرات عقلية، فبحث الأشرار عن رموز خفية لا يراها غيرهم، واعتبروا الرواية هجوما عليها وعلى أصحابها. ما أكثر الروايات التي تمت مصادرتها في العالم، وتحول مؤلفوها إلى المحاكمة. قيل يوما بعد انتصار الحركة الشيوعية في روسيا، إنه مع العدل ستنتهي الرواية. لكن الذي حدث هو اضطهاد الكتاب فيما صار يسمى الاتحاد السوفييتي، وخروج الكثيرين إلى أوروبا لأن الظلم فاق العصر القيصري، والعدل شعار لن يتحقق أصلا في الدنيا كاملا. انتهى الأمر بتفكك الاتحاد السوفييتي نفسه وعاشت الرواية. العالم الآن تتسع فيه الحكايات أكثر. أقل ما فيه ما يحدث في بلادنا العربية مثل غزة والسودان، ولك أن تتخيل كمّ الروايات التي ستأتي. عالم يرفع شعار القتل والإبادة يتصور أنه يحقق العدل، ولا يرى العدل يقف بعيدا باكيا؟ أتخيل ضاحكا رغم الآلام، أن من يقومون بذلك، يعملون في السر في دور نشر تنشر الروايات، ويعدونها بطوابير من الكتاب، وأرفف من الروايات، لكنهم ينسون أنهم سيحتلون مقدمة الأشرار دون أن تذكر أسماؤهم. ذكر الأسماء في الروايات، يحتاج كتاباً أذكياء يحركهم الخيال أكثر، وأسماء رائعة منهم بيننا. من أجمل ما كتب مع ذكر الأسماء مسرحية كاليجولا لألبير كامي. كاليجولا الحاكم الروماني جعله كامي حالة عبثية، يبرر ما يفعله، برغبته أن يأتي بالقمر من السماء. صار كاليجولا حالة فلسفية وجودية عابرة للتاريخ. النقد الأدبي جعل الرواية عملا عقليا حين راح يتحدث عن المدن في الرواية، والمرأة في الرواية، والحرب في الرواية، وغير ذلك من موضوعات. لكن النقاد لم يقصدوا أن تتحول الرواية إلى حقل تأتي منه الاتهامات. مؤكد يقدم النقاد للكتاب الآخرين صفحات عليهم أن يتجاوزوها. لكن ظل هناك أشرار بعيدا عن النقد، يبحثون في الرواية عن رأي الكاتب في غيره، بينما الرواية التي يظهر فيها الرأي لا تستحق القراءة. الآراء كامنة خلف الأحداث يدركها الأكثر ثقافة، وتظل نسبية أيضا قد تختلف من شخص إلى آخر. تأتي صفحات الدعاية للروايات من دور النشر والكتاب، تتحدث عن موضوع الرواية كأنها مقال علمي، وتغري القراء بحداثة الموضوع، ولا موضوع حديث في الفن حتى الآن، فكل الموضوعات شبعت بحثا وكتابة منذ الملاحم القديمة، والذي اختلف هو كيف تتم الكتابة. هذه هي الحداثة. طبعا أضيفت إلى عالمنا الثورة الرقمية، فحفلت الروايات بالتغريدات والإيميلات وغيرها، لكن الموضوعات لم تتغير. حتى إذا كتبت عن شخص يري حياته خلف اللاب توب يرسل الرسائل إلى لا أحد، فأنت لم تبتعد عن الوجودية التي تجلت في أعمال سابقة على الثورة الرقمية. الأشرار ليسوا حقائق في الرواية. الشر يأتي ممن يبحث فيها عن أشرار حقيقيين. أعود إلى البداية ويطل سؤال دائم. لماذا لا تكتب رواية تدين فيها من حاربوك حربا قذرة في حياتك؟ لأن الشر حولي في كل مكان ولا حاجة لي بهم. ثم لماذا أحييهم مرة ثانية، وأمنحهم دموعي حين يموتون. لماذا أهبهم الخلود؟
288
| 22 يناير 2026
بعد أيام يأتي معرض القاهرة الدولي للكتاب. يقفز أمامي السؤال الذي يقفز مع كل معرض كتاب عن القراءة. زرت معارض عربية وأوروبية كثيرة، ورأيت الطوابير والزحام حول دور النشر، فتحقق لي ما أدركته مبكرا. كنت طفلا اقرأ في مكتبة المدرسة الابتدائية رواية «وا إسلاماه» لعلي أحمد باكثير، وفكرت كيف حملتني الرواية إلى تاريخ لم أعشه، وكانت لغتها مثل متحف حافل بالصور التعبيرية. كنت أعرف ذلك من السينما التي عرفت الطريق إليها مبكرا جدا، لكن من كتاب بين يديك وأنت في البيت أو المكتبة أمر جديد. من هنا جاء شغفي بالقراءة التي اتسعت فيما بعد لتشمل الشعر والكتب الفكرية وغيرها. كيف حقا تفتح القراءة أبواب التاريخ والجغرافيا وكل العلوم فضلا عن البلاد والأزمان. أذكر ذهابي للعمل في المملكة العربية السعودية عام 1978 في مدينة تبوك في الشمال. كانت السنوات بعد 1975 في مصر، هي سنوات السفر الكبير بعد حرب أكتوبر 73، وخروج جيل كامل من الجيش عاصر حربي 67 و73 فوجدوا البلاد بدأت تتغير. أبرز ملامح التغير هو ما سُمي وقتها «بخلوّ الرِجل»، يدفعه الباحث عن شقة للزواج للمالك، ولم يكن سهلا، فخرجت الطوابير من كل الفئات إلى دول الخليج والعراق. اتسعت العراق للعمال أكثر بينما اتسعت السعودية لكل الفئات. لا أنسى الطوابير على القنصليات والسفارات العربية للحصول على تأشيرة السفر. المهم وصلت إلى تبوك معي ثلاثة أو أربعة كتب من القاهرة، لأن دخول الكتب كان أمرا صعبا، فمثلا وقتها لا يسمح بدخول كتاب على غلافه صورة امرأة. كانت السعودية غير ماهي الآن. كان الوقت طويلا لا يمر بعد ساعات العمل، فلا مقاهي ولا سينما ولا مسرح ولا نوادي للأدب، لكني رأيت مكتبة للقراءة فدخلتها ولم أجد أحدا يقرأ. طلبت من المسؤول أن استعير الكتب. اندهش لأن هذا لا يحدث، فشرحت له أني سآخذ الكتاب اقرأه في البيت ثم أعيده، فوافق بعد أن أحضرت له خطابا من العمل، أن يدفعوا ثمن الكتاب إذا لم أعده. رحت اقرأ في الشعر العربي عبر العصور، وكتب في التاريخ العربي والإسلامي، وكتب من التراث، فاتسع العالم ومرت الأيام. صارت تبوك الصغيرة جدا وقتها لا تزيد عن شارعين، حديقة باتساع العالم. جاءت بعد ذلك زيارات لي إلى بلاد أجنبية، فكنت بمجرد الوصول أذهب إلى أماكن قرأت عنها. مثلا حين وصلت إلى باريس أول مرة عام 1992 ذهبت مسرعا إلى كنيسة نوتردام، ليس لأراها فقط، بل لأصعد أعلاها كما صعد أحدب نوتردام في رواية فيكتور هوجو التي لا تنسى. الأمر في روسيا وغيرها. ماذا لو لم يعطني الأدب فرصة السفر في المؤتمرات والمهرجانات. كم من الأموال كنت احتاجها لأسافر وأرى هذه البلاد. هكذا دون أن تكون كاتبا تتم دعوته، فأنت تسافر إلى كل الدنيا. يصير لك أصدقاء أحياء رغم أنهم أبناء الخيال، فما بالك بالشخصيات الحقيقية التي رحلت منذ عشرات السنين، وأنت تزور بيوتهم والمتاحف التي حملت أسماءهم دون ان تدفع شيئا. على الناحية الأخرى فالقراءة تصنع انسانا سويا. مهما تقرأ عن المجرمين لا تقلدهم، رغم اعجابك بصورتهم التي جسدها المؤلف في روايته. الجريمة هي نبت الحياة الاجتماعية والسياسية، وليست نبت القراءة. هكذا يكون أثر القراءة في الإنسان العادي، الذي أيضا لا يعرف أنه أجمل رصيد للكاتب. الكاتب يقدم للقارئ حدائق رائعة في الفضاء، بينما القارئ يملأ فضاء الكاتب بأجمل سعادة تجود بها الأيام.
483
| 15 يناير 2026
ليس لدي ما أقوله عن خطف نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا وزوجته من قِبل الجيش الأمريكي. فقط جاء في وقت أنتظر فيه معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث ستصل لي نسخ من روايتين لي طبعتهما خارج مصر وتأخر وصولهما. واحدة عنوانها «سامح الفؤاد» والثانية عنوانها «32 ديسمبر» أضحك وأقول إن عنوانها هو السبب، فانتظر يا إبراهيم الثاني والثلاثين من ديسمبر. ما فعله ترامب في فنزويلا فاق كل خيال، وأبعدني عن الأدب إلى السياسة. لقد أثار الأمر أسئلة كثيرة، منها كيف تم التمهيد لذلك، دون أن تدري أنظمة مخابرات دول كبرى، أم هي عرفت وأهملت الأمر. وهل حقا وراء ذلك ديكتاتورية مادورو، أم تجارة المخدرات، أم نفط فنزويلا، أم موقف مادورو من إسرائيل، الذي دعا إلى تكوين جيش عالمي لمقاومتها فيما تفعله في غزة؟ هل كان وراء سهولة اختطاف مادورو، خيانة من أحد القريبين منه في الحكم أو في الجيش الفنزويلي، خاصة إذا صح ما يقال إنه لم تُطلق رصاصة واحدة على من قاموا بالاختطاف؟ لقد خطفت القوات الأمريكية رئيس دولة كأنها كانت في رحلة مدرسية لفنزويلا وعادت به. أسئلة كثيرة ستكشف عنها الأيام، ولا يشغلني أي حديث عن كيف تم الترتيب سرا لذلك في بعض الدول، فما أكثر ما سيقال ويشغل الصحافة. المهم ما حدث. كشف ترامب عن أهم اسبابه، وهو تنظيم تجارة النفط، وهو من أكبر ما لدى فنزويلا، وأكبر من غيرها من دول العالم النفطية. وقال ترامب إنه سيتم من خلال الشركات الأمريكية، وستربح من ذلك. هل يمكن تعريف ما جرى سياسيا باعتباره مظهرا لسياسة القوة والمصلحة. بالطبع يمكن وهو أبسط التعريفات. لذلك كان نتنياهو من أول المباركين لما فعله ترامب. نتنياهو الذي كلما رأيته في اجتماع مع ترامب، تلفت انتباهي دهشته وسعادته في نظرته وابتسامته إليه، كأنه وجد الكنز الذي يريده. إن العيون والشفاه، هي أبلغ تعبير بلغة الجسد، عما في عقول ونفوس البشر. لا أعوّل على مجلس الأمن، في إدانة ترامب، ولا حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخالية من حق الفيتو لأميركا أو غيرها، ولا حتى محكمة العدل الدولية، التي يمكن أن تلجأ إليها فنزويلا أو إحدى الدول، فقرارها بشأن إدانة نتنياهو لم ينفذ، ولم تقم أميركا مثلا، التي يزورها نتنياهو كثيرا، بتنفيذه. أعجبني من وصف ترامب بأنه شمشون العالم، وإن كان صاحب الوصف لا يدري أن شمشون، هدم المعبد على أعدائه وأنصاره معا كما تقول الأسطورة. وبمناسبة شمشون والفيلم القديم عنه بعنوان «شمشون ودليلة» فقد رأيته في طفولتي في الخمسينيات، وأولعت به. أعادني الحديث إلى هواية ترامب للسينما التي لم يحقق فيها شيئا، وكتبت عنها هنا من قبل، وكيف صار يدير العالم كأنه مخرج ومؤلف للأحداث. ويصل به الأمر إلى خطف رئيس جمهورية من بيته، مهما كان ديكتاتورا فمسألة تغييره متروكة لشعبه. أتذكر عنوان روايتي « 32 ديسمبر» وأتساءل هل ما يفعله ترامب هو في هذا اليوم الذي لا يأتي. اضحك لكن السياسة تقفز وتقول ما هو منسي، من أن الدرس الأكبر مما حدث، هو كيف يكون مصير كل حاكم اغتصب السلطة، سهلا إذا ما وُجدت القوة الأكبر. فأكبر رصيد لأي حاكم شعبه. شعبه كله معارضة وأنصاراً، وغير ذلك يظل حديثا لا جدوى منه. أعوّل على شعب فنزويلا لكن ما يأتي من أخبار يعكس رضا قطاع كبير منه عما جرى.
396
| 08 يناير 2026
مهما غبت عن غزة وما يحدث فيها كتابة، فهي لا تغيب عنى. فأنا أنتمي روحيا لتاريخ قديم لا يزال يرى، أن غزة وفلسطين والشام كما السودان وليبيا، هي المجال الحيوي لمصر عبر التاريخ، وسلامتها تعني سلامة مصر، حتى لو تغيرت الأحوال، وابتعدت مصر عن حكمها، كما كان يحدث قديما. منذ اتفاق أكتوبر الماضي في شرم الشيخ المصرية، لم يتوقف الهجوم الصهيوني على غزة. كثير مما اتفقت عليه الدول التي وقّعت الاتفاق، لم يتحقق، مثل ادخال المساعدات الغذائية والطبية بشكل مؤثر، أو بدء اصلاح البنية التحتية لغزة. يبدأ الآن فصل الشتاء، فيُغرق المطر المخيمات وسكانها، ولا قدرة تكفي للإنقاذ. رغم ذلك، وبينما ينتظر أهل غزة الخطوة الثانية من الاتفاق في الانسحاب الكامل لقوات إسرائيل، وبدء إعادة الإعمار، تماطل اسرائيل بحجة أن حماس لم تسلم سلاحها، وأن هناك أسيرا أو جثة له، لم يتم تسليمها لإسرائيل. أي عاقل يعرف أن تسليم السلاح سيتم بعد الاتفاق على من يحكم غزة، ناهيك عن السؤال ما هو السلاح الذي لدى حماس أو كتائب القسام الآن. أما الأسير أو جثته فهل لدى حماس جثته، بينما جثث كثيرة من أهل غزة لازالت مفقودة تحت الرماد، ولماذا ستؤخر تسليمها لو وجدتها وهي التي سلمت غيرها من قبل. إسرائيل تبحث عن أي سبب يرجئ الحل الشامل، لأنها تريد إبادة قطاع غزة كاملا، والعودة للفكرة الخيالية الأولى لترامب، بإقامة ريفيرا في غزة بعد تهجير أهلها، رغم ما جرى في اتفاق أكتوبر الماضي في شرم الشيخ من عدم ذكر هذه الفكرة أو الإشارة إليها! ولأنها تعرف أنه بعد انسحابها الكامل ستكون غزة ريفيرا بأهلها، ومساعدات دول عربية مثل قطر لإعادة الإعمار. في تقرير أخير لوزارة الصحة في غزة في السابع والعشرين من هذا الشهر ديسمبر، أعلنت أن عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر الماضي، قد بلغ أربعمائة وعشرة مواطنين، وإصابة ألف ومائة وأربعة وثلاثين أكثرهم من المدنيين. يحاول نتنياهو دائما أن يعرقل الخطوة الثانية من اتفاق أكتوبر الماضي. ورغم أنه زار أمريكا هذا العام 2025 خمس مرات لا فائدة. يزورها هذا الأسبوع لبحث مستقبل قطاع غزة، وتلقّي الضوء الأخضر للهجوم على حزب الله في لبنان وإيران، التي يقول إنها قطعت شوطا في تنمية الصواريخ البالستية. سيعود نتنياهو ناسيا أيْ حديث عن غزة مع ترامب، ومسألة حزب الله لا يحتاج فيها إلى ضوء أخضر فهو يفعلها. إيران هي المسألة التي يريد أن يلهي أمريكا بها عن غزة، خاصة بعد أن أبلغ ستيف ويتكوف مبعوث ترامب الإسرائيليين منذ أيام، بضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق أكتوبر الماضي، أو ما تم إعلانه منذ يومين أن ترامب أخبر نتنياهو أنه في الخامس عشر من يناير القادم، سيعلن عن تنفيذ للمرحلة الثانية التي تشمل تأسيس هيئة دولية للإشراف على غزة. لسنا في حاجة إلى إدراك أن ما يقال عن خشية اسرائيل من الضغط الأمريكي هو أمر للاستهلاك المحلي، فإسرائيل تراهن على اللوبي الصهيوني بأمريكا، وأن ترامب سينشغل بقضاياه الداخلية. نتنياهو لا يزال يلوذ بفكرة شعب الله المختار، التي أعلنها كثيرا، وإن توقف عن ترديدها الآن. فضلا عن أنه يريد مكاسب أكثر له ولحزبه في الانتخابات القادمة في 2026. مصيره هو هدفه وليس نهاية احتلال غزة. لن يعارض ترامب بوضوح، وسيعود ومعه عاداته القديمة ليجد الأعذار للمماطلة. قد أكون متشائما وأتمنى أن ينتهي الخداع.
474
| 01 يناير 2026
«آشا – الجعران والقمر» هو عنوان رواية قصيرة، نوفيلا، للكاتبة النوبية سمر نور صادرة عن دار ديوان المصرية هذا العام. سمر نور لها أعمال سابقة، وصحفية بالقسم الثقافي بجريدة الأخبار. الرواية حافلة بالحكايات الأسطورية عن النوبة وأهلها. تبدأ الراوية حكاياتها بالحكمة النوبية التي تقول، إن الرواية «حكاية من الله». فيرد القارئ « خير.. خير من الله». إذن سنرى الخير رغم ما سنراه من لعنة حلت بأهالي القرية النوبية حين أيقنوا أن ذريتهم خلت من البنين. فكل من تم إنجابهم قبل خمس سنوات من الأحداث كانوا من الإناث. تبدأ شخوص الرواية في الظهور. نوري كبير القرية وزوجته «فاتي» وغيرهما. نوري صانع تروس السواقي حملت منه زوجته «فاتي» عشر مرات منذ تزوجت في التاسعة من عمرها. مات كل أبناؤه فصعد حزينا إلى المغارة، أو كهف الجعارين في الجبل، وأنجبت فيه زوجته «فاتي» الطفلة «آشا». كيف مات بعض أبنائه في حروب بين المماليك ومحمد علي، وكيف كادت النوبة تخلو من أهلها بسبب هذه الحروب.. نحن إذن في تاريخ قديم تعيده سمر مجسدا. تمشي الرواية بحكايات شخصياتها، وحكايات الأطفال، وألعابهم النوبية في اليابسة والنيل. منها حكاية الجعران والقمر. فحين تمنت الخنفساء – الجعران - المغرمة بالقمر منه الزواج، وافق بشرط أن تطهر الأرض من فضلات الإنسان والحيوان. فعلت ذلك وعادت تسأله متى نتزوج، فطلب منها أن تجمع آثام البشر وخطاياهم، ففعلت ذلك وعادت تسأله، فطلب منها أن تدفع قرص الشمس بعيدا عنه حتى يستطيع رفعها إلى السماء جواره، ففعلت ذلك واكتمل القمر، لكنه لم يلتق الشمس ولا الخنفساء حتى يومنا هذا. بالمناسبة الجعران في الأساطير المصرية القديمة هو إله الخصوبة، وله تمثال في معبد الكرنك تطوف حوله النساء أملا في الحمل والولادة. تلخص الحكاية هنا مسيرة البشرية في الأمل وتتجسد فيما سيأتي من أحداث. فحين يتزوج كرم ابن القرية الأخرى من «آشا» التي صارت صبية، يتم مقتل أبيها، ويختفي كرم في النيل مع غريمه في حبها، بعد أن تم اتهامه بمقتل الأب لخلاف بينهما وهو بريء. النيل تأتي منه حكايات مبهرة وتظهر منه لآشا مخلوقات شريرة يسمونها «أمَن دوجُر». كذلك أمانجي الجميلة وفتيات الأمانجي اللاتي يحرسن النهر من المخلوقات الشريرة. عرفت «آشا» بمقتل أبيها وطُلب منها أن تقتص له. حيرتها هل تقتل كرم وقد صارت حاملة منه. أنكر كرم ذلك قبل اختفائه في النيل. كان في القرية عجوز هو «غلّاب» يعرف من متابعته للنجوم والأبراج، مصائر البشر أو أفعالهم، وكان السؤال له من آشا بعد مقتل أبيها «نوري» شيخ القرية هل ستنتهي القرية، وتحل اللعنة على الجميع من جديد. قال «الليل سيطول لأن الحزن لن ينتهي، والنهار سيطول لأن الفرح قادم، والليل والنهار لن يتعاقبا، بل سيسيران بجوار بعضهما، وهذا قدرك». انتهت الرواية بدخول «آشا» كهف الجعارين من جديد الذي فيه وُلدت وهي الآن حامل.. أنجبت «آشا» طفلا ذكرا هو أحمد. انتهت اللعنة القديمة واختفي سببها وقام الجعران بتنظيف الأرض من الخطايا. تقول الراوية « الخضراء لنا واليابسة لكم يا سكان عوالم السحر فلتنصرفوا إلى عوالمكم من دون إيذائنا. كومان كوماه!». وكأن كل ما مضى كان سحرا، وبالفعل كتبته سمو نور بلغة ساحرة، تجسد كل حكاية حقيقية كأسطورة، وكل أسطورة كحقيقة، في لغة رسام محترف للوحة باهرة، معلنة في النهاية أن الأمل باق والفرح قادم. « كومان كوماه» النوبية تعني الفرح رغم أي شيء.
459
| 25 ديسمبر 2025
قضيت عمري لا احتفل بيوم ميلادي رغم أنه يوم رائع لكل عائلة، ظل الاحتفال دائماً في نطاق الأسرة منذ طفولتي، وبعد أن تزوجت وأنجبت، ابتسم معهم ولا أقلل فرحتهم، بينما أغنية فريد الأطرش «عدت يا يوم مولدي. عدت أيها الشقي» تمشي معي. لا أعرف سبب ما تركته هذه الأغنية في نفسي، رغم معرفتي بعشرات الأغاني الجميلة عن يوم الميلاد. هل هي كلماتها، أم صوت فريد الأطرش المفعم بالشجن، حتى وهو يغني للحب فرحا. اتسعت الدنيا بالسوشيال ميديا، فكنت أغلق صفحتي عليها كل عام يومين أو ثلاثة حتى يمر اليوم. مذكرا نفسي ضاحكا بالمقولة الشعبية المصرية» ليه يابا قبل ميلادي بتسعة شهور ما راحتش عليك نومة!» هذا العام نسيت أن أخفي صفحتي، فملأت التهنئة الفضاء، وامتلأ البيت بالزيارات من الأحباء، ودعيت للاحتفال في جريدة الأخبار ودار نشر الشروق المصرية. دُعيت أيضا للاحتفال في أكثر من مكان، لكني اعتذرت مكتفيا بهما، فالبيت أجمل ملاذ لي الآن. كلمة الآن تذكرني بعمري. انتهيت من التاسعة والسبعين وبدأت الثمانين. كيف صرت أرى العالم حولي وأمامي. هل حقا أستطيع أن أتأمله بشكل أفضل. هل في مثل هذا العمر تقف عند الآراء الجميلة، ولا تري الأحداث من حولك. كم من الآراء الجميلة قرأتها في كتب الفلسفة عن المدينة الفاضلة. لكن من يدير عجلة هذا العالم حقا؟ أين ما كتبه الفلاسفة أمام المدينة التي يقيمها حكام الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا وألمانيا وإنجلترا أو حتى فرنسا. هل ذهب ما كتبوه هباء أمام عجلة الرأسمالية الجشعة، أو حتى الاشتراكية التي حصرت مزاياها على قادة حزبها. في هذه البلاد وغيرها أعرف أنه يوجد من يحاول تصحيح مسارها السياسي، لكن هذا داخل بلادهم. ما هو موقعنا نحن في العالم العربي عندهم، بينما يطلقون زمام دولة مثل إسرائيل تفعل ما تريد من إبادة لأهل فلسطين رغم أيّ اتفاقات. وبعيدا عن الهم العام يزداد رحيل الأحباء كل يوم. يرحل ناشر مصري هو محمد هاشم الذي كان له ولداره للنشر «ميريت» اسهام فارق فيما تنشر، أو العمل السياسي قبل وبعد ثورة يناير 2011. يرحل الدكتور محمد صابر عرب أستاذ التاريخ والحضارة صاحب المؤلفات الرائعة، وكان من أنبل من قابلت في الحياة. أسماء كثيرة للراحلين من العرب التي أسعدتني الحياة بقراءتهم أو لقائهم. أرى إشارات كثيرة على الفيسبوك بأعياد الميلاد. لا أتأخر في التهنئة لكن يقفز السؤال. لماذا يكون التأثر بالرحيل أكثر فيملأ الحزن الفضاء. هل لأنه إنذار بما سيأتي خاصة مع التقدم في العمر. الحقيقة لا أشغل نفسي بالموت. بل مع كل أذان أسمعه أشعر أني أصعد معه إلى السماء. بالصدفة قرأت للشاعر والصحفي السعودي النبيل هاشم الجحدلي رأيا للفنانة السويدية إنجريد بيرجمان، التي كانت أفلامها أجمل زاد لجيلي في حياته، تقول فيه:» التقدم في العمر مثل تسلق الجبال، ستكابد قليلًا ولكن المنظر من الأعلى أفضل بكثير». أسعدني الرأي رغم معرفتي أنه لا حقائق مطلقة في الأمور الإنسانية، فالنوستالجيا قد تستيقظ وتأتي غالبا بالشجن.. انتهيت في الفترة الأخيرة من رواية قيد النشر، كتب بطلها المتقدم في العمر ويعيش وحيدا، على صفحته في الفيسبوك» لو كان الحزن رجلا لقتلته» فتم إغلاق حسابه. تساءل في دهشة هل صار الحزن شريكا لمارك زوكربرج صاحب الموقع. ثم تجسد له الحزن وأخذه في رحلة ليرى كيف أرهقته أفعال البشر، وأنه بريء مما يحدث في العالم.
348
| 18 ديسمبر 2025
كتبت من قبل عن المعاني العابرة للزمن في بعض الأساطير الإغريقية. أسطورة كعب أخيل وكيف أن لكل انسان نقطة ضعف مهما بلغ في حياته من القوة والجبروت، وأسطورة أوديب وكيف لا تقوم البلاد على إثم وخطيئة. هذه المرة قفزت إلى روحي اسطورة صندوق باندورا. الحكاية ببساطة هي أن زيوس رب أرباب الإغريق أهدى إلى باندورا، صندوقا بين مجموعة من الهدايا وحذرها من فتحه. كان الصندوق يحتوي على كل الشرور. لكنها في لحظة، وتحت وطأة حب الاستطلاع فتحته، فخرجت منه كل الشرور تملأ العالم ولم يخرج الأمل. الأمل باقي، وإلا ما تقدمت الحياة رغم كل الشرور التي عرفها التاريخ، بل هو حافز من أصابتهم كل الشرور إلى الحياة. أعرف ما مر على الأرض من شرور صنعتها الطبيعة من أعاصير وزلازل وفيضانات، فشكل الكرة الأرضية الآن ليس هو شكلها من مئات الآلاف من السنين. حقا استقرت على القارات الخمس، والبحار والمحيطات والسهول والوديان والمناجم والجبال المعروفة، لكنها لا تزال تعاني من مُفاجآت مثل الزلازل والأعاصير يدفع البشر ثمنها، ويستطيعون في النهاية المرور منها رغم الخسارات. في المقابل فالتاريخ يتحدث عن شرور كثيرة قام بها البشر مثل الغزوات والحروب. المقارنة بين الانسان والطبيعة تنتهي إلى صالح الطبيعة التي صار الانسان خبيرا بها، فهي لا تفعل ذلك قصدا، ولا حب استطلاع، بل للأسف يساهم الإنسان في تغييرها سلبا بما يجريه عليها من صناعات تلوث الفضاء، واعتداءات على مياهها وخضرتها فضلا عن الحروب. آخر ما نراه أمامنا هو ما جرى ويجري في غزة التي فتحت الدولة الإسرائيلية صندوقها القديم بأفكارها. تظل اسرائيل هي أكثر من فتح صندوق باندورا في التاريخ الحديث، ولا تدرك أن الأمل في صندوقها وهم. نفس ما جرى في أوروبا من النازية وهتلر ودمار بلاد كبير مثل روسيا وألمانيا نفسها، وما حدث في اليابان بعد القنبلة الذرية الأمريكية، والأمل دائما في الشعوب صاحبة الأرض ومنهم شعب فلسطين. أحاول الابتعاد عن هذه الحقيقة الواضحة للعالم لكني حين أنظر حولي في عالم السوشيال ميديا أرى كثيرا جدا من الشرور، سواء كان أصحابها يدرون أم لا. يكتبون حبا في الاستطلاع أم يقصدون. أعرف إنها تجسيد كبير للتفاهة، لكن كثيرا منها يقوم على الكذب. أتجاهلها وأترك نفسي كما تعودت أسيرا لقراءة الكتب الهامة لكن يظل السؤال. لماذا حقا يعتقد البعض أن ما يقولونه هو الحقيقة المطلقة، بينما مسيرة البشر هي البحث عن الحقيقة، والا ما تغيرت نظم الحكم والحكام، وما تغيرت النظريات العلمية. النظريات العلمية التي حين تظهر تبدو نهاية العلم، لكن كما قال يوما الفيلسوف كارل بوبر أن النظرية العلمية الحقيقية هي ما يقبل الكذب. والكذب هنا يعني أن تأتي نظرية أشمل وأكثر دقة، ولنا في قوانين الجاذبية التي توسعت فيها نظرية النسبية، ثم أتت نظرية الفيمتو ثانية أكثر شمولا ودقة. قضايا كثيرة حولي تتفجر بين شخصيات من دول عربية مختلفة ومصريين، يتهم فيها البعض الآخر ليميزوا دولهم عن غيرها. من حق كل انسان أن يميز دولته، لكن لا يعني تخلف دولة أخرى أن شعبها يستحق المعايرة بذلك. ولا يجب على الناحية الأخرى تمييز شعب على آخر، فأي شعب ليس صندوقا واحدا. وصم شعب آخر بالتخلف في سلوكه أمر صعب، فالشعوب تدفع ثمن تقدمها. لا يجب أن نغفل هذه الحقيقة. نتركها لأصحابها فهم الأدري بما هم فيه.
327
| 11 ديسمبر 2025
أعرف أحمد المديني الكاتب المغربي الذي يعيش في باريس، وكم هو مبدع رائع ومفكر، له من الكتب الفكرية والنقدية وأدب الرحلات والروايات والمجموعات القصصية، ما زاد على الأربعين كتابا تستحق كل احتفاء وتقديرا. من محاسن الصدف أن خوارزميات الفيسبوك التي تمنع عني أسماء كثيرة لا تمنعه، فأراه كثيرا يتابع الإبداع والفكر العربي في مقالات رائعة ولكل الأجيال. هكذا هو دائما. أخذتني تغريدة أخيرة له ملأت الفضاء بالتأملات أمامي، وبرحلتي رغم أنها ليست عني، وبرحلة كل مبدع أو مفكر صادق مع نفسه، لا يتصور أنه أول ونهاية العالم. تقول التغريدة: «إنك تعبر في الحياة بثلاث مراحل: اعتقادك أنك سوف تغيِّر الدنيا؛ إيمانُك بأنك تغير الدنيا؛ والثالثة، وأنت تتأكد أن الدنيا قد غيّرتك - ج. ب. سارتر- إذا أضفت مرحلة رابعة، ومختلفة، فقد صنعت حياةً أخرى. هذا بعض طموح الأدب، ومن أوهام الأدباء- وهمي!» أتوقف في البداية عند الثالثة، وهي قول جان بول سارتر « وأنت تتأكد أن الدنيا قد غيرتك» أعادت إليّ قراءاتي القديمة في الوجودية التي أعانتني على احتمال الحياة التي جئنا إليها دون إرادة منا، وسنغادرها دون إرادة منا، وبين الحياة والموت فالآخرون هم الجحيم. تجليات ذلك في الأدب العالمي كبيرة يطول الحديث عنها، رغم أن سارتر غير موقفه فيما بعد وتحدث عن الأدب الملتزم. لكن تظل المعاني الأولى التي توسع فيها سارتر، والتي ظهرت بداياتها عند فلاسفة مثل هايدجر، زادا لا يدعو إلى اليأس كما يتصور البعض، رغم أن تجلياتها الكبرى جاءت في مسرح العبث، ولذلك حديث طويل. ساعدتني الوجودية رغم انتمائي يوما لليسار على تجاوز الآلام، حتى ولو في انتظار ما لا يأتي، وظهر هذا المعنى في كثير من شخصيات رواياتي وقصصي القصيرة. أعود وأقف عند المرحلة الرابعة التي أضافها الصديق أحمد المديني والتي يعتبرها وهمه الخاص وهي قوله: «إذا أضفت مرحلة رابعة، ومختلفة، فقد صنعت حياةً أخرى. هذا بعض طموح الأدب، ومن أوهام الأدباء- وهمي!» أيقظ هذا الوهم المضاف حقائق قد تغيبها زحمة الحياة. ما أكثر القراء الذين لا تعرفهم وقت تغيرت حياتهم بعد أن قرأوا لك. السوشيال ميديا الآن تجعلك تطل صدفة على بعضهم يعترفون لك بذلك فتغمرك السعادة، لكن أيضا أضيف، هل كان كاتب مثل سوفوكليس وهو يكتب مسرحية «أوديب» في العصر اليوناني يعرف أن قارئا أو كاتبا سيأتي بعد قرون يتأثر بالمعاني العميقة للحكاية، وهي أن البلاد لا يمكن أن تستمر على ذنب ارتكبه حاكمها حتى لو لم يكن يعرف، مثل أوديب الذي قتل أباه وتزوج أمه وهو لا يدري فحل الوباء بالبلاد. هذا ما صرت أؤمن به فضلا عن حبي للمسرح. هل كان بوريس باسترناك وهو يكتب روايته «دكتور زيفاجو» في نهاية الخمسينيات، يعرف أن كاتبا مثلي سيأتي بعد أكثر من خمسين عاما ليختار لبطلة روايته» الإسكندرية في غيمة» اسم «يارا» مضاهيا اسم «لارا» في روايته الفذة دكتور زيفاجو، ويجعل بطلها يكتب لها شعرا بعد أن فرق الظالمون بينهما وهو قيد الاعتقال. هل كان يعرف كتاب العالم أنهم يجعلون القارئ يطوف العالم مع أعمالهم، وهو أمر لو تم حقيقة يحتاج إلى أموال طائلة. أمثلة كثيرة أجعل نفسي مثلا عليها يمكن أن أحكيها، تلخص كيف جاءت أفكاري وقدرتي على الكتابة، من كتاب لم أعاصرهم غرباء ومصريين. وهكذا فالوهم الذي يضع أحمد المديني بعده علامة تعجب هو الحقيقة حتى لو لم يدركها صاحبها، وتظل عابرة للزمان.
438
| 04 ديسمبر 2025
شاع منذ ربع قرن تقريبا مقولة زمن الرواية. بسبب انتشارها الأكبر في كل العالم. عام 1985 كتبت مقالا في جريدة المصور، أو مجلة الهلال المصرية لا أذكر بالضبط، قلت فيه إن الرواية هي ديوان العرب، قبل أن تنتشر مقولة زمن الرواية. كنت أدرك ما يحدث في العالم، وخاصة مصر بعد حرب أكتوبر عام 1973، والتحولات التي بدأت في الحياة المصرية وكيف هي مادة لا تنفد للحكايات. لست ضد مقولة زمن الرواية حتى الآن، بمعني الإقبال على كتابتها، والانتشار الذي يتجلى في الجوائز العربية مثلا أو الترجمات. لكني ضد تصور أن الرواية أفضل من الشعر، مما يجعل حركة النشر فيه أقل، وكذلك الجوائز. الحاصل أن الشعر قطع مراحل عديدة في التجديد، تماما مثل الرواية، لكن انتهي بقصيدة النثر، التي هي أقل تأثيرا حين تُلقى في لقاءات شفاهية، كما كان يحدث مع كل أشكال الشعر السابقة عمودية أو حرة. هكذا صارت قراءة الشعر الأفضل في البيوت مع الوحدة والتأمل. ذلك لا يقلل أبدا من قيمة الشعر، الذي هو في التاريخ أسبق من الرواية. الملاحم اليونانية أو المصرية القديمة أو الأشورية وغيرها كانت شعرا، وإن كانت ترجماتها العربية نثرا. فضلا عن ترانيم الحب والحياة وغيرها. يعتبر الكثيرون أول ظهور للرواية كان مع رواية «دون كيخوتة» للإسباني ميجيل دي سرفانتس عام 1605، لكن الشعر الذي هو أقدم لم يظهر في الملاحم القديمة ولا الترانيم فقط، لكن أيضا في سائر الفنون. كل ما أنجزه الفنانون القدماء من تماثيل أو معابد كان يعبر شعريا عن فكرة ومعنى لا يدركها إلا الحصيف. هكذا الشعر يُعنى بالمعاني الغائبة دائما حتى لو صار شعرا عاميا أو نبطيا عن قضايا اجتماعية حولنا، فالشجاعة تخرج بالشاعر عن المألوف. هكذا صار الفن التشكيلي نحتا أو رسميا تجسيدا شعريا لمعانٍ عظيمة بشكل غير مباشر. عرفت الرسوم أماكنها في الخلاء وأماكنها في الكنائس والمعابد والمساجد وكل دور العبادة، فكانت التعبير الشعري عما هو غائب. هل ننسى مثلا حكاية المعلقات العربية من الشعر قبل الإسلام، التي قيل إنها كانت تكتب بماء الذهب وتعلق على الكعبة، التي كانت مزارا دينيا قبل التوحيد أيضا. من أجمل ما قرأت رأيا ليحيي حقي في الشعر وأهميته عابرة الزمن، يضرب فيه مثلا بالمؤرخين الباحثين عما هو غائب في التاريخ. هم يبحثون عن معانٍ غائبة تماما مثل الشعراء. كذلك العلماء يكتشفون نظريات علمية جديدة بحثا عما غاب من قبل عند غيرهم. هكذا يكون المؤرخ والعالم وأي باحث، في مسيرته شاعرا يبحث عما هو غائب حتى وإن لم يكتب الشعر. هكذا صار الشعر هدفا للفنون والعلوم كلها معا. هذا يعيدني إلى فكرة زمن الرواية التي هي حقيقية شكلا، لكن الرواية عند الكاتب الموهوب أيضا بناء فني شعري يظهر في تعدد لغات الشخصيات، وأثر المكان أو الزمان عليها، وتعاقب الفصول، وتعدد ضمائر الحكي، مما يعكس معاني قد تغيب عن القارئ العادي لكنها لا تغيب عن الناقد الحقيقي. لماذا أكتب هذا المقال؟ لأني اقرأ كثيرا جدا من الأشعار الرائعة والدواوين، وأسمع ما يقال عن أزمة نشر الشعر، التي تكون فيها قلة المبيعات قياسا على الرواية. ليس هذا عيبا في الشعر. لكن كما قلت لأن الشعر قطع شوطا في التطور، فصارت قراءته تحتاج انفرادا لا تجمُّعا بين الناس فقل قراؤه. لكن عبر التاريخ يتسع الشعر فيكون ديوان الروح الإنساني عبر كل الفنون.
525
| 27 نوفمبر 2025
أقرأ كثيرا عن مواعيد أيام عالمية اعتمدتها منظمة الأمم المتحدة للاحتفال بها، آخرها اليوم العالمي للتسامح في السادس عشر من هذا الشهر «نوفمبر». تقريبا لا يمر شهر إلا وبه خمسة عشر يوما للاحتفال. يبدو الأمر أكبر من طاقتي على الاستيعاب، لأن كثيرا من هذه الأيام لا تتحقق على الأرض. كيف مثلا يكون لدينا يوم للاحتفال بالمساواة، بينما قضايا كثيرة يناقشها مجلس الأمن قد تنتهي إلى لا شيء، بسبب نظام المجلس نفسه، الذي به حق الفيتو أو الاعتراض من خمس دول، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين. اعتراض على ما تتفق عليه بقية الدول مهما كانت الأغلبية للمتفقين. جاء هذا الحق تحت مظلة ضمان موافقة القوى الكبرى على القرارات الهامة، وحفظ التوازن الدولي. كيف لا تساوي الأمم المتحدة بين أعضائها، وهي التي تعتمد اليوم العالمي للمساواة. لقد شاهدنا أكثر من مرة الفيتو الأمريكي على أي قرار إدانة لإسرائيل. أي عاقل يدرك أن هذا الاعتراض الأمريكي ليس لحفظ التوازن الدولي، كما يقال تبريرا لحق الفيتو، لكنه رضوخ في السياسة الأمريكية لتأثير اللوبي الصهيوني بالولايات المتحدة. لن أتحدث عن أيام عالمية مثل اليوم العالمي المرأة أو الطفولة أو التعايش السلمي وغيرها، التي دائما تجعلني أسأل نفسي، في أي البلاد يكون الاحتفال بهذه الأيام ونحن نرى ما يحدث في العالم من حروب. حتى في الغرب منبع هذه الاحتفالات لا يمكن أن نصدق المساواة مع المرأة بشكل مطلق ولا حقوق الأطفال. لقد قرأنا وعرفنا مثلا ما اشتهر بفضيحة «جزيرة المتعة» التي كان وراءها الملياردير ورجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، المتهم بإدارة شبكة للدعارة، واستغلال منازله وجزيرة كان يملكها، لارتكاب جرائم جنسية ضد فتيات قاصرات وأطفال وتجنيد أخريات لتوسيع شبكته. ظهرت القضية للعموم أول مرة عام 2005 وتم الكشف عن وثائق أثبتت تورط شخصيات سياسية وفنية أمريكية وعالمية. ورغم انتحاره عقب اعتقاله للمرة الثانية عام 2019، فإن القضية بقيت متفاعلة بعده، وأحدثت ضجة في المجتمع الأمريكي والعالم. كيف كانت هناك أسماء شهيرة بعضها لا يزال يمارس حياته السياسية. بل بعضهم لا يزال يتحكم في سياسة العالم. سأترك هذا كله وأقف عن اليوم العالمي لمحرقة اليهود علي يد هتلر، المحدد له السابع والعشرين من يناير كل عام، كيوم عالمي لإحياء ذكرى المحرقة. لم نسمع عن يوم عالمي يحمل اسم مجزرة من المجازر التي أقامتها إسرائيل للفلسطينيين منذ النصف الأول من القرن الماضي وبعده، مثل مجزرة قلقيلية وكفر قاسم وخان يونس وغيرها كثير قبل وبعد. ننسى ذلك كله ونتذكر غزة. ألا يستحق ما جرى في غزة أن يكون هناك يوم لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية التي فاق ضحاياها المائة وخمسين ألفا وجرحاها مئات الألوف، وغير ذلك من تجويع وغيره. هل يتم اعتبار ما حدث في غزة مسألة طبيعية كرد فعل على ما جرى من حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، وكأن هناك جيشين بحق قاما بالحرب معا، بينما ما جرى أحد مظاهر المقاومة الوطنية. هل فشل إسرائيل في الوصول إلى جنود حماس مبرر كاف للإبادة الجماعية لأهل غزة المدنيين من نساء وأطفال وكبار السن وغيرهم. لماذا لا تعتمد الأمم المتحدة هذا اليوم أو حتى اليوم الثالث عشر من أكتوبر تاريخ اجتماع قمة شرم الشيخ، التي حضرها قيادات لها قيمتها من العالم، وبعدها لا تزال إسرائيل تماطل في أشياء كثيرة وتقوم بالغارات والتجويع ولا اعتبار لهذا اليوم.
939
| 20 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...
4989
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...
2148
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...
987
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...
750
| 04 فبراير 2026
انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...
645
| 04 فبراير 2026
تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...
618
| 05 فبراير 2026
أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...
603
| 03 فبراير 2026
ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن...
486
| 03 فبراير 2026
لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...
453
| 08 فبراير 2026
يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»،...
450
| 03 فبراير 2026
«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...
402
| 05 فبراير 2026
الثاني من فبراير 2026م، ليلة النصف من شعبان...
390
| 09 فبراير 2026
مساحة إعلانية