رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد فحتى يمن الله علينا بالقبول، ويُؤتي نفوسنا تقواها تلك هي الثمرة المُتوخاه من وراء الصوم لقوله تعالي " ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "[1] والتى كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يدعو ربه أن يُؤتيه إيَّاها فيقول " اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها أنت وليُّها ومولاها " فلا بدَّ لنا أن نعقل ونَعِيَ أن الهدف من الصوم .إنما هو التهذيب للنفس والتأديب للطبع وذلك بِصيام الجوارح وكفهاعن المحارم. وإمساك سائر الأعضاء عن المحرَّمات أبداً انطلاقاً وامتداداً لهذا الإمساك المؤقت للبطن والفرج في نهار الصوم كما قال تعالي "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثًمَّ أتموا الصيام إلى الليل ولا تُباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد "[2]. ومن هنا فإن لكل جارحة صومها الخاص بها ولكل عضو إمساكه ونعنى بالأعضاء هنا "اللسان واليد والعين والرجل والبطن والفرج والقلب "فالمسلم إن أمسك عن الطعام والشراب من طلوع الفحر إلى غروب الشمس أو قُل أَمَسَك عن شهوتي البطن والفرج ولكنه أطلق للسانه ولسائر جوارحه العنان فوقع في المُحرَّمات وانتهكالحرمات فإنه يُحبط أجر صومه ويُبطل عمله قال تعالي " ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تُبطلوا أعمالكم "[3]
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش , ورب قائم حظه من قيامه السهر"[4].
إذ ينبغي للمسلمالصائم في حركته اليومية وحياته العملية، الكثير من التحفظ والتوقي والحذر حتى لا يبوء من صيامه بالجوع والعطش ومن قيامه بالسهر والتعب إذ الأصل في الصوم الإمساك عن كل ما يفسد الصوم
عن طليق بن قيس قال: قال أبو ذر: إذا صمت فتحفظ ما استطعت وكان طليق إذا كان يوم صومه دخل فلم يخرج إلاَّ لصلاة.][5] هذا التحفظ يُكسب المرء الوقار والزينة والاتزان وتتجمع مخايل الشخصية المسلمة الحقة، ولا يستويان أبدا الصائم المستصحب لمعية الله واللاهي اللاعب . كما لا يستوى أبدا من أمضى ليله ساهرا لمشاهدة التمثيليات والأفلام، وآخر أسهر القرآن الكريم ليله،"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ"[6]وعن إجمال هذا التحفظ، ليقع القبول للصوم ؛ قال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء[7].
وهاك ما ينبغى أن تكون عليه في يومك وليلك حتى يقع لك القبول وتتأتى لك التقوى تلك الثمرة المرجوة من وراء الصوم ونبدأ بالقلب لأهميته بين سائر الجوارح ففى الصحيح عن النّعم انبنبَشيرٍ - رضي الله عنهما- يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "الحَلالُ بَيّنٌ, وَالحَرامُ بَيّنٌ, وَبَيْنَهما مُشَبّهاتٌ لا يَعْلَمُها كثيرٌ منَ الناسِ. فمنِ اتّقىَ المُشَبّهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِه, ومَنْ وَقَعَ في الشّبُهاتِ كراعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمىَ يُوشِكُ أنْ يُواقِعَه. ألا وإِنّ لِكلّ مَلكٍ حِمى, ألا إِنّ حِمَى اللهِ مَحارِمُه. ألا وإِنّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلّه, وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كله, أَلا وهِيَ الْقَلْبُ"[8].
وسبيل استقامة الإنسان استقامة قلبه أوَّلاً فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "لا يَسْتَقِيمَ إيمانُ عَبْدٍ حَتّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلاَ يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حتى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, ولا يَدْخُلُ رَجُلٌ الجنة, لا يأمَنْ جَارُهُ بوَائِقَه"[9].
وهذه المُضغة بمثابة الملك أو الحاكم وسائر الأعضاء له جنود يأتمرون بأمره كماقيل
إذا حلَّت الهداية قلباً نشـــطت في العبادة الأعضاء .ليس الإيمان بالتمنى ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل وكما أن القلب مصدر الحياة ماديَّاً بسبب ضَخِّه الدم لسائر الأعضاء وبه تكون الحياة المادية ؛ فكذلك به تكون حياة الروح وفاعلية الإيمان في حركة المسلم اليومية . وكثيرة هي الآثام الباطنة التي تقع بهذه المضغة وقد أمرنا الله تعالي بِترك كل إثم ظاهراً كان أم باطناً قال تعالي " وذروا ظاهر الإثم وباطنه "[10]
ومن هذه الآثام التي يجب أن نغسل قلوبنا منها مايلى:
أولا: صوم القلب
1.الكبر : وهو بطر الحق وغمط الناس والاستخفاف بهم . في الحديث الصحيح ما يُشير إلى حُرمة الكبر وكونه سبباً في الحرمان من دخول الجنة في الصحيح عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرّةٍ مِنْ كِبْرٍ" قَالَ رَجُلٌ: إِنّ الرّجُلَ يُحِبّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنا, وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: "إِنّ الله جَمِيلٌ يُحِبّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقّ وَغَمْطُ النّاسِ"[11].
في الحديث ما يشير إلى ما وضعه الرسول - صلي الله عليه وآله وسلم - من علاج لبوادر الكبر وبواعثه في النفس ومنها أنه - صلي الله عليه وآله وسلم - وجد أُناساً يسيرون خلفه فيقف ويُقدِّم الناس أمامه حتي لا يسيرون خلفه فتكون من ذا فتنة له وهو المعصوم فما بالك بمن ليس معصوماً .عَنْ أَبِي أُمَامَةَرضي الله عنه - قَالَ: مَرّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم, فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرّ نَحْوَ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ. وَكَانَ النّاسُ يَمْشُونَ خَلْفَهُ. فَلَمّا سَمِعَ صَوْتَ النّعَالِ وقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ. فَجَلَسَ حَتّى قَدّمَهُمْ أَمَامَهُ, لِئَلاّ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ"[12]
2- الأمن من مكر الله تعالي: يجب أن تصوم قلوبنا عن الأمن من مكر الله عـزَّ وجلَّ لأننا لا ندرى بما يُختم لنا فلا يَغرُّنا ما نحن عليه الآن من القيام بأنماط من الطاعة وألوان من العبادة لأنّا لا ندري هل تُقُبل هذا العمل منا أم لا ؟" إنما يتقبل الله من المتقين "[13]. ومن ذا الذي يستطيع أن يقطع لنفسه بالتقوى مع قول الله Y "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"[14]. فالعبرة بالخاتمة كما في الحديث " إنما الأعمال بالخواتيم " هذا هو أبو بكر الصدِّيق على فضله وشهادة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم له مما يطول الحديث لو استعرضناه هنا أقول مع هذا كلِّه يقول لو كانت إحدى قدميَّ في الجنة ما أمنت مكر الله عـزَّ وجلَّ "فلا يأمن مكر الله إلاَّ القوم الخاسرون "[15]
3- الرياء : وهو قصد الوجاهة عند الناس والشهرة بأعمال مشروعة قال تعالي " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يُراؤون ويمنعون الماعون"[16]. وفي الحديث مايشير إلى خطورة الرياء على صاحبه يوم العرض على الله عـزَّ وجلَّ لقد اعتبره رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم شركاً تخوَّفه على أُمته ويوم القيامة لا أجر لهؤلاء المرائين عند الله عـزَّ وجلَّ حيث يُقال لهم اذهبوا إلى من كنتم تقصدونهم بأعمالكم فعند ذلك تكون الحسرة والندامة عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً "[17].
4- الغِلّ : " ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم"[18]. وقد جعل الله تعالي الناس أصنافاً ثلاثة الأول : المهاجرون الثانى : الأنصار وقد فاتنا الصنفان فلم يبق إلاَّ الثالث : وهم : الذين يدعون لمن سبقوهم بالإيمان ويسألونه Uأن يمن عليهم بسلامة قلوبهم من الغل لإخوانهم هؤلاء ومن لم يسلم قلبه من الغل لهؤلاء فقد خرج من الأصناف الثلاثة ولهذا قلنا ينبغى أن تصوم قلوبنا عن هذه الرذيلة . وأفضل الناس من صفا قلبه من هذه الآفات كما جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب, صدوق اللسان". قالوا: صدوق اللسان, نعرفه. فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي. لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد"[19].
5-الحسد : وهو تمنى زوال النعمة عن الغير وأشدُّه أن يتمنى الحاسد أن تزول النعمة عن الغير وحصولها له .والحسد من الكبائر التي تُؤدى إلى التقاطع والتدابر بين أبناء المجتمع الواحد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَن رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِيّاكُمْ وَالظّنّ. فَإِنّ الظّنّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. وَلاَ تَحَسّسُوا, وَلاَ تَجَسّسُوا, وَلاَ تَنَافَسُوا, وَلاَ تَحَاسَدُوا, وَلاَ تَبَاغَضُوا, وَلاَ تَدَابَرُوا, وَكُونُوا, عِبَادَ اللّهِ إِخْوَاناً"[20].
6- الإعجاب بالنفس أو بالرأي : عن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيّلَ وَاخْتَالَ, وَنَسِيَ الكَبِيرَ المتَعَالَ. وَبِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ تَجَبّرَ وَاعْتَدَى, وَنَسِيَ الْجَبّارَ الأَعْلَى. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ سَهَى وَلَهَى, وَنَسِيَ المَقَابِرَ وَالْبِلَى. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَطَغَى, وَنَسِيَ المُبْتَدأَ وَالمُنْتَهَى. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَختِلُ الدّنْيَا بالدّينِ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدّينَ بالشّبُهَاتِ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ هوَى يُضِلّهُ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ رُغَبٌ يُذِلّهُ"[21].
7- محبَّة ما لايُحبه الله تعالي أو المحبة لغير الله تعالي "إن الذين يُحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون"[22]
والحب والكره وثيق الصلة بالإيمان وعظيم الخطر على مستقبل الإنسان بل على آخرته فالمرء مع من أحب كما في الصحيح[23] .وخلاصة القول لا بد من التنبه لهذه المضغة فهي صغيرة الحجم عظيمة الشأن وبها وباللسان يكون الإنسان كما قيل المرء بأصغريه قلبه ولسانه ونكتفى بما طرحناه هنا من آفات هذه المضغة وفيما ذكرنا دليل إلى مالم نذكر من آفاتها ولا بُدَّ لنا مِنْ أن تصوم هذه المضغة عن آفاتها الموبقة حتي تصوم وتستقيم لنا سائر الجوارح.
ثانيا: صوم اللسان
والارتباط بين اللسان والقلب وثيق، والعلاقة بينهما غير مُنْفكَّة ففي الحديث " وَلاَ يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حتى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ," وفي الأمثال (ما فيك يظهر على فيك) وفي الشعر
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما *** جُعل اللسان على الفؤاد دليلاً
لهذا كان حديثنا عن صوم اللسان بعد صوم القلب هذه الجارحة ينبغى أن تصوم عن ما يلى:
1- الكذب : وهو قول غير الحقيقة والواقع. ولا يجتمع الكذب والإيمان في قلب أبداً : قال : أبو بكر - رضي الله عنه - يا أيها الناس إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان"[24]. وفي الحديث مايفيد استبعاد وقوع الكذب من المؤمن عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنّهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: أَيَكُونُ المُؤْمِنُ جَبَاناً؟ فَقَالَ: "نَعَمْ" فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ فَقَالَ: "نَعَمْ" فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ كَذّاباً؟ فَقَالَ: "لاَ"[25]. قد يعترى المؤمن بعض الحالات التى يجبن فيها لكن إذا ووجه بصرامة النصوص وشديد العقاب على التخاذل والجبن والقعود عن نصر الحق وخذلان الباطل نهض من غفوته وهب من نومته، وهذا هو سر التعبير النبوي بتقليل وقوع الجبن من المؤمن، وتقليل وقوع البخل فقد تنتاب المؤمن بعض المشاعر والأحاسيس التى يبخل بسببها ويضن فلا يسخو ولا يجود وإنما يُمسك ! لكن إذا ما تذُكِّر بأليم العقاب وشديد العذاب على البخل والمنع للحق والمستحق ومنها " وأما من بخل واستغنى وكذَّب بالحسنى فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردى "[26] أقول إذا ما ذُكِّر بهذا أسرع فتخلص من البخل والشح وأدَّى ما أوجبه الله عليه. أمَّا الكذب فلا ترخيص فيه ولا تهاون ليقع فيه المؤمن قليلاً فضلاً عن الكثير "إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب "[27]
2- النميمة: نقل الكلام بين الناس لإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس وإيغار الصدور . ولذا استحق صاحبها الحرمان من الجنة لعظيم الأثر الذي يترتب على جريمته ففيها كشف أستار ونشر أسرار فضلاً عن أنها ترمي بفاعلها في بؤرة الفسق وتنأى به عن أعين الصالحين من عباد الله عـزَّ وجلَّ حيث توضع له البغضة في الأرض ويُحرم من القبول إذ الجزاء من جنس العمل ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها عَنْ حُذَيْفَةَ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنّ رَجُلاً يَنِمّ الْحَدِيثَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ نَمّامٌ"[28].
3- السِباب: وهو شتم الغير بما فيه وبما ليس فيه وهو أعظم إثماً من السب فالأخير الشتم للإنسان بما فيه أمَّا السِباب فيكون بما فيه وبما ليس فيه . ولذا من يقع منه السباب يرمى به في دائرة الفسق وربما أحبط عليه عمله كما في الصحيح عن عبداللّهِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "سِبابُ المُسْلمِ فُسوقٌ وَقِتالُه كُفْر"[29].
ومما يؤسف له أن من المسلمين من يتذرع بالصوم ويتخذه مدرجة للتطاول على الناس بلسانه وربما تجاوز ذلك إلى اليد بحجة أنه صائم فأين ذلك من هدي السنة في الصوم وما وجه إليه الصادق صلي الله عليه وآله وسلم عن أبي هُريرةَ - رضيَ اللهُ عنه - قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "... الصّيامُ جُنّة, وإِذا كانَ يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرفُثْ ولا يَصخَب, فإِن سابّهُ أحدٌ أو قاتَلهُ فلْيَقُلْ إِني امرؤٌ صائم. والذي نَفسُ محمدٍ بيدِه لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطْيَبُ عندً اللهِ من رِيحِ المِسكِ. للصائمِ فًرْحًتانِ يَفرَحُهما: إِذا أفطَرَ فرِحَ, وإِذا لَقِيَ ربّهُ فَرِحَ بصومهِ"[30]
4- الغِيبة: أن تذكر أخاك بما يكره في غيابه . وذلك حرام وقد نفَّر القرآن الكريم منها أبلغ تنفير حيث شبه فاعلها بآكل لحم أخيه ميتا، قال تعالي " ولا يغتب بعضكم بعضاً أيُحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم "[31]. في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟" قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ" قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِن كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ, فَقَدِ اغْتَبْتَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ, فَقَدْ بَهَتّهُ"[32].
5- شهادة الزور: قال تعالي "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور "[33] لهذه الآية عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالي عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ الأَسَدِيّ قَالَ: صَلّى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم الصّبْحَ. فَلَمّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِماً. فَقَالَ: "عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزّورِ بِالإِشْرَاكِ بِاللّهِ" ثَلاَث مَرّاتٍ. ثُمّ تَلاَ هَذِهِ الاَيَةَ: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ حُنَفَاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}[34]. ولذا كانت من الكبائر عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الْكَبَائِرَ (أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ) فَقَالَ: "الشّرْكُ بِالله. وَقَتْلُ النّفْسِ. وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَقَالَ: "أَلاَ أُنَبّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟" قَالَ: "قَوْلُ الزّورِ (أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزّورِ)" قَالَ شُعْبَةُ: ظَنّي أَنهُ شَهَادَةُ الزّورِ.[35]
وذلك لما يترتب عليها من 1- تضييع الحقوق 2- وظلم الحقيقة 3- وتبرئة المتهم 4- ونجاة الظالمين والمجرمين 5- وانتشار البغضاء في المجتمع 6- وفقدان العدالة والثقة 7- والإصابة بالإحباط 8- وفقدان الشعور بالأمان لهذا كله وغيره كانت شهادة الزور كبيرة من الكبيرة للأضرار الخطيرة التى تترتب عليها .على كلٍ من الفرد والمجتمع
6- القذف: وهو الاتهام للعفائف والأعفَّة بالفاحشة وهوكبيرة من الكبائر للحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اجتَنِبوا السبعَ الموبقات. قالوا: يارسولَ الله وما هنّ؟ قال: الشركُ بالله، والسّحْر، وقتلُ النفس التي حرّمَ الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتّولي يومَ الزّحف, وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافِلات"[36]. ولقوله تعالي "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون "[37]. ولقوله تعالي "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوافي الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، يوم تشهد عليهم ألستنهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يُوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المُبين "[38]
7- السخرية : قال تعالي " لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراُ منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن "[39]
8- اللغو / وهو كل ما لا فائدة فيه قولاً كان أو فعلاً " قال تعالي " والذين هم عن اللغو مُعرضون "[40]
9- التنابز بالألقاب " المناداة بالأسماء غير المحبوبة قال تعالي : ولا تنابزوا بالألقاب "[41]
10-الطعن واللعن والفحش والبذاءة لقد أمسك النبي صلي الله عليه وآله وسلم عن اللعن حتى عن المشركين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ "إِنّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّاناً. وَإِنّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً"[42]
عن أنسٍ قال: "لم يكنْ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم فاحِشاً ولا لَعّاناً ولا سَبّاباً, كان يقولُ عند المعتَبة: مالهُ ترِبَ جبينُه"[43].
هذه أخلاق رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فما بالنا نتجاوزها ؟! وهو محل القدوة والأسوة قال تعالي "لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً "[44]
هذا طرف من آفات هذه الجارحة التى تُورد موارد التهلكة على النحو الذي أصَّلنا وفصَّلنا حتي يأخذ المسلم حذره وهو يُمسك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات المادية فلا يضيع ذلك عليه سُدى
ثالثا: صوم العين
وهذه جارحة ثالثة لها خطرها وعنها يُسأل المرء يوم القيامة قال تعالي " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً"[45]
ومما ينبغى أن تُربي عليه هذه الجارحة مراقبة الله تعالي الذي "يعلم خائنة الأعين وما تُخفى الصدور "[46] وصومها يكون عما يأتي:
1- النظر إلى العورات
2-نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية أو نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي عنها والمقصود بالأجنبي من يحل للمرأة التزوُّج به …قال تعالي " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم "" وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن "[47]
3- مطالعة ما ليس بإسلامي. لقوله تعالي "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً"[48]
4- مشاهدة ما يدعو إلى الإباحية والتحلل
5- النظرة التي تُدخل الرعب والروع في نفس مسلم
6- النظر في الأوراق الخاصة للآخرين كالأجندة وغيرها مما لها صبغة السرِّية ويغلب عليها الطابع الشخصي
رابعا: صوم الأذن
وذلك يكون بكفها عن
1-سماع اللغو فقد قال تعالي " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم "[49]
2- سماع الكذب فقد ذمَّ الله تعالي قومًافقال " سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت"[50]
3-سماع الغيبة "المغتاب والمستمع شريكان في الإثم"
4. سماع النميمة وهي نقل الكلام بقصد إيقاع العداوة والبغضاء بين المنقول عنه والمنقول إليه الكلامعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر , قال : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: مال فقسمه، قال : فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله، ما أراد محمد بقسمته وجه الله , ولا الدار الاَخرة , فتثبتّ حتى سمعت ما قالا، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا: لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، قال: فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشق عليه، ثم قال : دعنا منك فقد أوذي موسى أكثر من ذلك ثم صبر"[51]
5- التجسس . تتبع عورات الناس والاستماع إلى حديثهم ونجواهم ومُحاولة كشف ما ستروه واستخفوا به من المحرمات قال تعالي "ولا تجسسوا"[52]
6-سماع الباطل والأغاني قال تعالي "ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا"[53]
خامسا: صوم اليد
وهذه الجارحة لها صومها أيضاً فمما ينبغىأن تصوم عنه ما يلي:
1- البطش والإيذاء للمؤمنين بغير حق وهو كبيرة من الكبائر قال تعالي " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثماً مبيناً "[54]. إن من علامات الإيمان عند المسلم أن يكون الناس في مأمن من شرِّه عن عبدِ اللّهِ بن عَمْرٍو رضي اللّهُ عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمونَ مِن لِسانِهِ وَيَدهِ, والمهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللّهُ عنه"[55].
2- الغلول قال تعالي " ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة ثُمَّ تُوفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون "[56]. لقد أحجم النبي صلي الله عليه وآله وسلم عن الصلاة على من عُرف عنه أنه قد غَلَّ عن زيد بن خالد الجهني "أن رجلاً من المسلمين توفي بخيبر, وأنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: صلوا على صاحبكم, قال: فتغيرت وجوه القوم لذلك, فلما رأى الذي بهم قال: إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزاً من خرز اليهود ما يساوي درهمين"[57].
3- السرقة " إن أخذ أموال الناس في خفية والاستيلاء عليها دون وجه حق سبيل لاستجلاب لعنة الله عـزَّ وجلَّ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه - عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَعن الله السارقَ يَسرقُ البيضةَ فتقطعُ يده, ويسرقَ الحبلَ فتقطعُ يدهُ". قال الأعمش: كانوا يرَون أنه بيضُ الحديد, والحبلُ كانوا يرون أنه منها ما يَساوي دراهمَ[58].
4-كتابة ماليس بحق (وما من كاتب إلاَّ سيبلى ويُبلى الدهر ماكتبت يداه فلا تكتبن بكفك غير شيء يسرُّك يوم القيامة أن تراه). يدخل في ذلك ما يورد في التقارير التي يرفعها الولاة والرعاة عمن تحت أيديهم إلى من هم أعلى منهم وتخضع هذه التقارير للأهواء والميول فتبعد عن الموضوعية والانصاف والشفافية وتتجنى على الحقيقة ويترتب عليها إلحاق الضرر بغير جريرة بينما يترتب عليها من ناحية أخرى ترفيع من لا يستحق الترفيع وإقصاء ذوى الكفاءات والقدرات عن مواقع التأثير وعليه تكون هذه التقارير شهادات زور وقد مرَّ بنا شيء من أخطارها
5- منع حق لله تعالي أو حق أحد من خلق الله عـزَّ وجلَّ قد وجب وحان أوانه قال تعالي " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يُراؤون ويمنعون الماعون "[59] وفي الحديث مايقطع بعدم اجتماع الشح والإيمان في قلب مسلم أبداً عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم, ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم"[60].
وقد ورد في الحديث الشريف النهي عن منع أصحاب الحقوق حقوقهم والإلحاح في السؤال وتضييع المال الذي استخلفنا الله عـزَّ وجلَّ عن المغيرةِ - رضي الله عنه - قالَ: نَهَى رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عنْ وأدِ البناتِ، وعقوقِ الأمهاتِ، وعن منعٍ وهاتِ، وعنْ قيلَ وقالَ وكثرةِ السؤالِ, وإضاعةِ المالِ[61].
سادسا: صوم الرِجْل
هذه الجارحة يجب أن تصوم عن ما يلي:
السير بها إلى أماكن اللهو والخنا والفجور
السعي في الأرض فسادًا
البطش بها والإيذاء
هذه الجارحة سوف تشهد يوم القيامة على أصحابها قال تعالي " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين "[62] وقال تعالي أيضاً " حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرَّة وإليه ترجعون "[63].
إن الصوم بهذا النحو إذا حققناه في حياتنا آكد ما يكون أرجى إلى القبول وتحقيق التقوى ثمرة مشروعية الصيام الشرعي المتكامل، ويكون فعلا رمضان ماثلا سائر أشهر العام في نفوسنا ويكون صيام رمضان فعلاً إلى صيام رمضان التالي مُكفِّرًالما بينهما مع اجتناب الكبائر كما في الصحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه –عن رسول الله r قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"([64]).كم يرجو المسلم أن يعيش المسلمون بهذا الصيام كل أيامهم جهاداً للنفس والأهواء والشياطين من الإنس والجن " اللهم أعنا علىذكرك وشكرك وحسن عبادتك " هذا وبالله التوفيق.
[1]البقرة / 183
[2]البقرة / 187
[3]محمد / 33
[4]مسندأحمد
[5]مصنف ابن أبي شيبة
[6]الزمر : 9
[7]مصنف ابن أبي شيبة
[8]البخاري في صحيحه في كتاب / الإيمان باب فَضل مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ
[9]مسندأحمد
[10]الأنعام /120.
[11]مسلم في صحيحه كتاب / الإيمان 45 ــ باب تحريم الكبر وبيانه
[12]سنن ابن ماجة
[13]المائدة/27
[14]النجم/ 32
[15]الأعراف/99.
[16]الماعون /4-7
[17]صحيحالجامعالصغيروزيادته (1/ 323)
[18]الحشر /10
[19]ابن ماجة في سننه ومصباح الزجاجة كتاب الزهد باب الورع والتقوى وإسناده صحيح رواه البيهقي في سننه من هذا الوجه
[20]مسلم في صحيحه كتاب / البر والصلة والآداب. باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش, ونحوها
[21]الترمِذِيّ في جامعه كتاب صفة القيامة قال أَبو عيسى: غريب لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من هذا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيّ.
[22]النور / 19
[23]صحيح البخاريكِتَابُ الأَدَبِبَابُ عَلاَمَةِ حُبِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
[24]أحمد في المسند
[25] مالك في موطأهكتاب الغيبة والكلام والتقى باب ما جاء في الصدق والكذب
23الليل / 8-11
[27]غافر / 28
[28]مسلم في صحيحه كتاب / الإيمان باب بيان غلظ تحريم النميمة باب بيان غلظ تحريم النميمة
[29]البخاري في صحيحه كتاب / الإيمان باب خوف المُؤْمِنِ مِنْ أنْ يَحْبَطَ عَمَلُه وَهُوَ لا يَشْعُر
[30]البخاري في صحيحه كتاب / الصومباب هل يقولُ إِني صائمٌ إِذا شُتِم
[31]الحجرات / 12
[32]مسلم في صحيحه في كتاب / البروالصلة والآداب باب تحريم الغيبة
[33]الحج:30
[34]ابن ماجة في سننه كتاب / الأحكام باب شهادة الزور
[35]مسلم في صحيحه كتاب / الإيمان باب الكبائر وأكبرها
[36]البخاري في صحيحه كتاب / الحدود باب رمي المحصنات
[37]النور /3-4
[38]النور /23-25
[39]الحجرات /11
[40]المؤمنون /3
[41]الحجرات/11
[42]مسلم في صحيحه كتاب / البروالصلة والآداب باب النهي عن لعن الدواب وغيرها
[43]البخاري في صحيحه كتاب / الأدب باب مايُنهى عن السباب واللعن
[44]الأحزاب / 21.
[45]الإسراء/36.
[46]غافر:19
[47]النور / 30 - 31
[48]الإسراء/36.
[49]القصص / 55
[50]المائدة/42
[51]أحمد في المسند
[52]الحجرات /12.
[53]لقمان/6
[54]الأحزاب / 58
[55]البخاري في صحيحه كتاب / الإيمان باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ
[56]آل عمران /161
[57]أحمد في المسند
[58]البخاري في صحيحه كتاب / الحدود باب لَعنِ السارقِ إذا لم يُسمّ
[59]الماعون 4-7
[60]أحمد في المسند
[61]الدارمي في كتاب / الرقائقباب إن الله كره لكم قيل وقال
[62]النور/24-25
[63]فصلت / 20-21
([64]) رواه مسلم (233).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
636
| 12 أكتوبر 2026