رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

324

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

اتفاقية مكة.. هل يعيد الخليج رسم خريطة أمنه؟

10 أغسطس 2026 , 11:06م

لم يعد السؤال المطروح أمام دول الخليج اليوم هو: من يحمي أمن المنطقة؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف تستطيع دول المنطقة أن تكون شريكًا أساسيًا في صناعة أمنها، وألا يبقى استقرارها مرهونًا بصورة رئيسية بحسابات القوى الدولية وتحولاتها؟ ومن هنا تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية أهمية تتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي، لأنها تطرح أمام المنطقة تصورًا جديدًا للردع وتنويع الشراكات وتحمل مسؤولية أكبر في حماية الأمن الإقليمي.

وتبرز أهمية الاتفاقية في قيامها على مبدأ الدفاع المشترك، بما يحمله ذلك من رسالة واضحة بأن أمن الدول المشاركة مترابط، وأن أي تهديد جدي لإحداها ستكون له انعكاسات على بقية الأطراف. وهذه الفكرة، إذا تحولت إلى خطط وآليات عملية، يمكن أن ترفع كلفة أي اعتداء محتمل، وتمنح الدول الثلاث قدرة أكبر على التنسيق في مواجهة الأزمات، بدل انتظار تدخل القوى الخارجية بعد وقوعها.

ولا تبدأ الدول الثلاث تعاونها من نقطة الصفر. فالسعودية تمثل ثقلًا عربيًا وإسلاميًا واقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، وتركيا تمتلك جيشًا ذا خبرة وصناعات دفاعية متقدمة، فيما تتمتع باكستان بقوة عسكرية كبيرة وخبرة استراتيجية طويلة. ويمنح اجتماع هذه العناصر الاتفاقية قيمة إضافية، خصوصًا إذا امتد التعاون إلى التدريب المشترك، وتبادل المعلومات، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وتطوير الصناعات الدفاعية.

لكن السؤال الذي سيبقى حاضرًا هو: هل تمثل هذه الاتفاقية خطوة للابتعاد عن الولايات المتحدة الأمريكية؟ في تقديري، من غير الدقيق قراءة الاتفاقية بهذه الصورة. فالعلاقات الخليجية - الأمريكية، وفي مقدمتها العلاقات السعودية - الأمريكية، تمتد لعقود وتشمل مصالح أمنية واقتصادية وسياسية واسعة، كما أن تركيا نفسها عضو في حلف شمال الأطلسي. ولذلك فإن المعنى الأهم للاتفاقية ليس استبدال أمريكا بتركيا أو باكستان، وإنما توسيع الخيارات الاستراتيجية وعدم وضع أمن المنطقة في سلة واحدة.

لقد أثبتت التحولات الدولية أن مصالح القوى الكبرى وأولوياتها قد تتغير بتغير الإدارات والظروف والأزمات. ومن الطبيعي، بل من الضروري، أن تبحث دول الخليج عن معادلة أكثر توازنًا تجعل علاقاتها مع واشنطن شراكة بين أطراف تمتلك خيارات وقدرات، لا علاقة تعتمد فيها المنطقة بصورة شبه كاملة على مظلة خارجية واحدة. وكلما امتلكت دول الخليج قدرات ذاتية وشراكات متنوعة، أصبحت قدرتها على التفاوض وحماية مصالحها أكبر.

ومن هنا فإن الاتفاقية يمكن أن تكون عاملًا إيجابيًا في العلاقة مع الولايات المتحدة، لا عامل قطيعة معها. فالولايات المتحدة ستظل شريكًا مهمًا للمنطقة، لكن الشريك الخليجي الأكثر قدرة واستقلالًا في قراره سيكون أيضًا أكثر قيمة لواشنطن. وبذلك تتحول العلاقة تدريجيًا من مفهوم الحماية إلى مفهوم الشراكة الاستراتيجية المتوازنة، وهو ما يخدم الطرفين على المدى الطويل.

ويبقى السؤال الخليجي الأهم: هل يمكن أن تكون اتفاقية مكة مقدمة لرؤية أمنية أوسع تستفيد منها دول مجلس التعاون الخليجي؟ ليس المطلوب بالضرورة أن تنضم دول المجلس إلى الاتفاقية بصيغتها الحالية، فلكل دولة علاقاتها والتزاماتها ومصالحها. لكن من المهم دراسة هذه التجربة من زاوية ما يمكن أن تضيفه إلى منظومة الأمن الخليجي المشترك، وكيف يمكن الاستفادة من القدرات التركية والباكستانية إلى جانب القدرات الخليجية والشراكات الغربية القائمة.

وفي هذا الإطار، فإن دول مجلس التعاون ليست مطالبة بالنظر إلى الاتفاقية من زاوية الانضمام إليها من عدمه فقط، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بما يمكن أن تضيفه هذه التجربة إلى منظومة الأمن الخليجي. فدول المجلس تمتلك علاقات استراتيجية ودفاعية متقدمة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، كما تربطها علاقات متنامية مع تركيا وباكستان وقوى إقليمية ودولية متعددة، وهو ما يمنحها فرصة لبناء شبكة من الشراكات المتوازنة بدل الاعتماد على مسار أمني واحد.

وقد يكون من المفيد أن يدرس مجلس التعاون مستقبلًا إنشاء آليات للتنسيق والتعاون الدفاعي مع المنظومة السعودية - التركية - الباكستانية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية، وأمن الممرات البحرية، والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات والصناعات الدفاعية. وليس الهدف إنشاء حلف عسكري في مواجهة حلف آخر، بل إضافة قدرات جديدة تعزز أمن دول المجلس وتدعم منظومة الدفاع الخليجي المشترك.

إن سياسة تنويع العلاقات والشراكات، إلى جانب العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والعلاقات الوثيقة مع تركيا والدول الشقيقة والصديقة، تتيح الاستفادة من التحولات الجديدة دون الدخول في سياسة المحاور. فتنويع الشركاء لا يعني التخلي عن الحلفاء، كما أن المحافظة على التحالفات القائمة لا ينبغي أن تحول دون تطوير القدرات الذاتية وبناء شراكات أخرى تخدم المصالح الوطنية والخليجية.

والأهم أن تبقى الأولوية لتقوية البيت الخليجي من الداخل. فأي ترتيبات دفاعية خارج إطار مجلس التعاون ينبغي أن تكون عامل دعم للمنظومة الخليجية لا بديلًا عنها. وإذا كانت اتفاقية مكة قد قدمت نموذجًا جديدًا للدفاع المشترك، فقد تكون المناسبة مواتية لإعادة تقييم ما وصل إليه التعاون الدفاعي الخليجي، وما يحتاج إليه حتى تصبح دول المجلس أكثر قدرة على حماية أجوائها ومياهها ومنشآتها ومصالحها الاستراتيجية بقدرات جماعية متكاملة.

إن الرؤية المستقبلية التي تحتاج إليها المنطقة ليست خروج أمريكا ليحل طرف آخر مكانها، وإنما الوصول إلى معادلة لا يكون فيها أمن الخليج معتمدًا على دولة خارجية واحدة، أيًا كانت هذه الدولة. فالأمن المستدام يبدأ من الداخل الخليجي، ثم تدعمه شبكة واسعة من الشراكات الإقليمية والدولية المتوازنة.

لقد حان الوقت لكي ننتقل من سؤال: من سيحمينا؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف نحمي أنفسنا، ومع من نبني شراكاتنا؟ وهنا ربما تكمن القيمة التاريخية الحقيقية لاتفاقية مكة. فهي لا تعني نهاية الدور الأمريكي في الخليج، وإنما قد تكون بداية لمرحلة يصبح فيها الأمن الخليجي قائمًا على معادلة أكثر توازنًا: قدرات خليجية ذاتية أقوى، وتعاون إقليمي أوسع، وشراكة استراتيجية مع أمريكا، وعلاقات متنوعة مع القوى الأخرى، دون الارتهان الكامل لأي طرف.

وإذا نجحت هذه الرؤية، فقد لا تكون اتفاقية مكة مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل خطوة أولى نحو إعادة رسم خريطة الأمن في المنطقة، بحيث يصبح الخليج شريكًا حقيقيًا في صناعة أمنه ومستقبله، لا مجرد ساحة تتنافس القوى الكبرى على تحديد توازناتها.

مساحة إعلانية