رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأسد لم يتعلم من أخطاء القذافي والجامعة مطالبة باتخاذ إجراءات أقوى ضده
لقد دعت قطر إلى عقد اجتماع طارئ آخر لأعضاء جامعة الدول العربية يوم السبت وذلك بسبب استمرار الأزمة في سوريا وفشلها في تنفيذ خطة السلام المتفق عليها مؤخرا. كما بعث المجلس الوطني السوري رسالة إلى الجامعة يوم الثلاثاء لحثها على "اتخاذ موقف قوي وفعال ضد النظام السوري بما يتناسب مع التطور الخطير للوضع في سوريا".
لقد أشرت في مقالتي السابقة إلى مؤشرات كثيرة على أن خطة السلام التي وضعتها جامعة الدول العربية لسورية خلال اجتماعها في الدوحة الشهر الماضي سوف تفشل.
أول هذه المؤشرات: أن الخطة لم تكن قد بدأت بداية جيدة بأن سورية رفضت إجراء محادثات في الدوحة أو في أي مكان خارج سورية نفسها.
وإشارة أخرى أن الوفد السوري الذي جاء إلى قطر لإجراء محادثات غادر البلاد دون إعطاء الجواب النهائي على اقتراح الجامعة. وقد وافق أخيرا على خطة السلام التي اقترحتها جامعة الدول العربية بعد مضي بضعة أيام.
وأخيرا أن النظام السوري لا يخطط للتخلي عن السلطة وذلك من خلال الطريقة في الإعلان عن الإصلاحات التي لم ينفذ منها النظام السوري أي شيء بعد. وأن الرئيس السوري بشار الأسد لم يذكر ولو مرة واحدة أنه لن يستمر كرئيس على غرار ما فعله زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر ومؤخراً الرئيس اليمني علي عبدالله صالح عندما وعدوا بالتخلي عن مناصبهم عند تكثيف الاحتجاجات ضدهم في بلادهم. وهذا يعني أن الأسد ونظامه لا يزالان حريصين على مواصلة التمسك بالسلطة.
ووفقا (لرفينا شمدساني) المتحدثة باسم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فإن أكثر من 60 شخصا قد لقوا مصرعهم على أيدي قوات الأمن السورية منذ وقعت سورية على خطة السلام التي كانت ترعاها الجامعة العربية. ومع ذلك، فإن الأمم المتحدة تعترف بأن هذا التقدير هو عليه شيء من التحفظ. وبذلك يرتفع عدد الأشخاص الذين قتلوا منذ بدء الاحتجاجات السورية في مارس إلى 3500.
وأن هؤلاء الناس الذين لقوا مصرعهم خلال هذه الفترة، وحتى أولئك الذين قتلوا قبل توقيع خطة السلام هم مسؤولية الجامعة العربية، التي كانت حتى الآن لا تستطيع اتخاذ إجراءات أقوى ضد نظام الأسد. علماً بأن نتائج الاجتماع يوم السبت المقبل لا تزال مجهولة ولكن نأمل من الجامعة أن لا تعطي فرصة أكثر لنظام الأسد، لأن هذا يعني أن المزيد من السوريين سيموتون.
وليس الشعب السوري فقط ولكن الأمة العربية كلها تطلب من جامعة الدول العربية اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد النظام السوري. وهي:
أولا: ينبغي أن يعلقوا عضوية سورية في جامعة الدول العربية على غرار ما حدث في ليبيا عندما شن القذافي حملة عنيفة ضد المحتجين.
ثانيا: يتعين على جامعة الدول العربية الاعتراف بالمجلس الوطني السوري باعتباره الممثل الحقيقي للشعب السوري وكذلك فرض "منطقة حظر الطيران" على غرار ما فعلوا لنظام القذافي في ليبيا.
ثالثا: ينبغي أن يواصلوا الضغط على المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات فورية وإرغامه على فرض عقوبات اقتصادية ضد سوريا من أجل إضعاف الدعم الذي أعطاه رجال الأعمال السوريون في دمشق وحلب لنظام الأسد. خاصة أن هذا وقت مناسب لفرض عقوبات في الوقود والنفط خصوصا مع قدوم فصل الشتاء. وهذه القيود الاقتصادية سوف تجبر رجال الأعمال على التفكير في ولائهم للنظام وإقناعهم بدعم الاحتجاجات السورية.
رابعا: مع ازدياد القمع وانتهاك حقوق الإنسان واستخدام القتل والتعذيب لابد من تحويل الملف السوري (ملف انتهاك حقوق الإنسان والقتل العمد) إلى محكمة الجنايات الدولية.
وأخيرا: يجب على جامعة الدول العربية خصوصا دول مجلس التعاون الخليجي المحاولة للتأثير على روسيا والصين بعدم دعم نظام الأسد خصوصا أن الفوائد التي سوف يحصلون عليها تفوق بكثير وقوفهم بجانب النظام السوري.
ويجب على جامعة الدول العربية أيضا ألا تكون قلقة من دعم إيران لسوريا لأنه كما رأينا في التقارير الأخيرة أن لهجة إيران أخذت في التغير وتقديم المشورة والنصح للأسد لتنفيذ الإصلاحات في البلاد.
كما أن إيران لديها مشاكلها الخاصة بها خصوصا مع التقارير الأخيرة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأنها تقوم بتطوير برنامج السلاح النووي وإسرائيل تشير إلى هجوم وقائي ضدها. وإيران هي أيضا أكثر قلقاً بشأن العراق منذ إعلان الموعد النهائي لانسحاب القوات الأمريكية من العراق قريبا.
ومع كل هذه التطورات الجديدة التي تحدث الآن فإن إيران لن تتدخل في الوضع السوري ربما فقط لإعطاء المشورة والنصح لأنها مشغولة بالتعامل مع مشاكلها خصوصا أنها تواجه مثل هذا المفترق الحاسم.
ولذلك على جامعة الدول العربية اتخاذ إجراءات أقوى ضد نظام الأسد. حيث إنهم أعطوا بالفعل الأسد الفرصة لإجراء إصلاحات في بلاده. ومع ذلك، ما زالت عمليات القتل اليومية تتواصل في الشعب السوري، بمن فيهم الأطفال الأبرياء وحتى خلال عيد الأضحى المبارك، ويبدو أن النظام غير جاد في تنفيذ الإصلاحات ووعوده لا تزال مكتوبة على الورق فقط.
وينبغي على نظام الأسد أن يتعلم من أخطاء القذافي في ليبيا. وينبغي أن تكون وفاة القذافي بداية الحياة الجديدة للأسد بحيث أنه لن يخوض في نفس المخاطر والأخطاء التي فعلها القذافي.
وبوصف قطر عضوا في جامعة الدول العربية ورئيس الدورة الحالية للجامعة العربية ينبغي منها أخذ زمام المبادرة وبذل المزيد من الجهد للمساعدة في تخفيف معاناة الشعب السوري. فإن جوهر القومية العربية هو الوقوف مع الشعب العربي عن طريق مساعدتها في أوقات الصراعات والاضطرابات.
رئيس تحرير جريدة البننسولا Khalid@pen.com.qa
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم القيادية، تدور خلف الكواليس العالمية رحى معركة من نوع آخر.... اقرأ المزيد
552
| 12 مايو 2026
ستبقى هي القضية الأولى
بات يقينا لديَّ أنه مهما انشغلنا بقضايانا العربية واستجدت أخرى فإن قضية فلسطين هي القضية الأزلية الثابتة لدينا... اقرأ المزيد
144
| 12 مايو 2026
الاستشارة بين جدران الثقافة.. لماذا نحتاج وسيطاً ذكياً؟
تُنفق الحكومات والمؤسسات الكبرى مبالغ طائلة على الاستشارات الإدارية في الخليج، ثم تجد نفسها أمام تقارير مُحكمة الإخراج،... اقرأ المزيد
216
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4557
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4227
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1650
| 12 مايو 2026