رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وافقا على أعتابك يا الله أسألك السلامة للأوطان متعب أنا يا الله مما تتعرض له الأمة المتشظية المنقسمة المتهافتة على التلاشي. من فرط الدماء المسفوكة في مساحاتها وطرقاتها ودروبها وسهولها وهضابها، لم تعد الأمة التي وضعت محدداتها في قرآنك الكريم. غابت عنها البوصلة. فدخلت في حروب فيما بين بينها بدلا من محاربة أعدائها الذين ما زالوا يتربصون بها من كل صوب وحدب.
جوعى شعوب هذه الأمة للسكن. الذي غادر تخومها ولم يعد حتى الآن. جوعى للحرية والديمقراطية والعدل. أسألك يارب أن تهبها ما تريد. هي سعت خلال السنوات المنصرمة. لكن ثمة من لا يرغب في بلورة هذه الأشواق الكبرى يعاندها يكابر يخنقها يحاصرها فأصلح شأن الأمة كي تستعيد عافيتها.
عطشى شعوب هذه الأمة للخروج من أزمنة الوجع والآلام فمن غيرك يمنحها هذه القدرة؟ وينأى بها عن العبث المجنون المفروض عليها من قوى في الغرب ودوائر بداخلها.
يارب ما يجري من فتن مذهبية وطائفية في أنحاء مختلفة من الأمة.مرعب ومخيف شرع الأبواب أمام تدفق الدماء بغزارة غير مسبوقة في تاريخها. جعلها أنموذجا رديئا بين الأمم الناهضة التي فرضت حضورها بتمسكها بمنظومة العلم وقيم الحضارة. ومسببات الصعود والتمسك بالإنسان باعتباره جوهر الكون فلم تدفع به إلى الهاوية. كما يفعل أبناء هذه الأمة الذين يمتلكون كل مقومات البقاء والبروز والنهوض والاستنارة والقدرة على العطاء الحضاري. بحكم ما لديها من موروث ضخم وتاريخ طويل. فهل هانت عليهم أنفسهم إلى هذا الحد الذي يتسولون فيه المساعدات والقوة والطعام والشراب وكل ما يحفظ الحياة؟ لم تعد أمة منتجة إنها تعتمد على غيرها. حتى في أدوات العبادة التي نستورد بعضها من دول لا تؤمن بك. يارب من سجادة الصلاة والمسابح التي نستخدمها في تسبيحك. هل يجوز ذلك يارب بعد أن أفنى الأقدمون أعمارهم في تقديم أمة العطاء الحضاري للعالم الذي كان متخلفا في كل شيء تقريبا آنذاك؟ هل يرض ذلك شريعتك ودينك الذي ارتضيته لنا يارب وفيه تحريض على العمل والعطاء وإعطاء الأولوية للإنتاج وتقليص الاعتماد على الغير؟
هل يرضيك يارب. ياخالق هذا الكون أن تظل هذه الأمة التي اخترتها لتكون أمة وسطا بين العالمين على هذا النحو من الخمول والاتكال والخرس الحضاري. على الرغم مما لديها من ثروات وعقول ومهارات. فتذهب سدى جميعها في الصراعات المحمومة والتهافت على السلطة والحرص على البقاء فيها لأطول الأزمنة. فأصابها الترهل والرغبة في البقاء في منطقة الذيول وليس الرؤوس. من يغير هذه الأوضاع سواك ياالله أعلم أنك يارب رهنت دفع الأمة نحو التغيير بقيامها هي بفعل التغيير. لكن يارب أدعوك لدفع شعوب هذه الأمة. لأن تقتنع بخيار التغيير وامتلاك أدوات الحداثة والتقدم . والقفز على حالة التخلف السائدة والتي تبرز تجلياتها فيما نراه ونلمسه من غياب عن المعادلة الحضارية الراهنة. وفي حالة العجز عن التعاطي الفعال مع ظواهر خطيرة مثل الإرهاب. الذي بات عنوانا لها في عالمنا. لأن نفرا رأوا أن القتل والتدمير وسفك الدماء وتخريب المرافق أمر يتسق مع أحكام الشريعة. كيف يارب. فهل هذا هو الجهاد وضد من؟ ضد من يقول لا إله إلا الله محمد رسول حتى ولو كان مختلفا معنا؟ فهل يجوز أن نقتله لأنه لايؤمن بقناعاتنا وبفهمنا القشري للدين ولجوهره وكينونته؟
من الذي أعطى الحق لهؤلاء الذين يتصدرون المشهد الإرهابي في الأمة. وينادون بالجهاد ضد البعض منا. بينما لايفكرون في مجابهة العدو الحقيقي الذي ما زال يحتل الأرض ويسلب الحقوق وينتهك المقدس هم يستندون يارب إلى قرآنك وأحاديث نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. لكن يارب أنت منزه عن ذلك . فأنت تأمر بالتعامل بالحكمة والموعظة الحسنة. لم تأمر بالقتل إلا لمن اعتدى علينا من الأعداء وليس لأبناء الأمة المختلفين معنا في التوجه ولايقبلون بقناعاتنا. إنها معادلة صعبة ياالله هؤلاء النفر باسمك يقتلون ويصلبون ويقطعون الرؤوس ويسبون النساء ويدمرون الأوطان بأسلحة فتاكة وبقلوب مفرطة قسوتها. بينما أنت الرحيم وأنت الرحمن وأنت الداعي إلى بناء الأوطان لاحرق الأخضر واليابس
يارب إن القدس التي تحتوي على أول القبلتين وثالث الحرمين. مسجدك الأقصى. تتعرض لعدوانية شرسة من كيان صنعه الغرب. كيان قاتل متطرف لديه مشروعه الاستعماري والاستيطاني. لم تتحرك الأمة لوأد هذه العدوانية لقد حاولوا مؤخرا حرق أقصاك. وأغلقوا أبوابه ودنسه قطعان بني صهيون بأحذيتهم وأسلحتهم. إنهم يريدون أن يطفئوا نوره في فلسطين حتى تفقد هويتها . لصالح هوية الكيان وليستعيدوا هيكلا مزعوما في المكان. هو هكيل نبيك سليمان الذي يتوجع في قبره مما يتعرض له قدس أقداسك في فلسطين.
يارب لماذا لم تنهض الأمة منددة بهذا الفعل الإجرامي الذي يرتكب يوميا وتتوحد لوقف هذه العدوانية؟ لقد اكتفت بإصدار سلسلة من البيانات والصرخات المكتومة. ولكن من يعر اهتماما لمثل ذلك إن الكيان الصهيوني حديد ولايفته سوى الحديد . والأمة مشغولة عن ذلك بحروبها الداخلية حتى أبناء فلسطين فقدوا القدرة على التوافق. وكلما يقتربون منه ثمة من يوقظ الفتنة فيما بينهم. مثلما حدث قبل أيام بتفجير منازل نفر من قادة فتح في غزة فتم تبادل الاتهامات مع حماس. وعادت الأمور إلى المربع الأول الذي كابد فيه الفلسطينيون تداعيات الانقسام. والاحتقان والحرب الأهلية والدم المسفوح بيد الشقيق. بينما العدو مبتهج ويمارس عدوانيته في كل أنحاء فلسطين ماضيا في تكريس مشروعه الاستعماري الاستيطاني فمن غيرك يا الله يغير هذا الوضعية؟
يارب أوجاع الأمة بلا حدود . والبكاء على الأطلال لم يعد له جدوى. فزودنا بمددك وفيض رحمتك. هب لنا القدرة على التحرك بإيقاع أسرع مثلما أمرتنا باتجاه استعادة البوصلة والهداية والرشاد. كى تنهض الأمة من كبوتها تمزق سرابيل الظلام المقيمة فيها ترفل بثياب الحرية والديمقراطية وتحترك حقوق إنسانها. وفق ما حددته أنت ياالله في كتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. يارب علمنا الدين الحقيقي ألهمنا فهمه وفق ما يحقق جوهره ويسهم في دفعنا من الخروج من بوتقة الاتكالية والبقاء في حالة مرواحة المكان التي توشك أن تصيبنا بالذهول والغيبة عن الواقع. والتفاعل مع مكونات الكون الإيجابية. التي دعوتنا لتدبرها والعمل بمقتضياتها حتى نشكل بينان الأمة المتراص. جنبا إلى جنب ليواجه سارقي فرحنا وبهجتنا وسكوننا.
إننا نحتاج يا الله إلى عونك وبركاتك ونفحاتك. كي تلهم شباب الأمة ليتعلم الإسلام الذي أردته. الإسلام الذي يبنى ويقيم الأوطان ويغيث الملهوف. ويعيد الحقوق المسلوبة من الأعداء. ويفتح بوابات الأبداع والإرتقاء الحضاري. ويلمم الجراح ويمنح الأمن والسلامة والسكينة لعبادك. بدلا من الرعب الذي يجتاحهم ويسكن قلوبهم. فيجبرون على الهجرة القسرية والإقامة في الخيام والصحارى والجبال والحدود.
يارب أنت أعلم بأحوالنا فأصلحها وأصلحنا. واهدنا إلى الصواب وسبيل الرشاد.
أفول أوروبا ورسائل التدافع
التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار... اقرأ المزيد
114
| 08 فبراير 2026
سقوط الأقنعة الأخلاقية
شكّلت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، بعدما كشفت... اقرأ المزيد
228
| 08 فبراير 2026
شكراً للعيون الساهرة
دعوني أولاً أعبر عن تقديرنا الكامل لكل الجهود المبذولة من وزارة الداخلية في تتبع كل ما من شأنه... اقرأ المزيد
141
| 08 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
957
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
735
| 04 فبراير 2026