رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس لي في الشأن الرياضي ذلك العلم أو الاهتمام، لكن ما يحدث الآن تجاه مسابقة كأس العالم المنتظرة بعد أقل من عشرة أيام في قطر، تجاوز الشأن الرياضي، وبلغ حداً لا أجد بالتالي ما يمنع من التحدث فيه، بل وأدعو كل من ليس له شأن في المسابقات الرياضية أن يساهم في بيان ما يجري وكشف النفسية الغربية الاستعلائية تجاه كل من ليس ينتمي للعرق الأبيض. تلك النفسية أو النظرة التي لم تتغير منذ العهد الاستعماري أو الاستدماري، رغم كل التطور العلمي والحضاري الذي يسود العالم من شرقه إلى غربه، وشماله إلى جنوبه.
كل منصف وموضوعي، ولو لم يكن قطرياً أو عربياً أو مسلماً، لا شك أنه استاء مما يجري ضد قطر عبر حملات مكثفة، إعلامية وقانونية وسياسية وغيرها، بعد أن زادت ونشطت مؤخراً، فيما العالم المحب لكرة القدم يعد الأيام والساعات والدقائق لصافرة البداية، ويستغرب في الوقت نفسه من هذا التوقيت وهذا التآزر والتعاضد الغربي ضد قطر، ويتساءل عن الأسباب والدوافع.
بغض النظر عن حجم المردود السياسي أو الاقتصادي أو غيره، الإيجابي منه أو السلبي على قطر، الذي أعتبره أمراً آخر ليس الوقت الآن لمناقشته وبحثه، فإنني أجد الحملات الغربية المثارة إلى يوم الناس هذا - وليست عندي ذرة شك – منظمة وموجّهة، لكنها ستهدأ بالضرورة مع صافرة البداية يوم العشرين من الشهر الجاري، لكن بعد أن تكون هذه الحملات قد حققت هدفها الرئيسي، وهو خلق أجواء من التوتر والقلق عند القطريين والمحبين لهم ليس أكثر، على اعتبار أن كل هذه الصيحات المتعالية والمتناثرة هنا وهناك، تأتي في الوقت الضائع، إن صح التعبير، لا تقدم ولا تؤخر من الواقع الذي سيفرض نفسه بعد أيام قليلة قادمة بإذن الله.
كشفت لنا الحملات الغربية عن زيف ادعاءات دولها ومؤسساتها منذ عقود طويلة، والترويج على أنها راعية مبادئ وقيم وأخلاق ومُثُل، فإذا الحاصل هو العكس من ذلك تماماً. فلا يوجد أي تفسير لهذا الهجوم غير المبرر وغير المنطقي على قطر، سوى أنه ينطلق من نزعة استعلائية أو عقلية استعمارية لا زالت تحرك الغرب، الذي لم يتخلص منها إلى الآن، وإن كان قد نجح في إخفائها بوسائله المختلفة، الإعلامية وما شابه.
العقلية الاستعمارية ما زالت حية
إن العقلية التي تحرك الحملات التشهيرية والمغرضة، هي نفسها العقلية التي عاثت فساداً في القرن الفائت في إفريقيا وآسيا وغيرهما، وأهلكت الحرث والنسل، وجففت خيرات وموارد شعوب كثيرة، ما زالت مشاهدها عالقة بالأذهان.
إن كانت الصحف البريطانية تتحدث عن حقوق العمال في إنشاءات الملاعب بقطر، فالتاريخ يذكر كيف ساقت عشرات الألوف من مستعمراتها في آسيا وإفريقيا لحفر الأنفاق وشبكات الطرق والقطارات، بالسوط والسلاح، وقضى الألوف منهم أثناء العمل. وإن كانت الصحف الفرنسية تصور لاعبي منتخب قطر على هيئة أفراد داعش، يحملون أسلحة ومتفجرات، فالتاريخ كتب عن آلاف مشاهد إجرام ووحشية الدولة الفرنسية في مستعمراتها، لاسيما الجزائر، التي قتلت فيها الألوف من الأبرياء، رجالاً ونساء وأطفالاً، بل ومازالت تحتفظ بآلاف جماجم المقاومين لها في متاحفها، لتكون شاهدة على إجرام ووحشية الدولة الفرنسية، سواء أدرك الفرنسيون ذلك أم لا !
وبالمثل يُقال عن الإعلام الألماني، الذي يشن حملاته على قطر بزعم قمع الحريات، لاسيما حريات الشذوذ الجنسي، في حين أن القانون الألماني ما زال يحظر الإنكار العلني لمحارق اليهود، أو حتى رفع شعارات النازية أو الحديث عنها ورموزها، بحجج أنها خطابات كراهية !
والحديث يتشابه كذلك عن الإعلام الأمريكي الذي مازال يردد أكاذيب وفاة آلاف العمال بسبب ظروف غير إنسانية، ويتناسى هذا الإعلام ضحايا الدولة الأمريكية، التي بلغت الملايين في أقل من قرن من الزمان، وبصورة تجعلها لا تستحق إدارة أي فعالية دولية صغيرة، فما بالك بالكبيرة.. والأمثلة أكثر من أن نحصرها ها هنا.
هذه حضارتنا ونحن سادتها
الغرب يريد أن يقول عبر مناسبات عدة إن الحضارة الحالية هي حضارته وهو من بناها وقام عليها. ولا أحد يشكك في ذلك، ودور الغرب في قيامها، لكن لا يعني ذلك بقاء السادة سادة وإن تغير الزمان والمكان، أو العبيد عبيداً. العالم يتغير، والغرب لابد أن يغير من عقليته وطريقة تفكيره ومنطقه. العالم النامي كان في طور النمو قبل نصف قرن، ولابد أنه نما وتطور وارتقى، وأنه لن يبقى على حاله، وهذا ما لا يريد الغرب استيعابه. فقد كانت المناسبات والفعاليات الكبيرة حكراً عليه لعقود عدة، لكن مع تطور الآخرين في الإدارة وفهم الواقع، خارج نطاق العرق الأبيض، فلم يعد غريباً أو مستحيلاً أن تتولى أعراق أخرى إدارة وتنظيم الفعاليات الكبرى على شاكلة كأس العالم لكرة القدم.
لم يكن يتصور الغرب على وجه التحديد، أن تتولى مثل هذه الفعاليات الضخمة، دولة لا تُرى على الخريطة، وإن كانت أفعالها وتأثيراتها وسمعتها بلغت الآفاق في سنوات عشر ماضيات. فالأحجام في عالم اليوم، لم تعد عاملاً كافياً وحيداً للبقاء على قمم الإدارات، أو عنصراً كافياً لمنح الصلاحيات وتولي المسؤوليات.
الغرب لا يريد أن يستوعب أن غير العالم الغربي بمقدوره منافسته في إدارة الفعاليات والأحداث الكبيرة بالعالم. هو يدرك أن كأس العالم ليست حدثاً رياضياً فقط. ولأنها ليست كذلك، هالها أمر تولي دولة عربية مسلمة شرق أوسطية زمام أمور أضخم حدث رياضي بالعالم منذ القرن الفائت حتى يومنا هذا، ومنافسته أو إزاحته عن حدث تسيل له لعاب الدول الكبيرة، لاسيما الغربية، ومعها لعاب شركاتها ومؤسساتها الاقتصادية المختلفة.
خلاصة ما أريد أن أصل إليه، أو من فوائد ما يجري الآن ضد قطر، أن الإعلام الغربي كشف عن حقيقة دوله ومؤسساته للعالم، ربما دون قصد. فهكذا الأمور تجري في هذه الحياة. المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله. وهذا ما نشاهده الآن فعلياً وبصورة واضحة، تدفع المخدوعين بالنظم والقيم الغربية، إلى إعادة الحسابات. فالحضارة التي تخلو أو تتساقط عنها الأخلاقيات والقيم، واحدة بعد أخرى، إنما دليل على أفول نجمها، وقُرب زوالها. والأيام دول.
الأبعاد الثقافية للحروب
تُعدّ الثقافة أو نمط الحياة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تُشكّل المجتمع. وتوجد علاقة معقّدة بين الثقافة وخاصةً... اقرأ المزيد
273
| 30 مارس 2026
من يملك الإعمار
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان... اقرأ المزيد
1764
| 30 مارس 2026
الإعلام.. حين تختلط الحقيقة بالدعاية
لا تأتي الأزمات اليوم فقط من الحدود، بل تصل أيضًا عبر الشاشات والهواتف، في صيغة خبرٍ سريع أو... اقرأ المزيد
144
| 30 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2463
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1932
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1734
| 24 مارس 2026