رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تختلف إحصاءات الموازنة العامة لسلطنة عمان للسنة المالية 2015 بشكل جوهري عن الأرقام المعتمدة وليست بالضرورة الفعلية لعام 2014 وذلك على الرغم من انخفاض أسعار النفط.
من جملة الأمور، يشير هذا الأمر إلى إصرار السلطات بالحفاظ على الأنشطة الاقتصادية لمواجهة التحديات مثل البطالة والرغبة في الاستفادة من الفرص المتوافرة.
باختصار، تبلغ نفقات وإيرادات موازنة 2015 نحو 36.6 مليار دولار و 30 مليار دولار على التوالي الأمر الذي يترجم إلى عجز بمستوى 6.6 مليار دولار.
مما لا شك فيه، يعد العجز المتوقع أو الدفتري ضخما كونه يشكل 8 بالمائة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وحسب أحدث الإحصاءات، يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة قرابة 82 مليار دولار أمريكي.. يعتبر الاقتصاد العماني خامس أكبر اقتصاد في دول مجلس التعاون الخليجي بعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت لكن قبل البحرين.
يشار إلى أن مشروع الاتحاد النقدي الخليجي وهو المشروع الذي قررت عمان عدم الانضمام إليه بغية التمتع بمطلق الحرية الاقتصادية يقيد عجز الموازنة عند 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي هذا الإطار، بدأت أربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي وهي السعودية وقطر والكويت والبحرين بتنفيذ متطلبات مشروع الاتحاد النقدي مطلع 2010.
وربما تتغير الأرقام الفعلية لموازنة 2015 بالنظر لبعض التجارب الماضية.. على سبيل المثال، تشير الأرقام شبه النهائية لعام 2014 إلى بلوغ قيمة المصروفات نحو 37.5 مليار دولار مرتفعا عن الرقم المخطط له وقدره 35.1 مليار دولار أمريكي.. كما تقدر الإيرادات بنحو 36 مليار دولار مقارنة مع 30.4 مليار دولار وهو الرقم المعتمد في الموازنة. وهذا يعني انحسار العجز عند 1.5 مليار دولار بدلا من 4.7 مليار دولار.
اللافت بأنه عكس العادة، اختار المسئولون عدم الكشف عن سعر النفط المستخدم في حساب الإيرادات وربما يؤكد صعوبة تحديد متوسط بسبب التقلبات التي تشهدها سوق النفط العالمية. يعتبر القطاع النفطي بما في ذلك الغاز المصدر الرئيسي لدخل الخزانة مشكلا في المتوسط 76 بالمائة من مجموع الإيرادات..
بدورها، تنقسم هذه الإيرادات النفطية إلى 63 في المائة للنفط و 13 بالمائة للغاز. بل تعززت مساهمة القطاع النفطي في الاقتصاد الوطني في السنوات القليلة عندما كانت أسعار النفط مرتفعة نسبيا قبل انخفاضها في الآونة الأخيرة.
بالعودة للوراء، تم إعداد موازنة السنة المالية 2014 عبر افتراض متوسط سعر 85 دولارا للبرميل.. وما يثير القلق استمرار ظاهرة انخفاض أسعار النفط لعدة شهور متتالية وصولا لأقل من 50 دولارا للبرميل مع بداية 2015 وهو المستوى الذي لم يصل إليه لعدة سنوات.
من الجانب الإيجابي، تنوي السلطات تنفيذ إصلاحات اقتصادية في إطار التكيف مع معضلة هبوط أسعار النفط.
من بين أمور أخرى، من المقرر تنفيذ برنامج جديد للخصخصة خلال السنوات الثلاث المقبلة الأمر الذي من شأنه الحد من العبء المفترض على القطاع العام.
ويدعو مشروع آخر لإعادة هندسة برنامج الدعم وخاصة المنتجات البترولية والكهرباء. حاليا، يستفيد الجميع بمن فيهم الوافد والمقتدر على الإعانات الحكومية، طبعا على حساب التمويل العام، وهو ما يعتبر على نحو متزايد أمر غير مستدام. وفي كل الأحوال، يعد هذا الموضوع مثيرا للجدل ويجب أن يصل الدعم لغير المقتدر مواطنا كان أم وافدا.
حقيقة القول، يمكن تفهم خيار الإصلاحات الاقتصادية في عمان بالنظر للحاجة لتعزيز دور القطاع الخاص في الشأن الاقتصادي.. تشكل نفقات الموازنة العامة للسنة المالية 2015 قرابة
45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأمر الذي يؤكد الدور غير العادي للحكومة في الأنشطة الاقتصادية.
تقليديا، ظل الإنفاق الحكومي أقل من 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعكس هذا التغيير بشكل جزئي النمو المطرد للإنفاق العام بالمقارنة مع مستوى التوسع الاقتصادي.
لحسن الحظ، لا يشكل حجم الإنفاق الحكومي القوي ضغوطا تضخمية، إذ يبلغ معدل التضخم 3 بالمائة وذلك في ظل غياب ضغوط العوامل الخارجية أو ما بات يعرف بالتضخم المستورد. ففي ظل تراجع الأسعار، لا يوجد مبرر لدى الدول المستوردة للنفط بزيادة قيم منتجاتها القابلة للتصدير.
وعلاوة على ذلك، من شأن الإنفاق القوي المساعدة في معالجة تحدٍ اقتصادي مقلق وهو ارتفاع معدلات البطالة. فوفقا لتقرير أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي نهاية 2014 حول العمل في العالم العربي، تبلغ معدل البطالة في سلطنة عمان نحو 8 بالمائة، وهو الأسوأ ضمن دول مجلس التعاون الخليجي.. كما تبلغ نسبة البطالة في أوساط الشباب حوالي 20 بالمائة، وهو ثالث أسوأ نتيجة في المنظومة الخليجية بعد السعودية والبحرين.
بالنظرة للأمام، يعكس قرار مؤسسة ستندارد أن بور العاملة في مجال التقييمات الائتمانية بتغيير النظرة المستقبلية من إيجابية إلى سلبية الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجه عمان. الاقتصاد الخليجي الآخر والذي يعاني من نظرة مستقبلية سلبية هو الاقتصاد البحريني بسبب تباين الإيرادات والنفقات ما يعكس وجود مشكلات هيكلية في المالية العامة.
نقطة التعادل في موازنة الاقتصاد العماني تفوق عن متوسط 100 دولار للبرميل وهو أمر غير متوافر في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور.. وهنا يتطلب تعزيز فرص الحصول على موارد غير النفطية مثل العوائد على القطاع السياحي بالنظر للإمكانيات السياحية التي تتمتع بها السلطنة والحال كذلك مع القطاع الصناعي.
مهما يكن من أمر، يتوقع أن تساهم نفقات موازنة 2015 بتمهيد الطريق أمام معالجة بعض التحديات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية إضافة لتعزيز المزايا التنافسية في السلطنة وعلى الخصوص في قطاعات الخدمات مثل السياحة إضافة إلى القطاع الصناعي.. والأمل أن يتم تحويل التحديات إلى فرص اقتصادية.
الأب.. ظِلٌّ لا يميل
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد
51
| 31 يوليو 2026
أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد
78
| 31 يوليو 2026
حصص التربية الرياضية بالأندية
الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد
69
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7947
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1293
| 30 يوليو 2026