رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فاجأت ثورة قزاقستان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقدر ما فاجأت الرئيس القزاقي نفسه قسيم جومارات توكاييف، فبوتين الذي كان يُروّج للنموذج القزاقي بتراجع الرئيس نظر باييف إلى الوراء ودفع رئيس جديد يكون مقبولاً نسبياً، مع احتفاظ نظر باييف بإدارة الخيوط من وراء ستار، هذا النموذج كان يأمل بوتين أن يعممه في بيلوروسيا وربما سوريا، وحتى ذاته كان يفكر فيه، لكن ثورة قزاقستان أتت على الفكرة كلها، لاسيما وأن كل حلفائه المستبدين تعرضت بلدانهم، لثورات وانتفاضات بدءاً من أوكرانيا الثورة البرتقالية 2005، وجورجيا 2008، والثورة السورية ضد حليفه بشار الأسد، ومرة ثانية غزوه لأوكرانيا 2014، وخروجها عن نصه ملتحقة بالغرب، وبعدها بيلوروسيا العام الماضي، وهذا العام وما جرى في قزاقستان، كل هذا أغضب القيصر، وجعل مفاوضاته شاقة مع الأمريكيين والأوروبيين بشأن الأزمة في أوكرانيا.
بوتين يرى أن أي هجوم على حاكم مستبد موالٍ له، إنما هو هجوم عليه شخصياً، وتحطيم أي تمثال لرئيس موال له إنما هو تحطيم لتمثاله في الغد، فكل هذا إنما يستهدف حكمه وأنموذجه، بالدرجة التي يستهدف حليفه، فحين تعرض الرئيس الفنزويلي نيقولاس مادورو لاحتجاجات شعبية، هبّ على الفور لنصرته والدفاع عنه، ولذلك أُطلق عليه براعي المستبدين، فهو يرى في الثورات التي وقعت في حديقته الخلفية وحتى حديقته البعيدة تحدياً لسلطته، ومجالات نفوذه التي يسعى إلى فرضها على الغرب اليوم بالاعتراف بها من خلال مطالبته بسحب قدرات الغرب وإمكانياته العسكرية التي نشرها في أوروبا، وأن يتعهد بعدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، وهو ما رأى فيه الأخير تدخلاً سافراً في بنية وتركيبة وهيكلية الحلف من قبل دولة أجنبية كروسيا.
تصريح بوتين المتداول وبقوة الآن الذي كان قد أدلى به عقب الثورة البرتقالية الأوكرانية 2005 حين قال: ( إن انهيار الاتحاد السوفياتي أعظم كارثة جيواستراتيجية في هذا القرن.) وضع مداميك وأسس العقيدة العسكرية والأمنية البوتينية، وبالتالي فكل تحركاته ربما يفسرها هذا التصريح، فمن الواضح أنه لا يزال مصاباً بالنوستالجيا أي الحنين إلى ماضي الاتحاد السوفياتي، ولذلك يسعى إلى العودة للاتحاد السوفياتي التقليدي وهو ما قاله وزير الخارجية الأمريكي أخيراً أنتوني بلينكن، بينما بوتين المدرك استحالة العودة إلى نفس الشكل، فيطرح بديلاً عنه وهو الاعتراف بالمجال الحيوي الروسي في حديقته الخلفية، لكن السؤال المطروح كيف يمكن الاعتراف بمجالات نفوذ هي نفسها تنقلب على روسيا، وتسعى للإنفكاك عن مدار بوتين، كما تجلى في كل الثورات التي اندلعت ضد حلفائه وخاصة في مجاله الحيوي الذي يطالب به، كما في أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، وسوريا، وبيلوروسيا وقزاقستان.
فالطموحات والنوستالجيا البوتينية تتناقض مع الواقع على الأرض، فالعفريت لن يعود إلى قمقمه، عكس ذلك جلب بافلوفسي المستشار السابق لبوتين:( طرح روسيا فكرة الحصول على مجال نفوذ، نادراً ما يتجاوب مع الوقائع على الأرض.)
بوتين اليوم الذي كان يودّ أن يلعب دوراً أبعد من حصره ببقعة جغرافية محددة في حديقته الخلفية، وجد نفسه في فخ مع انتشار الثورات ضد حلفائه، وهي في حقيقتها وواقعها ضده وضد نموذجه، كما يراها هو بنفسه، والدليل هو هرعه على وجه السرعة لإنقاذ حليفه في قزاقستان، وحرصه على إنقاذ حليفه في سوريا، وغيرهما، هذا الفخ أو الشرك الذي وقع فيه أبعده عن طموحاته البعيدة بنظر السفير الأمريكي السابق في روسيا ميشال ماكفول،: فبوتين بنظر السفير يرى أن طموحه أكبر من حدود جيرانه، فهو يرى نفسه قائداً لحركة المحافظين الأرثوذكس القومية، والتي ستحارب الغرب المنحل الليبرالي والمفكك والمتعدد.)
بالتأكيد فإن الأيام المقبلة وحتى الساعات القادمة قد تجيب عن تساؤلات كثيرة، حيث العالم يترقب نتائج محادثات الروس مع الأمريكيين والأوروبيين مع الروس، وفيما إذا كان الغرب ومعه أمريكا مصممين على مواجهة طموحات الكرملين؟ أم أن الأخير سينجح في رهانه بخلق شقّ وصدع بين الأمريكيين والأوروبيين، أما في حال فشلت الدبلوماسية فحينها هل سيغامر بوتين بشن هجوم سيبراني على أوكرانيا، وربما بهجوم بري حتى لانتزاع الشرق الأوكراني، مما قد يطلق حرب عصابات استعدت أمريكا لتمويلها، وحذرته من أن الدرس الأفغاني ينتظره لكن هذه المرة في أوكرانيا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3639
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026