رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وصول وزير الدفاع اليمني اللواء محمود الصبيحي إلى عدن بداية هذا الأسبوع بعد تخلصه من قبضة الحوثيين في صنعاء يمثل بارقة أمل في إمكانية لملمة شتات ما تبقى من أولوية الجيش الذي تبعثر بشكل خطير بدءا من سيطرة الحوثيين على محافظة عمران وانتهاء بسقوط صنعاء بتاريخ 21 سبتمبر 2014، وما تلا ذلك من أحداث كان أبرزها فرار الرئيس عبدربه منصور هادي من مقر إقامته الجبرية إلى العاصمة الاقتصادية، ليبدأ وبتأييد خليجي ودولي في محاولات استعادة الشرعية التي فرط فيها، وفرض مزيدا من العزلة على جماعة "أنصار الله" الحوثية وحليفها الرئيس المخلوع.
منذ بدأت تشكيلات من الجيش بالترنح أمام ضربات الحوثيين كان الكثير من اليمنيين والعرب يتساءلون: كيف يمكن لجيش نظامي صرفت عليه مليارات الدولارات من قوت الفقراء، أن تهزمه جماعة صغيرة محصورة في بقعة نائية وتمزق أشلاءه بعد أن أنهكتها ست حروب من عام 2004 إلى 2010؟
كيف انهار الجيش بتلك الصورة المخزية وهو الذي صنفه موقع (جلوبال فاير باور) عام 2013 بالمرتبة الخامسة عربيا؟ ما هو دور الرئيس هادي ووزير الدفاع السابق محمد ناصر أحمد في عملية التفكيك؟ هل يمكن أن نرى جيشا قويا في المستقبل؟ أم سيتضاعف دور المليشيات في رسم مشهد كارثي؟ كيف سيبدو وضع الجيش في حال اتخذ الحوثيون قرارا بإكمال مسيرتهم "القرآنية" باتجاه محافظات الجنوب والوسط والشرق؟ وفي حال اقتناع الحوثيين بأهمية السلم وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني والتخلي عن إجراءاتهم الأحادية.. كيف سيمكن تشكيل جيش وطني لحماية السيادة وليس الحاكم؟
كان يمكن لإعلان الوحدة اليمنية في عام 1990 أن يكون حدثا فارقا في تاريخ الجيش لو تم دمجه على أسس احترافية وطنية لكن شيئا من ذلك لم يتم بل كان الأسلوب الشعاراتي والفوضوي هو السائد للتغني بمنجز فرضته عوامل خارجية أكثر منها قناعات لما يمكن وصفهم بزعماء وطنيين ولذلك ما إن تأثرت مصالحهم لجأوا إلى حرب 1994 التي لم تندمل جراحها حتى الآن. وبعد هذه الحرب كانت هناك فرصتان ذهبيتان لبناء جيش وفق معايير الكفاءة العلمية والعملية والتخصصية.
الفرصة الأولى أهدرها الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح الذي لو استغلها لحقق منجزا عظيما ربما يكفر عن كل حماقاته وفساده، لكنه ولأهداف شخصية ترك الجيش عرضة للتمزق ولغمه بالفساد والمناطقية والولاءات والمصالح الشخصية ليصبح الوطن مختزلا في شخص الحاكم.
لذلك كانت الحروب الست ضد جماعة الحوثي نوعا من اللهو والعبث ذهب ضحيتها آلاف القتلى اليمنيين من الطرفين ولم يكن لها من هدف سوى التخلص من الرجل الثاني في نظام صالح الجنرال علي محسن الأحمر قائد الفرقة الأولى المدرعة، ليصبح الطريق خاليا من أي منغصات لتولي نجل صالح الحكم، ولذلك كان الحرس الجمهوري بقيادة أحمد علي عبدالله صالح يمد الحوثين بأحدث الأسلحة والذخيرة خلال تلك الحروب وهي مفارقة كان اليمنيون لا يصدقونها لولا ما كشفته الأحداث بعد ذلك. وفي عهد الرئيس المخلوع شهد الجيش أسوأ مراحل الفساد وبلغت الأسماء الوهمية من الجنود والضباط عددا مخيفا حيث تقول كشوفات الرواتب إن قوام الجيش نحو نصف مليون مع أن العاملين في الميدان نحو 100 ألف فقط، الأمر الذي جعل كثرة الرتب العليا محل تندر حيث يتداول النشطاء عبر الفيس بوك أن اليمن بلد المليون عقيد!
الفرصة الثانية أضاعها الرئيس هادي عندما علقت عليه آمال كبيرة بإعادة هيكلة الجيش وفق رؤية حديثة، ورغم أن قطار الهيكلة انطلق بمساعدة خبراء عسكريين من دول عربية وأجنبية وتم إعادة توزيع المناطق العسكرية وإلغاء ما كان يسمى بقوات الحرس الجمهوري الحديثة تسليحا وتدريبا وإعادة توزيع ألويتها في محافظات عدة، وإزاحة الجنرال علي محسن الأحمر من قيادة الفرقة الأولى المدرعة وتعيينه مستشارا للرئيس لشؤون الدفاع، لكن الثورة المضادة التي يقودها الرئيس المخلوع بدعم أطراف عربية أطاحت بكل هذه الجهود وفرضت على الرئيس هادي أولويات ربما رأى أنها تصب في مصلحته ومصلحة المنتقمين الذين أسقطتهم ثورة 11 فبراير 2011، وهنا بدأ مسلسل تهاوي المعنويات العسكرية وشيوع الروح السلبية بفعل ما وصفها رئيس جهاز الأمن القومي علي الأحمدي بالخيانات والاختراق بدءا من معركة الاستيلاء على معسكر 310 في عمران...، يومها ذهب القائد الأعلى للقوات المسلحة ليقف إلى جانب القائد العسكري للحوثيين ليقول إن عمران آمنة وإن الوضع على ما يرام، وفي هذه اللحظة بدأ الانهيار الفعلي وما هي إلا أسابيع حتى سيطر الحوثيون على صنعاء وهرب قائد الفرقة الأولى إلى السعودية بعد أن تحول مقر فرقته إلى مرعى للماشية، ولم يكتف هادي بما تم بل عين اللواء محمود الصبيحي وزيرا جديدا للدفاع وهو المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الحوثيين وما إن استلم منصبه حتى دعاه الرئيس هادي إلى "الشراكة مع جماعة الحوثي في تطبيع الأوضاع من أجل استقرار وأمن ووحدة اليمن". كان هادي يعتقد أنه سيقضي على حزب الإصلاح وعلي محسن الأحمر وربما يستعين بالحوثيين لضرب صالح الذي أقصاه من حزب المؤتمر الشعبي، لكن هادي تناسى أن عقلية شمال الشمال لن ترضى بحاكم جنوبي ذي خلفية شافعية الأمر الذي انتهى به إلى البحث عن مهربين يخرجونه من حفرة حفرها بيده.
كثيرون لا يزالون يعلقون آمالا على وجود رئيس شرعي في عدن ووزير دفاع يوصف بأنه رجل نظيف اليد للحفاظ على ما تبقى من وحدات الجيش التابعة لوزارة الدفاع وهي وحدات تتكون في أغلبها من بقايا الجيش الجنوبي وتضم أيضا جنودا من المنتمين إلى مناطق غير زيدية، وتتوزع في مناطق بعيدة عن المدن الرئيسية لكنها تعاني من ضعف التسليح والتدريب الأمر الذي أغرى تنظيم القاعدة بتكثيف وجوده في مناطقها وهو الآن "يرفع راية التوحيد ويجاهد ضدها"!!
اليمن اليوم يقف أمام طريقين: إما المصالحة والحوار والشراكة الحقيقية في السلطة والثروة وبناء جيش وطني يحفظ للبلد وحدته واستقراره وإما حكم المليشيات والطوائف وعندها لن يهنأ أهل الشمال ولا أهل الجنوب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3294
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1266
| 28 سبتمبر 2026