رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا كان يتوقع البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية ان يرى أثناء زيارته التاريخية للعراق الجريح الذي انهكته الحروب ومزقته الصراعات، وهل ستضمد رسالة المحبة والسلام التي حملها في زيارته التي اختتمها يوم الاثنين الماضي جروح العراق الغائرة؟، وما طبيعة رسالة التسامح والاخاء تلك.
بحسب ما أوردته تقارير إخبارية وتحليلات، فإن من ضمن الأهداف التي حملتها زيارة البابا فرانسيس للعراق والتي جاءت في وقت حرج، الوقوف على وضع الأقليات المسيحية هناك والتضامن معهم والشد من ازرهم، وقد صرح البابا في احدى جولاته في العراق قائلاً " إن التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط إنما هو ضرر جسيم لا يمكن تقديره".
وبحسب ما تبينه الاحصائيات، فإن أعداد مسيحيي العراق اخذت في التناقص بعد الغزو الأمريكي للعراق، ذلك الغزو الذي وصفه الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الامريكية بوش الابن يوماً ما بأنه يمهد لـ "عودة المسيح" اما الجماعات الإرهابية المتهمة بتصفية مسيحيي الشرق الأوسط سواء في سوريا او العراق فلم تكن سوى افراز لما سمي بالحرب على الإرهاب، والتي وصفها بوش هي الاخرى بأنها" حرب صليبية"، وعليه ألم يكن من الاجدر بالبابا أن يحمل رسالته وييمم وجهه شطر البيت الأبيض ليحل السلام والوئام في الشرق الأوسط؟
إن نيران الحروب المستعرة في الشرق الأوسط والتي جاء البابا محاولا اخمادها لتكون برداً وسلاماً على تلاميذ المسيح، وفي الوقت الذي ندرك فيه مدى تعقدها واشتباكها بمصالح أطراف عديدة وتعقيدات سياسية كبيرة، الا انه ينبغي ألا نغفل عن حقيقة ان جزءًا من تلك الصراعات الدموية اذكتها ايادي اليمين المسيحي ذو النفوذ المتنامي في الولايات المتحدة الامريكية والغرب عموماً.
وفي هذا الصدد فمن المستبعد جداً ان يكون قداسة البابا غافلاً عن مفهوم "الحرب العادلة" الذي تسترشد به تلك الأحزاب اليمينية، لتبرير الحروب أخلاقيا بحجة إقامة العدل وإيقاف الضرر والتبشير بالسلام والتعايش بين الأمم، ويمكننا ان نتساءل هنا عن العدالة التي حققتها الحروب للشعبين الافغاني والعراقي وغيرهما من شعوب الأرض المطحونة.
لقد ضلل قادة الاحزاب المسيحية اليمينية اتباعهم والرأي العام من دافعي الضرائب ليحصلوا على التأييد والمباركة ليخوضوا الحروب التي لا تبقي ولا تذر تحت حجج واهية وعدالة موهومة، ولم يتساءل العالم بعد كم الدمار الذي خلفته تلك الحروب كما لم يتساءل البابا نفسه عن مزاعم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي كان يعمل على تطويرها ويخفيها عن العالم! والتي كانت سببا "وجيها" لتدمير العراق ونهب ثرواته لما يقارب من عشرين عاما!
لا يمثل العراق مهد الحضارة وحسب، بل انه مهد التوحيد " الابراهيمي" ومنبعه على اعتبار صحة الرواية التي ترى ان مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام كان ضمن أراضي العراق اليوم، الا انه" أي العراق" يعاني ما يعانيه ككثير من دول المنطقة من حروب ونزاعات وطائفية، والمعاناة التي تعانيها شعوب تلك الدول ليست محصورة على الأقليات الدينية والطوائف وحسب ليأتي من يطالب بحمايتهم في منطقة يموج بها الصراع والتطرف ويغمرها من كل حدب وصوب، وعلى ان رسالة البابا في إحلال السلام مقدرة ومرحب بها الا انه من حقنا ان نتساءل هنا عن ماهية تلك الزيارة، وان ننتهز الفرصة لنذكّر أيضا بوضع الأقليات في الغرب الأقرب الى قداسة البابا من العراق.
تعاني الأقليات في دول الغرب من إشكالات، قد لاتصل للدرجة نفسها من المعاناة التي تعانيها أقليات الشرق الأوسط كون المنطقة تجثم على مستودعات الطاقة والثروات وبالتالي فهي تمثل بؤرة للصراع الذي يدفع ثمنه المستضعفون، إلا ان الحقيقة المرة هي أن معاناة الأقليات في دول الغرب نابعة عن التعصب الأعمى لليمينية المتطرفة بقيادة مسيحيين متعصبين، فهل يحمل البابا رسالة سلام ومحبة لأولئك المستضعفين في الأرض، اخذا بالاعتبار ان أكثر المدافعين عن الأقليات في تلك الدول يأتون من خلفيات ليبرالية وأحزاب يسارية، في حين أن الاضطهاد في غالبه الأعم يأتي من المتطرفين الدينيين.
ثم ماذا عن الأزمة التي تعيشها المسيحية في الغرب والمتمثلة في انحسار تأثير الكنيسة على اتباعها، ناهيك عن الكنائس المشرقية المنبوذة أساسا من قبل الكنيسة الكاثوليكية، وفي الوقت الذي يزور فيه البابا مسيحيي الشرق الأوسط ويتضامن معهم نجد ان الكاثوليك يشكلون اقلية وسط الأقليات في تلك المناطق. فهل يعد ذلك لجوءًا عند الحاجة " كعادة الكاثوليكية" لكنائس المشرق، أم أن البابا خلع عباءة الدين وارتدى معطف الدفاع عن حقوق الأقليات والمطالبة بحقوق الانسان.
في مقابل تلك التساؤلات، لابد أن نقرأ زيارة البابا لمدينة أور الأثرية و"الحج" اليها على اعتبار انها مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام بتأنٍ وروية، فهل تأتي تلك الزيارة في إطار التأسيس لمحج في تلك المنطقة ليأتيها الحجاج "الابراهيميون" كما يوصفون، من كل فج عميق؟ ثم ماذا عن الشكوك التي ابداها كثيرون حول ما يتعلق "بالدعوة الابراهيمية" وهل يدعم البابا تلك المساعي لتوحيد اتباع الديانات الابراهيمية والتأسيس لعصر جديد يتّحدون فيه، ليس بهدف تشكيل قوة يخشى جانبها والتأسيس لتعاون مثمر، بل ربما لتسهيل انصياعهم في ظل متطلبات زمن العولمة الذي لا يستوعب الاختلاف وليس لديه الوقت للحوار والاقناع. أم ان تلك الزيارة ربما تهدف لما هو ابعد بحسب ما يذهب اليه البعض وذلك للتمهيد لفصل محافظة "ذي قار" عن الجسد العراقي الممزق والمنهك؟ في محاولة للحصول على قطعة من الكعكة العراقية يستأثر بها المسيحيون؟ كل تلك التساؤلات لا يمكن الجزم بإجابتها إلا انها تبقى أسئلة مطروحة ومفتوحة.
ما أحوجنا اليوم لـ"بابا" يطالب بحقوق المستضعفين ويحمل رسائل السلام والمحبة والإخاء ويحلق بها في اصقاع المعمورة ويحط رحاله في خليج غوانتانامو ليطالب بحقوق الاقلية المستضعفة التي تقبع في السجون لما يقرب من عشرين عاماً كضحايا "للـحروب المقدسة"، لينادي بإنصاف الأقليات والمستضعفين ويطالب بحقوقهم ليعيشوا بسلام ووئام دون عنصرية او بغضاء او كراهية.
وعوضاً عن ان يقف البابا على أنقاض دولنا بحثاً عن موقع معركة "هرمجدون " منتظرا عودة المسيح، كان الأحرى بالمؤسسة الدينية الكاثوليكية السعي لبلورة خطاب معتدل ينبذ التطرف أيا كان نوعه وشكله وخلفيته الدينية، ويعزز النزعة الإنسانية ويدين التطرف اليميني ويكبح جماحه، بدل أن ينشغل الفاتيكان بكيفية تعميد الكائنات الفضائية وهدايتها لنور المسيحية عندما تزور كوكبنا الصغير!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2772
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2061
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
726
| 25 يناير 2026