رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حمد البوعينين

حمد البوعينين

مساحة إعلانية

مقالات

216

حمد البوعينين

السمنة: من القلق الصحي إلى التحدي الوطني

21 يناير 2026 , 02:40ص

فيما مضى، لم تكن السمنة ظاهرة عامة بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كان الناس يأكلون بقدر الحاجة، ويستهلكون ما هو متوفر ومتاح بحدوده، هذا إذا كان المتوفر يغطي الحاجة أساسًا!.. أما اليوم، فقد تحولت المسألة إلى كرة ثلج تتضخم باستمرار، مدفوعة بوفرة غذائية غير مسبوقة، وسباق تسويقي محموم، وخيارات غير صحية تكاد تحاصر الفرد من كل اتجاه.

في عام 2021، تناولت هذا الملف في مقال رأي، انطلاقًا من قناعة بأن مواجهة السمنة لا يمكن اختزالها في سلوك فردي أو نصيحة صحية عابرة، بل تتطلب جهودًا مشتركة تتقاطع فيها المسؤولية الفردية مع السياسات العامة. غير أن البيانات المسحية التي أُجريت منذ ذلك الحين تُظهر بوضوح أن المشكلة لم تتراجع، بل واصلت مسارها التصاعدي، عالميًا ومحليًا على حد سواء.

وقد أكد وزير الصحة، في تصريح له حول خطة العمل لمكافحة السمنة والسكري ومخاطر أمراض القلب، أن «السمنة والسكري من بين أكثر التحديات الصحية إلحاحًا التي تواجه قطر اليوم»، وهو واقع يؤكد انتقال هذا الملف من خانة القلق الصحي إلى مستوى التحدي الوطني.

وتعزز هذا الفهم نتائج دراسة نوعية مهمة نشرتها مجلة PLOS ONE في مايو 2024 بعنوان « تجاوز المسؤولية الفردية: فهم دور البيئة في مسارات السمنة»، إذ خلصت الدراسة إلى أن السمنة لا يمكن تفسيرها بوصفها نتيجة قرارات فردية معزولة، حتى وإن أقرّ الأفراد بمسؤوليتهم عن سلوكهم الغذائي ونمط حياتهم. فقد أظهرت الدراسة أن تبنّي الخيارات الصحية، لمن يعانون من السمنة، يجري داخل سياق بيئي واجتماعي ضاغط يحد فعليًا من القدرة على الالتزام بها، في ظل وفرة الأطعمة عالية السعرات، وسهولة الوصول إليها، وضيق الوقت المرتبط بمتطلبات العمل، والإجهاد النفسي، والالتزامات الأسرية، وغياب البيئات الداعمة للنشاط البدني. كما بيّنت الدراسة أن تحميل الفرد كامل المسؤولية يسهم في تعزيز لوم الذات، حتى لدى من يدركون أثر العوامل الخارجية، مؤكدة أن السمنة نتاج تفاعل معقّد بين الفرد وبيئته الاجتماعية والاقتصادية.

ومؤخرًا، انتقل هذا الملف من فضاء النقاش المجتمعي والبحثي إلى ساحة النقاش التشريعي، حيث ناقش مجلس الشورى في جلسته الأخيرة موضوع السمنة لدى الأطفال في دولة قطر، وتطرقت المناقشات إلى ارتفاع معدلات السمنة في المجتمع عمومًا، وبين الأطفال على وجه الخصوص، إدراكًا بمدى أهمية هذا الموضوع وتأثيره على الفرد والمجتمع على حد سواء. هذا الانتقال في حد ذاته مؤشر على مرحلة جديدة من التعامل مع القضية، تعكس جديتها وخطورتها، وتضعها في إطار المسؤولية المؤسسية.

فحين يصل ملف صحي إلى سلطة التشريع، فإن ذلك يعني أنه لم يعد مسألة وعي فردي أو اختيار شخصي، بل عائق حقيقي أمام مساعي التنمية. فالسمنة، بما تفرضه من أعباء صحية واقتصادية واجتماعية، تُعد معرقلًا مباشرًا لأهداف التنمية البشرية التي نصّت عليها رؤية قطر الوطنية 2030، والتي تسعى إلى بناء مجتمع يتمتع بالصحة الجسدية والنفسية. ومع تبقي سنوات قليلة على أفق الرؤية، يصبح تجاهل هذا التحدي أو التعامل معه بأدوات محدودة مخاطرة غير محسوبة.

من هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الفرد بوصفه سبب المشكلة، بل بوصفه ضحية منظومة غذائية وتجارية وبيئية معقّدة. فالسمنة تكلّف الدولة كثيرًا، ليس فقط من حيث كلفة العلاج، بل من حيث استنزاف الموارد، وتراجع الإنتاجية، وتراكم الأمراض سواء تلك النفسية أو العضوية. والتعامل معها يجب أن ينطلق من هذه الزاوية، عبر سياسات صارمة تعالج المسببات لا النتائج.

وهنا تبرز الحاجة إلى تشديد الرقابة على الأغذية من حيث نوعيتها ومصادرها، وإلى مقاربة خليجية متكاملة ضمن إطار مجلس التعاون، لتبادل التجارب الناجحة، وتوحيد الاشتراطات والمعايير، سواء في توصيف المنتجات الغذائية، أو استخدام الزيوت المهدرجة، أو تنظيم اللحوم المصنّعة التي تُصنّف ضمن مسببات السرطان. فلا يجوز أن يظل مبدأ الربحية هو الموجه الوحيد لسلوك شركات الأغذية والمطاعم، دون اشتراطات صارمة تحمي صحة المجتمع.

كما أن خطة مكافحة السمنة ينبغي أن تكون أكثر شمولًا، تتداخل فيها التشريعات والقوانين المنظمة، والمواصفات والتقييس، والتعليم والتغذية المدرسية، والسياسات التموينية، بحيث لا يُترك الفرد وحيدًا في مواجهة سيل جارف من الخيارات غير الصحية، حتى حين تتوافر لديه الرغبة في تغيير نمط حياته، وحتى لا نرى يد تبني من جهة وتبذل جهودًا حثيثة لخفض معدلات السمنة، ويد تهدم وهدفها الوحيد الربح دون اكتراث بصحة المجتمع.

وفي هذا السياق، لا يكفي فرض رسوم أو ضرائب انتقائية على المنتجات غير الصحية، بل يجب أن يقترن ذلك بمنع استيراد وتداول المنتجات التي يثبت ضررها، ومعاملتها معاملة الأغذية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي كمشروبات الطاقة والمشروبات عالية السكر مثلاً. وفي المقابل، ينبغي إقرار معاملة تفضيلية للمنتجات التي يثبت أنها صحية، مع إخضاع الادعاءات الغذائية، ولا سيما في مطاعم «الأغذية الصحية»، لاشتراطات واضحة وإلزامها باستخراج شهادات تثبت ما تحويه وجباتها من سعرات تصدرها جهات محايدة ومعتمدة.

إن النجاح في مواجهة السمنة يتطلب إجراءات صارمة، لا الاكتفاء بالوعظ أو حملات التوعية وحدها. فإلى جانب الجهود التي تبذلها الجهات المختلفة، تبقى التشريعات الداعمة والقوانين الحازمة عنصرًا حاسمًا، لأن صحة المجتمع وتحقيق غاياتنا التنموية أسمى من أي اعتبارات أخرى.

ولعل النظر إلى مرض السكري، بوصفه أحد الأمراض الأيضية المرتبطة بالتغذية غير الصحية، يوضح حجم التحدي القادم. فعدد كبير من المصابين اليوم، ممن تجاوزوا الستين من العمر، لم يعيشوا في بيئة الوفرة الغذائية التي نعرفها الآن، ولم تتوافر لهم الخيارات غير الصحية بهذا الحجم. فكيف سيكون المشهد بعد سنوات إذا لم نتخذ اليوم إجراءات حاسمة وخطة وطنية شاملة؟ سؤال لا يمكننا تجاهلة، ولا نرجو أن نُضطر للإجابة عنه بأرقام أشد قسوة في المستقبل.

اقرأ المزيد

alsharq لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية حسب أشهر الجامعات الأمريكية

تعود مسألة «الإسلام الديمقراطي» إلى صدارة النقاش السياسي والفكري مجددًا وذلك على ضوء التجربة التونسية التي كانت نموذجًا... اقرأ المزيد

117

| 23 يناير 2026

alsharq العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 1-2

من خلال هذه السيرة التي يقطع فيها صاحبها مسيرة حياته بين ثلاثة عوالم متغايرة الثقافة، عربية وعبرية وأنجلوسكسونية،... اقرأ المزيد

144

| 23 يناير 2026

alsharq كوكبة جديدة من حماة الوطن

انطلاقاً من الأهمية الكبيرة التي يوليها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى... اقرأ المزيد

120

| 22 يناير 2026

مساحة إعلانية