رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن العمال خسروا نتيجة الأزمة ليس فقط في الأجور والمنافع وإنما في البطالة حيث فاقت بعض المؤشرات الوطنية نسبة الربع. الأوضاع تختلف بين الدول بسبب القوانين والمؤسسات والسياسات المستعملة، إلا أن العبرة واحدة وهي أن العمال خسروا أكثر بكثير من شرائح المجتمع الأخرى. هنالك تقريران شاملان دوليان صدرا في سنة 2013 بشأن موضوع العمل والبطالة وهما تقرير البنك الدولي السنوي للتنمية WDR وتقرير الأجور الصادر عن منظمة العمل الدولية. يشيران إلى خطورة البطالة وتأثيرها ليس فقط على النمو وإنما على الاستقرارين الاجتماعي والسياسي. المطلوب في كل دولة سياسة عامة للأجور للقطاعين العام والخاص تحددان الأطر المناسبة لتغير الأجور بحيث لا يظلم العامل ورب العمل. ما هي الأطر المناسبة التي تنبع مبادئها من التقريرين المذكورين؟ يجب أن تحترم أي سياسة أجور:
أولا: الركائز الأساسية للاقتصاد أي تدعم الاستقرار والمناخ الاستثماري وتقع ضمن القوانين والمنطق وتحترم حقوق الانسان. إن النمو ينبع من الاستثمارات وأن المستثمرين يتجنبون الدول ذات التكلفة المرتفعة ليس فقط في الأجور وإنما في كل شيء كالمسكن والضرائب والغذاء والنقل وغيرها.
ثانيا: لا يمكن فصل موضوع الأجور عن السياسات التفصيلية المرتبطة مباشرة بتطوير الإنتاجية والفعالية بحيث تتمكن المؤسسات من تحسين أوضاع العمال وتطوير إنتاجها ونوعية سلعها وخدماتها. رفع الإنتاجية يسمح بتحسين أوضاع العمال بسهولة أكبر.
ثالثا: تحديد أولويات الاقتصاد من قبل الحكومة بالتعاون مع القطاع الخاص وممثلي العمال. لكل اقتصاد حاجاته المختلفة ومن الضروري إزالة كل العوائق بحيث تتحقق الأهداف لمصلحة كل أطراف الإنتاج.
رابعا: لا يمكن تحديد سياسة أجور وحتى غيرها من السياسات من دون إحصائيات دورية شاملة وصحيحة بحيث تؤخذ القرارات بوضوح تجنبا للأخطاء المكلفة. الدول النامية والناشئة مقصرة في إعطاء الاحصائيات التي تسيس في العديد من الأحيان لمصلحة الحكام. يجب أن تكون مؤسسة الإحصاء الرسمية مستقلة بحيث تستطيع مقاومة من يحاول التأثير عليها.
ما هي الأدوات الضرورية لإنجاح سياسة الأجور؟
أولا: في كل دولة هنالك حد أدنى رسمي للأجور يسمح للفرد بالعيش بكرامة. تحديده يخضع لمعايير علمية أهمها دراسة تكلفة المعيشة عبر اعتماد مؤشر واقعي للأسعار يرتكز على سلة استهلاكية معقولة للمواطن العادي. الحد الأدنى هو المعيار الأساسي لأي سياسة أجور جدية. لا يمكن أن يكون الحد الأدنى مرتفعا جدا إذ يؤثر عنده على البطالة كما لا يمكن أن يكون منخفضا لا يسمح للعامل بالعيش بكرامة. تحديد الأدنى يجب أن يتم بدقة.
ثانيا: يجب أن تحمي القوانين الموظف والعامل من الظلم وسوء المعاملة كما من الصرف التعسفي. المطلوب ضمانات اجتماعية وصحية للعمال ممولة من الدولة والشركات. ما زالت الدول النامية والناشئة مقصرة وما زالت حقوق العمال المحليين أو المستوردين غير محترمة تبعا للقوانين الدولية وتوصيات مؤسسة العمل الدولية. كما على العامل أن يبذل كل جهوده لمصلحة المؤسسة التي يعمل فيها، عليها في المقابل أن تحترم حقوقه المادية والإنسانية. عقود العمل الجماعية مهمة في الدول التي لا تحدث قوانينها بحيث يحفظ العامل حقوقه من ضمنها.
ثالثا: هنالك نظام دولي للعطل الرسمية والإجازات لا يمكن تخطيه. هو الحد الأدنى المقبول في المجتمعات التي تختلف حكما في عدد أعيادها الوطنية والدينية إلا أن هنالك عددا يقارب العشرة لا يمكن النزول دونه. كما أن العطل السنوية مهمة جدا لإراحة العامل وللسماح للمؤسسة بتدوير العمل بحيث ترتفع الإنتاجية.
رابعا: من المهم جدا أن يكون هنالك صوت للعمال أفرادا ومجموعات. يساهم هذا الصوت في رفع انتاجية العامل ويسمح للمؤسسة بمحاورة العمال عبر ممثليهم في مجموعات أو نقابات. الحياة النقابية مهمة ولم تتحسن ظروف العمال في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها إلا بفضل النشاط النقابي وتعاون قطاع الأعمال والدولة. الوعي العام مطلوب لإعطاء كل الفرقاء حقوقهم المشروعة بل المفيدة للاقتصاد.
خامسا: المطلوب قوانين عمل عصرية تسمح بتطوير الأسواق أي تحفز الشركات ضرائبيا كي تقوم بتدريب موظفيها وعمالها. تتطور العلوم سريعا بحيث يصبح التدريب أكثر فأكثر ضرورة وطنية واقتصادية في نفس الوقت.
ماذا حصل في الواقع دوليا بشأن الأجور؟
أولا: في معظم الدول النامية والناشئة تدنت حصة العمل من الدخل الوطني لأن الأجور لم تلحق بالتضخم. حصل ذلك أيضا بسبب التكنولوجيا التي تتطور أحيانا فوق قدرة العامل على استيعابها، بسبب أسواق المال المعولمة التي تعزز أوضاع الأغنياء على حساب الفقراء والتي لا تمكن العامل من الاستفادة منها كما بسبب قوانين ومؤسسات عمل ضعيفة وغير فاعلة.
ثانيا: كيف تغيرت الأجور بين سنتي 2000 و 2011؟ عالميا ارتفعت الأجور في هذه الفترة بنسبة 23% لكنها لم تتوزع بشكل متواز على المناطق الجغرافية. في أفريقيا، زادت الأجور 18% وفي أسيا 95%، وفي شرق أوروبا وآسيا الوسطى 171% وفي الدول الصناعية 5% وفي دول أميركا اللاتينية والكاريبية 15%. المنطقة الوحيدة في العالم التي انحدرت فيها الأجور خلال فترة الـ 11 سنة هي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث انخفضت 6% وهذا غير مقبول في كل المعايير الاقتصادية والإنسانية. ترتبط الأسباب بالإنتاجية والقوانين والمؤسسات وبعدم احترام حقوق العمال والموظفين كما تفرضه القوانين بل يفرضه المنطق والعقل.
ثالثا: المزعج في ما يحصل أنه بالرغم من أن أوضاع العمال تتراجع دوليا وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يحصل الكثير من الجشع من قبل إداريي الشركات الكبرى والتي لا تبررها النتائج المالية. هنالك حملة دولية ضد هذه المنافع والتعويضات التي يحصل عليها بعض رؤساء الشركات في وقت تفلس أو تتعثر شركاتهم.
رابعا: الاقتصاد العالمي يعاني اليوم من الأزمة المستمرة. هنالك سياسات تقشف متبعة في العديد من الدول المصابة، إلا أن هذا التقشف يطال أولا وفي أكثريته العمال ووظائفهم وحقوقهم وتبقى الأمور الأخرى من هدر وفساد كما هي. لا يمكن القبول بهذا الواقع الذي لا يعطي العامل حقوقه لا في فترة الازدهار ولا في فترة الصعوبات.
مستوى الأجر مهم جدا لكنه لا يكفي كي يأخذ العامل كما رب العمل حقوقهما. العلاقة الجيدة مهمة وهي ليست فقط رقمية بل يجب أن تكون إنسانية معتمدة على الإخلاص والنية الحسنة من الفريقين. ما هي الحلول التي يمكن أن تطبق لتحسين أوضاع العمال؟
أولا: وضع علاقة واضحة بين الأجر والإنتاجية بحيث تشكل حافزا للتحسن المفيد للاثنين.
ثانيا: رفع الأجور سنويا بنسبة معينة من غلاء المعيشة.
ثالثا: تطوير ركائز أسواق العمل من إحصائيات وقوانين ومؤسسات وقضاء سريع فاعل ومتخصص. يجب أن يكون في كل دولة مؤسسة تساعد العاطل عن العمل على إيجاد فرصة له أي تصل طالبي العمل بعارضيه. يجب اعتماد الأخلاق في التصرف.
رابعا: تطبيق معايير الثواب والعقاب في القطاع العام الذي يعاني عموما في انخفاض الإنتاجية. تحفيز التدريب ومعاقبة التمييز على أساس العرق والجنس وغيرهما.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5649
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
3459
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2346
| 01 أغسطس 2026