رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد بكري

كاتب ومؤلف
حساب X ( تويتر): @e6n

مساحة إعلانية

مقالات

414

محمد أحمد بكري

قلب واحد.. أقوى من العالم؟

11 يونيو 2026 , 11:08م

كم من إنسان ظن أن حياته انتهت، ثم اكتشف بعد أعوام أن تلك اللحظة كانت بداية نجاته؟ وكم من قلب ارتجف خوفًا وهو يرى الأبواب تُغلق في وجهه، ثم أدرك متأخرًا أن الله كان يسوقه إلى باب آخر لم يكن ليهتدي إليه وحده؟ إن أكثر ما يُتعب الإنسان في هذه الحياة شعوره أنه متروك وسط الألم، وأن ما يحدث له بلا معنى، ومن تلك العتمة يولد اليقين.

واليقين يا صاحبي، ليس أن ترى الطريق معبّدًا أمامك، ولا أن تأمن المصائب أن تنزل بك، ولا أن تنجو من الألم والحزن والخسارة؛ فهذه سنّة الحياة في العباد جميعًا. ولكنه قوة خفيّة يجعلها الله في قلب المؤمن، فإذا الدنيا أظلمت أبصر، وإذا اضطرب الناس سكن، وإذا انقطعت الأسباب تعلّق بمسبّب الأسباب وحده. فكأن اليقين عينٌ أخرى يبصر بها الإنسان ما لا تبصره العيون.

ألم ترَ إلى إبراهيم عليه السلام يوم أُلقي في النار؟

أيّ قلبٍ يحتمل تلك الساعة؟ نارٌ تتلظّى، وخلقٌ اجتمعوا على عداوته، ولا باب نجاةٍ يُرى في الأفق. حتى إن الروايات تذكر أن جبريل عليه السلام عرض عليه العون، فقال في سكينة الواثق بربّه: "أما إليك فلا".

يا الله! ما كانت تلك كلمة رجل ينتظر معجزة، إنما كلمة قلبٍ امتلأ بالله حتى لم يعد يرى في الكون كلّه ملجأً غيره. ولذلك كانت المعجزة أن يبرد قلب إبراهيم قبل أن تبرد النار.

ثم انظر إلى موسى عليه السلام عند البحر، وقد أحاط به الهلاك من كل جانب؛ فرعون خلفه بسيفه وطغيانه، والبحر أمامه بصمته وهيبته، حتى صاح قومه في فزع البشر وضعفهم: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ولكن موسى، وقد استقرّ اليقين في أعماق روحه، قال: ﴿كَلّا إِنَّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ﴾. لم يكن يرى طريق النجاة، ولكنه كان يعرف الله، ومن عرف الله هانت عليه متاهات الطريق.

وهكذا كان رسول الله ﷺ، في كل موطنٍ تضيق فيه الدنيا بالناس، يفتح باب السماء بيقينه. ففي الغار، حين وقف المشركون فوق رؤوسهم، واضطرب قلب أبي بكر رضي الله عنه حتى قال: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، لم يزده ﷺ ذلك إلا طمأنينة، وقال في هدوء المؤمن الذي يرى بعين قلبه ما لا يراه الآخرون: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟".

وما اليقين إلا أن يغلب حضور الله في قلبك حضور الخوف، وأن تكون ثقتك برحمته أكبر من فزعك من الدنيا كلها.

ولعل أعجب صور اليقين ما كان من هاجر أم إسماعيل، حين تركها إبراهيم عليه السلام في صحراء قاحلة، لا أنيس فيها ولا ماء. فسألته في لهفة المرأة وخوف الأم: "آلله أمرك بهذا؟" فلما قال: نعم، قالت في سكينة قلبٍ عرف ربه: "إذًا لن يضيّعنا".

وهكذا يفعل اليقين بأصحابه؛ لا يمنع عنهم الدموع، ولكنه يمنعهم من الانكسار. يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضّت عيناه، والنبي ﷺ حزن وتألم، ولكن قلوبهم بقيت معلّقة بالله، لا باليأس.

فيا صاحبي، إذا ضاقت بك الحياة يومًا، وتكسّرت في قلبك الأشياء التي ظننتها عصيّة على الانكسار، ووقفتَ وحيدًا أمام خوفك لا تدري كيف تنجو، فتذكّر أن الله لا يترك قلبًا احتمى به صادقًا.

ولا تخف من تأخّر الفرج، ولا من طول العاصفة؛ فالذي شقّ البحر لموسى، وجعل النار بردًا على إبراهيم، وحفظ نبيه ﷺ في الغار، قادرٌ أن يخلق لك من ضيقك مخرجًا، ومن حزنك نورًا، ومن كسرك حياةً جديدة.

اليقين أن يظل قلبك معلقًا بالله مهما اشتدّت الحياة؛ وأن تعبر الألم دون أن تفقد نفسك في الطريق.

واعلم أن الإنسان، حين تهزّه الصدمات، يعود إلى أعمق ما ترسّخ داخله. فاجعل في قلبك يقينًا يردّك إلى الله لا إلى الخوف، وإلى السكينة لا إلى الضياع. وأن علامة اليقين أن يقلّ اضطرابك بما لم يُكتب لك، ويقلّ خوفك مما كُتب عليك.

ولهذا، حين تتعب، لا تبحث عن الطريق أولًا... ابحث عن الله. فمن وجد الله، وجد الطمأنينة وسط الفقد، والنور وسط العتمة، والحياة حتى في أكثر اللحظات انكسارًا.

اقرأ المزيد

alsharq أثر الفراشة

عندما ترتطم الذات بلوحٍ زجاجي لا تراه إلا تلك الروح، يصبح الكلام عبئاً ثقيلاً، ويغدو الصمت ملاذاً مؤقتاً... اقرأ المزيد

75

| 23 يونيو 2026

alsharq المبنى يَعلو... والمعنى يَخفُت: قراءةٌ في مرآةٍ بريطانية

وجهتني دكتورة قطرية خبيرة بالتعليم إلى مقال في مجلة London Review of Books البريطانية الرصينة، للناقد والأكاديمي ستيفان... اقرأ المزيد

105

| 23 يونيو 2026

alsharq الكتابة الورقية أم الرقمية.. أيهما يفوز؟

أحيانا كثيرة يتبادر الى ذهني تساؤلات أحاول أن أجد لها إجابة، في ظل غزو الشاشات الرقمية هل الكتابة... اقرأ المزيد

42

| 23 يونيو 2026

مساحة إعلانية